«إنَّ لِكُل شيء شِرَّةً، ولكل شِرَّةٍ فَتْرةً، فإن كان صاحبها سدَّدَ وقارب فارْجُوهُ، وإن أُشير إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوهُ».
رواه الترمذي برقم: (2453)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (6764)، وابن حبان برقم: (1513)، من حديث ابن عمرو -رضي الله عنهما-: «إنَّ لكل عمل شِرَّةً، ولكل شِرَّةٍ فَتْرةً، فمَن كانت فَتْرَتُهُ إلى سُنَّتِي فقد أَفْلَح، ومَنْ كانت فَتْرَتُهُ إلى غير ذلك فقد هَلَكَ»، ورواه البيهقي في الشعب برقم: (3595) بلفظ: «فمن كانت فَترتُه إلى سُنَّتي فقد اهتدى».
صحيح الجامع برقم: (2151 ، 2152)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (56 ــ 57).
غريب الحديث
«شِرَّة»:
بكسر الشِّين، وتشديد الراء: النشاط والرغبة. قوت المغتذي، للسيوطي (2/ 594).
وقال الرازي -رحمه الله-:
شِرَّةُ الشباب: حرصه ونشاطه. مختار الصحاح (ص: 163).
«فَتْرَة»:
الفَتْرَة: الانكسارُ والضعفُ، وقد فَتَرَ الحرُّ وغيره يفتر فتورًا، وفَتَّره الله تَفْتيرًا، والفَتْرَةُ: ما بين الرسولين من رسل الله -عز وجل-، وطرف فاتِر: إذا لم يكن حديدًا. الصحاح، للجوهري(2/ 777).
«سَدَّد»:
السَّداد: القصد، وتَسْدِيد السَّهم: إصابةُ القَصْد به. المجموع المغيث، للمديني (2/ 71).
قال الجوهري -رحمه الله-:
التَّسديد: التوفيق للسداد، وهو الصوابُ، والقصدُ من القول والعمل. الصحاح (2/ 485).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ لكل شيء شِرَّةً»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«لكل شيءٍ» من العلم والعبادة، وغيرهما. الأزهار مخطوط لوح (438).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«شِرَّة»: النشاط والرغبة والجِدة في العبادة. شرح المصابيح، (5/ 447).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ لكل شيء شِرَّة»...أي: حِرصًا على الشيء، ونشاطًا ورغبة في الخير، أو الشر. التيسير(1/ 341).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ لكل شيء شِرَّة»...، المراد بالشِّرَّة في هذا الحديث: أن العابد يغلو ويبالغ في العبادة في أول أمره، وكل مُبالِغ يفْتُر وتسكن حِدَّته ومبالغته في أمره بعد حين. المفاتيح (5/ 319).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«إن لكل شيء شِرَّة» إلخ، معناه: إن لكل شيء من الأعمال الظاهرة، والأخلاق الباطنة طرفين: إفراطًا وتفريطًا، فالمحمود: القصد بينهما. الكاشف (11/ 3374).
قوله: «ولكل شِرَّةٍ فَتْرةً»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولكل شرَّة فَترة» بفتح الفاء، وسكون التاء، أي: وهنًا وضعفًا، وفي نسخة برفعها. مرقاة المفاتيح (8/ 3336).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المراد بالشِّرَّة هنا: جانب الإفراط، وبالفترة: التفريط. لمعات التنقيح (8/ 530).
قوله: «فإن كان صاحبها سدَّدَ وقارب فارْجُوه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإن» شرطية «صاحبها سدَّد وقارب» أي:... تجنب طرفي إفراط الشرة، وتفريط الفترة. التيسير (1/ 341).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«صاحبها» فاعل فِعْلٍ، دلَّ عليه ما بعده، ونظيره قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ} التوبة: 6. تحفة الأبرار (3/ 303).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فإن صاحبها سدد وقارب فأرجوه» التسديد: إعطاء الله العبد التوفيق والتقويم والتسوية، تقدير هذا الكلام: فإنْ سدد وقارب صاحبها، أي: صاحب الشِّرَّة، يعني: فإن كان العابد مستقيمًا متوسطًا في العمل من غير غلو ولا تقصير، و«سدد» أي: جعل عمله متوسطًا، و«قارب» أي: دنا من الاستواء والاستقامة «فارْجوه» أي: فكونوا على رجاء الخير منه، فإنَّ من سلك الطريق المستقيم يقدر على الدوام عليه، و«أفضل الأعمال عند الله أدومها وإن قَلَّت». المفاتيح (5/ 318).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن رأيت أحدًا يسلك سبيل القصد، فارجوه أن يكون من الفائزين، ولا تقطعوا له؛ فإن الله هو الذي يتولى السرائر. الكاشف (11/ 3374).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال بعض الشارحين: يمكن أنْ يكون «سدَّد» إشارة إلى عدم الإفراط، و«قارب» إشارة إلى عدم التفريط، وهو حسنٌ. الأزهار مخطوط لوح (438).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «سدد» أي:...،أو اقتصد في أمر على مداومته، لكن لا تقطعه الطاعة والعبادة. مرقاة المفاتيح (8/ 3336، 3337).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
(إنَّ) لكل من الأعمال والأخلاق طرفين: الإفراط والتفريط، والمحمود: هو التوسط...، وأشار إلى التوسط والاقتصار بقوله: «فإنْ صاحبها سدَّد»... أي: سلك طريق السداد والصواب، و«قارب» أي: لم يَبْعُد ولم يذهب إلى أحد الجانبين «فارجوه» أي: ارجوا فوزه وفلاحه. لمعات التنقيح (8/ 530).
قوله: «وإن أُشير إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوهُ»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
المعنى:...لا تلتفتوا إلى شهرته فيما بين الناس، واعتقادهم فيه. تحفة الأبرار (3/ 303).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وإنَّ مَن بالغ في العمل، وأتعب نفسه لا يقدر على الدوام عليه، بل يضعف وينقطع عن سلوك الطريق؛ ولمَّا رآه الناس مبالغًا في العمل تعجبوا منه، وأجمعوا عليه، وأدنوا منه الجاه والمال، وقبَّلوا يديه ورجليه، وربما يصير ذلك العابد أحمقَ مغرورًا بعمله متكبرًا، ويعتقد أنه خير من غيره، ولا شك أن هذا الاعتقاد مذموم عند الشرع؛ فلهذا قال -صلى الله عليه وسلم- في آخر هذا الحديث: «وإن أشير إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوه» يعني: وإن صار معروفًا مشارًا إليه بالعبادة فلا تعدوه شيئًا، أي: فلا تعتقدوه صالحًا.
فإن قيل: قد نُقل عن جماعة من المشايخ أنهم قد اجتهدوا في العبادة، وأتعبوا أنفسهم إتعابًا شديدًا، فبدليل هذا الحديث ينبغي أن نقول: هم مسيؤون في اجتهادهم في العبادة.
قلنا: هذا الحديث عام، والمراد به الخاص، يعني: قد يكون بعض الناس يبالغ في العبادة؛ ليشتهر بين الناس، فمن كانت نيته الاشتهار فهو الذي يراد في هذا الحديث، ومن كان نيته الإخلاص في العبادة لا الاشتهار بين الناس لم يكن عليه بأس باجتهاده في العبادة. المفاتيح (5/ 319).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وإن رأيته يسلك سبيل الإفراط والغلو حتى يشار إليه بالأصابع، فلا تفشو القول فيه بأنه من الخائبين؛ فإن الله هو الذي يطلع على الضمائر. الكاشف (11/ 3374).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإن أشير إليه بالأصابع» أي: وإن اجتهد وبالغ في العمل؛ ليصير مشهورًا بالزهد والعبادة، وصار مشهورًا ومشارًا إليه فيها «فلا تعدوه» أي: شيئًا، ولا تعتقدوه صالحًا؛ لكونه من المرائين؛ حيث جعل أوقات فترته عبادة، وهو لا يتصور إلا فيما يتعلق به رياء وسمعة. مرقاة المفاتيح (8/ 3336).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فلا تعدوه»...، ولم يقل: فلا ترجوه؛ إشارة إلى أنه قد سقط، ولم يمكنه تدارك ما فرط.
تنبيه: قال بعضهم: الآدمي ذو تركيب مختلف، فيه تضاد وتغاير: فهو متردد بين العالم العلوي والسفلي؛ فلذلك له حظ من الفتور عن الصبر على صرف الحق، فلهذا كان لكل عامل فترة. التيسير (1/ 341).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«وإن أشير إليه بالأصابع»...، ويمكن أن تُجعل الإشارة بالأصابع شاملةً لكلٍّ مِن طرفي الإفراط والتفريط؛ فإن الاشتهار كما يكون بالذهاب والإغراق في جانب الإفراط، كذلك يكون في جانب التفريط، ولعله إنما خصه بجانب الإفراط؛ لأن عدم العد من الفائزين في جانب التفريط أظهر من أن يذكر، وإنما يحتاج ذكره في جانب الإفراط؛ لأنه قد يتوهم كونه كمالًا، وفي الحقيقة ليس بكمال، وإنما الكمال هو التوسط، وفي قوله: «فارجوه» «ولا تعدوه» إشارة إلى إبهام العاقبة؛ لعدم العلم بالسابقة، وإنما الحكم على الظاهر بالظن الغالب، فافهم. لمعات التنقيح (8/ 530، 531).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
تنبيه: قيل للحسن البصري: إنَّ الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع، فقال: لم يعنِ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، إنما عنى به: المبتدع في دينه، الفاسق في زمانه. فتح القريب المجيب (1/ 575).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- مؤكدًا قول الحسن:
وهو كما قال الحسن -رضي الله عنه-؛ فإن من الناس من يكون له شدة ونشاط، وحدة واجتهاد عظيم في العبادة، ثم لا بد من فتور في ذلك، وهم في الفترة نوعان: منهم: من يلزم السنة، فلا يترك ما أُمِر به، ولا يفعل ما نُهي عنه، بل يلزم عبادة الله إلى الممات، كما قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر:99، يعني: الموت...، ومنهم: من يخرج إلى بدعة في دينه، أو فجور في دنياه، حتى يشير إليه الناس، فيقال: هذا كان مجتهدًا في الدين، ثم صار كذا وكذا، فهذا مما يُخاف على من بدَّل عن العبادات الشرعية إلى الزيادات البدعية؛ ولهذا قال أُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة". مسألة في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة شرفها الله تعالى (ص: 79).
وقال الشيخ محمد الشاوي -نفع الله بعلمه-:
«وإن أشير إليه بالأصابع…» بسبب مبالغته الشديدة التي لم يؤمر بها شرعًا، وإنما عرفه الناس بذلك، وعظُمت مبالغته في أعينهم حتى أشير إليه تعظيمًا. اللآلئ المكية (ص: 232).
وقوله في رواية عند أحمد: «إنَّ لكل عمل شِرَّةً، ولكل شِرَّةٍ فَتْرةً، فمَن كانت فَتْرَتُهُ إلى سُنَّتِي، فقد أَفْلَح، ومَنْ كانت فَتْرَتُهُ إلى غير ذلك، فقد هَلَكَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فمن كانت فترته إلى سُنتي» أي: طريقتي التي شرعتها «فقد اهتدى» أي: سار سيرة مرضية «ومن كانت إلى غير ذلك، فقد هلك» هلاك الأبد. التيسير (1/ 342).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك» أي: لضلاله عن طريق الهدى. السراج المنير (2/ 129).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن لكل عمل شِرَّة» عام مخصوص بأعمال الآخرة، بقرينة السياق...، «ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك»؛ لأن من سلك غير هديه -صلى الله عليه وسلم- فهو من الهالكين. التنوير (4/ 92).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قيل: معنى الحديث: تحذيرُ مَن يشار إليه أن يغتر بما يُمدح به من خير، وهو يعلم من نفسه غير ذلك، والله أعلم. فتح القريب المجيب (1/ 575).
وقال الشيخ محمد عويضة -نفع الله بعلمه-:
وهذا الحديث أصلٌ في الوسطية والاقتصاد في العمل من غير إفراطٍ ولا تفريط، والسنة طافحةٌ بالحث على ذلك، منها ما يلي:
حديث أنس -رضي الله عنه- الثابت في صحيح الجامع، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن هذا الدين متين، فأَوْغِلُوا فيه برفق». فصل الخطاب (5/102، 103).
وقال الدكتور عبد الهادي العمري -حفظه الله-:
من لم تخرجه فترته من تضييع فرض، أو تدخله في فعل محرَّم، يُرجى له أن يعود أفضل مما كان عليه. آراء ابن عجيبة العقدية (ص: 681 ).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: حثٌّ على الاقتصاد في العبادة، وزجر ومنع من الإفراط والتفريط، وإذا كانت العبادة كذلك، فغير العبادة أولى.
وفيه: ذم الجاه والمنصب والشهرة. الأزهار مخطوط لوح (438).
وقال الشيخ محمد بن صالح الشاوي -حفظه الله-:
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث الحث على التوسط في العبادة والبعد عن الغلو والجفاء.
ثانيًا: فيه التحذير من الرياء وملاحظة المخلوقين.
ثالثًا: فيه عدم القطع لمسلم بجنة ولا نار، بل يحكم عليه بما يظهر من عمله بغير قطع؛ لأن الله هو الذي يتولى سرائر العباد.
رابعًا: فيه أن الفلاح مرتبط باتباع السنة، والهلاك عاقبة مفارقة السنة. اللآلئ المكية (ص: 234).
وللفائدة ينظر:
ثباتك على الطاعة أحبّ إلى الله من اندفاعك المؤقت.