السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«ثلاثٌ ‌لا ‌تُردُّ: الوَسَائِدُ والدُّهنُ ‌واللّبَنُ»، الدُّهن يعني به الطِّيبَ.


رواه الترمذي برقم: (2790)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (5677) والبغوي في شرح السنة برقم: (3173)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (3046)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (619).


شرح الحديث


قوله: «ثلاثٌ لا تُردُّ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثٌ» أي: ثلاث هدايا «لا تُردّ» بالتأنيث، وقيل: بالتذكير أيضًا، لكن يحتاج إلى تأويل، وهو أن يقال: باعتبار المجموع، أو كل واحدة من الهدايا، ويراد بها ما يُهدى، ثم إنه بضم الدال على ما في الأصول المعتمدة، والنُّسخ المصَحَّحَة، فهو خبر بمعنى النهي، قيل: ويجوز الفتح فيكون نهيًا صريحًا، فتأمل.
وقال الحنفي (ميرك): قوله: «ثلاثٌ لا تُرد» مبتدأ وخبر، ولا بد من اعتبار معنى في «ثلاث» من العَظَمة والشرف وقلة المؤنة وخِفة المحمل؛ ليكون صفة نكرة مبتدأ، ويجوز أن يكون «ثلاث» مبتدأ، و«لا تُردّ» صفته وخبره. جمع الوسائل (2/ 4).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «ثلاثٌ لا تردُّ» لأن الطباع مائلةٌ إليها، فالردُّ فيها لا يكون إلا محضًا من التكلف الظاهري؛ إذ ليس فيها مؤنة وشُقة على المُهدِي؛ حتى يتعلّل بأن الرد لأجل الإبقاء عليه فلا يكون إلا تكبّرًا. الكوكب الدري (3/ 413).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وإنما «لا تُرَدّ» لكونها هدايا قليلة المؤنة، وفيها تكريم الضيف. لمعات التنقيح (5/ 681).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثلاثٌ لا تردُّ» أي: لا ينبغي ردُّهن إذا أكرم الإنسانَ أخوه بها. التنوير (5/ 186).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«‌ثلاثة» مُسوِّغُه (أي: للابتداء بالنكرة) ما فهم من السياق، أي: قليلة المؤنة، أو تُهدى إلى الغير. أشرف الوسائل (ص: 297).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وتأويل «‌ثلاث» كَفِي قوله: «‌المسلمون شركاء في ثلاث»...، (و) النهي فيه للتنزيه والكراهة، إمَّا لقلَّة المنَّة والمؤْنة، وإما لأنَّه طِيب (يعني: في الدهن). الأزهار مخطوط لوح (291).

قوله: «الوسائدُ والدُّهنُ واللّبَنُ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الوسائدُ والدُّهنُ واللّبنُ» يعني: إذا أعطاكم أحدٌ وسادةً لتجلسوا عليها، أو تتكئوا عليها، فاقبلوها، وكذلك إذا أعطاكم أحدٌ طِيبًا أو لبَنًا فاقبلوه؛ لأن المنّة فيهن قليلة؛ ولأنكم لو لم تقبلوا هذه الأشياء يتأذّى المُعطي منكم، ويحصل بينكم بغضٌ وعداوةٌ، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهديةَ، ويُثيب عليها؛ أي: يُعطي عوضَها، أما قبول هديته: فلتطيب قلوبُ المسلمين، وأما دفعُ عِوضها إليهم: فكيلا يكون لأحد عليه مِنّة ونعمة. المفاتيح (3/ 523).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«الوسائد» جمع الوسادة، والمراد بها التي حشوُها من اللّيف أو الصُّوف؛ لأن وسائدهم كانت يكون منها غالبًا. شرح المصابيح (3/ 509).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
أما قول ابن الملك: "المراد بالوسائد: التي حَشْوُها لِيفٌ أو صُوف؛ لأنها كانت منهما غالبًا" فمدفوعٌ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ. مرقاة المفاتيح (5/ 2013).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«الوسائد» جمع وسادَة، وهي ما تُجعل تحت الرأس عند النوم...، ويؤخذ من ذلك: أن المراد بالوسادة التي لا مِنَّة في قبولها، ويلحق بهذه الثلاثة كلُّ ما لا مِنّة عُرفًا في قبوله، ثم رأيتُ مَن حمل الوسائد على أن المراد أنها إذا بُسطت لأحد ليجلس عليها فلا ينبغي له الامتناع من ذلك. أشرف الوسائل (ص: 297 - 298).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والوسائد: جمع الوسادة، وهي ما يُجعل تحت الرأس عند النوم، ويقال لها المخدّة؛ إذ قد يوضع تحت الخدِّ، على ما وردت به السُّنة، «والدُّهن» وفي نسخة صحيحة بدله: «والطِّيب»، ولعل المراد بالدُّهن هو الذي له طِيبٌ، فعبَّر تارةً عنه بالطِّيب، وأخرى بالدُّهن، «واللّبن» كذا في الأصول المعتمدة والنُّسخ المصحَّحة، وفي الجامع الصغير بلفظ: «ثلاثٌ لا تُرد: الوسائد والدهن واللبن»... قال ميرك: يحتمل أن يراد إذا أَكْرَمَ رجلٌ ضيفه بوسادة فلا يردّها، ويحتمل أن يراد إذا أهدى رجل إلى أخيه وسادةً أو دُهنًا أو لبنًا أو طِيبًا فلا يردها؛ لأن هذه هدايا قليلة المنّة، فلا ينبغي أن ترد، وهذا أوجه، تأمل. جمع الوسائل (2/ 4).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«الوسائد» جمع وِسادة، بالكسر، ويثلّث، وقد يُجمع على وُسُدٍ، وهي المتّكأ والمخدَّة. لمعات التنقيح (5/ 681).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أنشد بعضهم يقول:
قد كانَ من سيرة خير الورى *** صلى الله عليه طولَ الزمن
ألا يردَّ الطيب والمتّكا *** واللحمَ أيضًا يا أُخيّ واللّبن. فيض القدير (3/ 310).

قوله: «الدُّهن، يعني به: الطِّيبَ»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
قال الترمذي: «يعني بالدُّهن الطِّيب» ويدخل في الطِّيب أنواعُ الرياحين المشمومة، وأنواع الطِّيب العَطر. السراج المنير (3/ 58).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
كأنه حَمَلَ «الدُّهن» على الطِّيب، وعبَّر عنه بالطِّيب، والأظهر أن المراد به مُطلق الدهنِ؛ لأن العرب تستعملُه في شعور رؤوسهم. مرقاة المفاتيح (5/ 2013).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «والدُّهن» أي: العِطر؛ فإنه لا يكون إلا دُهنًا. الكوكب الدري (3/ 413).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«أراد بالدُّهن الطِّيب» إما أن يكون المراد الدُّهن المطيّب، أو على طريقة ذِكر الخاصّ وإرادة العام، فافهم. لمعات التنقيح (5/ 681).
وقال عبد الله اللحجي -رحمه الله-:
ويلحق بالطِّيب كلُّ ما لا منّة فيه، كالوسادة والدّهن والحلو، ورزق مَن يحتاج إليه، وقد أوصلها السيوطي إلى سبعة، ونظمها فقال:
عن المصطفى سبعُ يُسَنّ قبولها *** إذا ما بها قد أَتحف المرء خلّانُ
فحلوٌ وألبانٌ ودهنٌ وسادةٌ *** ورزقٌ لمحتاج وطِيب وريحان. منتهى السؤل (1/ 358).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هذا من مكارم الأخلاق فلا يُردُّ الطيبُ، ولعله التَّطيّب، أما الطِّيب إذا كان قارورة وما أشبه فهذا قد يُقبل لأحوال، ويُردُّ ويمتنع لأحوال. الحلل الإبريزية (2/ 378).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وخُصَّت هذه الثلاثة للمعنى السابق في بعضها، وهو الطيب. أشرف الوسائل (ص: 297).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في الحديث دلالة أنَّ من الهدايا ما يردّ؛ لعلة، إذا كان لذلك وجه، وأنَّ الطِّيب لا وجهَ لِرده؛ لأنه من المباحات المُستحسنات. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (16/ 305)

ينظر للفائدة: حكم رد الريحان.


إبلاغ عن خطأ