السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«مَن رآني في المنامِ فقد رآني؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يَتخيَّلُ بي، ورُؤْيَا المؤمن جزْءٌ مِن ستَّةٍ وأربعينَ جُزْءًا من النُّبوَّةِ».


رواه البخاري برقم: (6994)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
ورواه مسلم برقم: (2266) ولفظه: «مَن رَآنِي في المَنَامِ فقدْ رَآنِي؛ فإِنَّ الشَّيطانَ لا يتمثُّل بي»، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«لا يَتَخيَّلُ بي»:
تخيَّل له أنه كذا، وتخايل، أي: تشبَّه. مختار الصحاح، للرازي (ص100).
وقال الفيروزآبادي -رحمه الله-:
تَخَيَّلَ الشيءُ له: تَشَبَّهَ...، والخَيالُ والخَيالَةُ: ما تَشَبَّهَ لك في اليَقَظَةِ والحُلْمِ مِنْ صورَة. القاموس المحيط(ص: 996).


شرح الحديث


قوله: «مَن رآني في المنامِ فقد رآني»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن رَآنِي في المنَام» يعني: على نَعْتِي الذي أنا عليه، وكذا على غيره؛ خلافًا للحكيم (الترمذي)، وطائفة، «فقد رآني» أي: رأى حقيقتي على كمالها. التيسير (2/ 418).
وقال المازري -رحمه الله-:
ذهب القاضي أبو بكر بن الطيب (الباقلاني) -رحمه الله- إلى أنَّ المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من رآني في المنام فقد رآني»: أنه رأى الحق، وأنَّ رؤياه لا تكون أضغاثًا، ولا من تشبيهات الشّياطين، ويعضد ما قاله بقوله -صلى الله عليه وسلم- في بعض الطُّرق: «من رآني فقد رأى الحقّ»، إنْ كان المراد به ما أريد في الحديث الأول من المنام. المعلم (3/ 205- 206).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فقد رآني» و«فقد رأى الحق؛ فإنَّ الشيطان لا يَتَمثَّل بي» إذا رُئِي على الصفة التي كان عليها في حياته، لا على صفة مضادة لحاله، فإن رُئِي على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة؛ فإنَّ مِن الرؤيا ما يخرج على وجهه، ومنها ما يحتاج إلى تأويل وعبارة. إكمال المعلم (7/ 219).
وقال النووي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح: أنَّه يراه حقيقة، سواء كان على صفته المعروفة، أو غيرها. المنهاج (15/ 25).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هذا الذي رده الشيخ (النووي) تقدَّم عن محمد بن سيرين إمام المعبِّرين اعتباره، والذي قاله القاضي توسُّطٌ حسنٌ، ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازري: بأنْ تكون رؤياه على الحالين حقيقة، لكن إذا كان على صورته، كأن يُرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير، وإذا كان على غير صورته كان النقص من جهة الرائي؛ لتخيُّله الصفة على غير ما هي عليه، ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير، وعلى ذلك جرى علماء التعبير، فقالوا: إذا قال الجاهل: رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه يُسأل عن صفته، فإنْ وافق الصفة المرويَّة وإلا فلا يُقبل منه. فتح الباري (12/ 387).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أما رؤية النبي -عليه السلام-: فلو رآه في المنام بصفته المعلومة، فهو إدراك الحقيقة، وإن دل على غير صفته، فهو إدراك المثال، فإن قيل: كيف يكون إدراكه بصفته المعلومة حقيقة، وهو قد أَرِمَ كما جاء في الحديث؟ قلنا عنه: قد قيل -وهو حق-: (إن الأنبياء لا تغيرهم الأرض)، فإن قيل: فهل يردُّ الله الروح فيراه قائمًا قاعدًا؟ قلنا: يكون إدراك الذات حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثل ليس لأعيانها، وهذا باب تعاطاه من لم يفهم صفاته؛ فخلط فيه. المسالك (7/502، 503).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فقد رآني» اتّحاد الشرط والجزاء يدلُّ على التناهي في المبالغة؛ أي: مَن رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها، لا شبهة ولا ارتياب فيما رأى، ويدلُّ عليه قوله: «فقد رأى الحقَّ» والحقّ هنا مصدر مؤكّد؛ أي: من رآني فقد رآني رؤية الحق. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 3000).
وقال الطيبي -رحمه الله-أيضًا:
«فقد رآني» فإن الشرط والجزاء إذا اتّحدا دلّ على الكمال والغاية؛ أي: فقد رآني رؤيا ليس بعدها كمال، كقوله: «مَن كانت هجرته إلى الله فهجرته إلى الله» ولا كمال أكمل من الحقّ، كما لا نقص أنقص من الباطل، والباطل هو الكذب، ويؤيّده حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة»، وما كان من النبوّة فإنه لا يكذب، فحينئذٍ لا يفتقر إلى تلك التكلُّفات والتمحُّلات، ولا يَكشف الأستار عن مثل تلك الأسرار إلا من تدرَّب في علم المعاني، واعتلى شامخ البيان، وعَرَف كيف يؤلَّف الكلام، ويصنَّف ويرتَّب النظام، ويرصَّف. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 3001).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«فقد رآني» فإن قلتَ: الشرط والجزاء متَّحِدان، فما معناه؟ قلتُ: هو في معنى الإخبار، أي: من رآني فأخبِرْه بأنها رؤيةٌ حقة، ليست أضغاث أحلام، ولا تخييلات الشيطان، ورؤيته سبب الإخبار، فإن قلتَ: كيف يكون ذلك وهو في المدينة، والرائي في المشرق أو المغرب؟
قلتُ: الرؤية أمر يخلقها الله تعالى، ولا يشترط فيها عقلًا مواجهة ولا مقابلة ولا مقارنة، ولا خروج شعاع ولا غيره؛ ولهذا جاز أن يرى أعمى الصِّين بَقَّةَ الأندلس، فإن قلتَ: كثيرًا يُرى على خلاف صفته المعروفة، ويراه شخصان في حالة واحدة في مكانين والجسم الواحد لا يكون إلا في مكان واحد، قلتُ: قال النووي حاكيًا عن بعضهم: ذلك ‌ظن ‌الرائي أنه رآه كذلك، وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئيًا لكونه مرتبطًا مما يراه عادة، فذاته الشريفة هي مرئية قطعًا لا خيال ولا ظن فيه، لكن هذه الأمور العارضة قد تكون متخيلة للرائي. الكواكب الدراري (24/ 106).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«من رآني» ليس فيه اتحاد الجزاء والشرط، وإن كان في الظاهر كذلك؛ لأن الجواب حقيقة لازمة، أي: فليستبشر؛ فإنه قد رآني، والمراد بهذه الرؤية على الوجه الذي يخلقه الله، وليست مشروطة بمواجهة ومقابلة ولا بشرط.
قال الغزالي: ليس معناه أنه رأى جسمي، بل رأى مثالًا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه؛ بل البدن في اليقظة آلة النفس؛ فالحق إنما يراه الإنسان مثال حقيقة روحه المقدسة -صلى الله عليه وسلم-. اللامع الصبيح (15/231، 232).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فقد رآني» فقال ابن الباقلاني: معناه: أنَّ رؤياه صحيحة ليست بأضغاث، ولا من تشبيهات الشيطان، ويؤيد قوله رواية: «فقد رأى الحق» أي: الروية الصحيحة، قال: وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة، كمن رآه أبيض اللحية، وقد يراه شخصان في زمن واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، ويراه كل منهما في مكانه.
وحكى المازري هذا عن ابن الباقلاني، ثم قال: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره، والمراد: أن من رآه فقد أدركه، ولا مانع يمنع من ذلك والعقل لا يحيله حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره.
فأما قوله: بأنه قد يُرى على خلاف صفته، أو في مكانين معًا، فإن ذلك غلط في صفاته، وتخيُّل لها على خلاف ما هي عليه، وقد يَظُن الظان بعض الخيالات مرئيًا لكون ما يتخيل مرتبطًا بما يرى في العادة، فيكون ذاته -صلى الله عليه وسلم- مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي مدفونًا في الأرض، ولا ظاهرًا عليها، وإنما يشترط كونه موجودًا، ولم يقم دليل على فَنَاء جسمه -صلى الله عليه وسلم- بل جاء في الأحاديث ما يقتضي بقاءه، قال: ولو رآه يأمر بقتل مَن يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيَّلة لا المرئية، هذا كلام المازري. شرح النووي على مسلم (15/ 24-25).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من رآني» أي: مثالي «في المنام فقد رآني» أي: فكأنه قد رآني في عالم الشهود والنظام، لكن لا يبتني عليه الأحكام ليصير به من الصحابة، وليعمل بما سمع به في تلك الحالة، كما هو مقرر في محله. مرقاة المفاتيح (7/ 2914).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فالحقّ حَمْل الحديث على ظاهره، وأنَّ رؤيته -صلى الله عليه وسلم- رؤية حق، لا تمثيل، فحقيقة ذاته -صلى الله عليه وسلم- تُرى في المنام، وأما مخالفة بعض صفاته التي رآها الرائي؛ فإنه يعود إلى صفة الرائي لا المرئيّ، فقد يكون غلطًا، وقد يكون التباسًا. البحر المحيط الثجاج (37/ 96).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
رؤيته -صلى الله عليه وسلم- وإنْ كانت حقًّا، فإنَّها لا تغيِّر ما ثبت من شرعه، فإنْ رآه الرائي يأمره بشيء مما ثبت في السنن الصحيحة، فتلك كرامة، وتثبيت له على سُنَّته -صلى الله عليه وسلم-، فهي بُشرى حقيقيَّة، فليشكر الله تعالى عليها، وإنْ رآه يأمره بشيء من البدع، والخرافات، فإنها رؤيا دخلها غلط، فلا يُعتمد عليها...
والحاصل: أنَّ هذا المقام مقام تزلُّ فيه الأقدام، فإنَّ كثيرًا ممن ينتسب إلى العبادة والخلوة يكثر زعمهم رؤيته -صلى الله عليه وسلم- في المنام، بل ربما ادَّعى ذلك بعضهم في اليقظة، ثم يقول: إنَّه أمره بكذا وكذا من أنواع العبادات التي لم يشرعها -صلى الله عليه وسلم- في حياته، أو من أنواع الخرافات، فيُظهر ذلك للناس، فيتَّبعه على ذلك عوام الناس، بل وبعض من ينتسب إلى العلم، فإلى الله المشتكى، ما أعظم المصيبة، وما أقلّ العلم بالسُّنَّة، وما أكثر مسارعة الناس إلى البدع والخرافات! فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. البحر المحيط الثجاج (37/ 89-90).

قوله: «فإنَّ الشيطانَ لا ‌يَتخيَّلُ بي»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«لا يتخيل بي»...أي: لا يحصل له مثال صورتي، ولا يتشبَّه بي. الحاشية على صحيح البخاري (13/ 621).
وقال الباجوري -رحمه الله-:
قوله: «لا يتخيَّل بي» أي: لا يتصوَّر بي، ومعناه: لا يظهر لأحد بصورتي، أي: لا يمكنه ذلك. حاشيته على الشمائل (ص:321).
وقال المازري -رحمه الله-:
قال آخرون: بل الحديث محمول على ظاهره، والمراد أن من رآه فقد أدركه -صلى الله عليه وسلم- ولا مانع يمنع من ذلك، ولا عقل يحيله حتى يُضطر إلى صرف الكلام عن ظاهره. المعلم (3/ 206).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا إخبارٌ منه -صلى الله عليه وسلم- عن الغيب، وأنَّ الله تعالى منع الشيطان أنْ يتصوَّر على صورته. شرح صحيح البخاري (9/ 527).
وقال البغوي -رحمه الله-:
رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام حق، ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء، والملائكة -عليهم السلام. شرح السنة (12/ 228).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يشير إلى أنَّ الله تعالى وإنْ أمكنه من التصوُّر في أي صورة أراد، فإنه لم يمكنه من التصوُّر في صورة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا في الحديث: إنَّ محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من ضيَّق الغرض في ذلك، حتى قال: لا بد أنْ يراه على صورته التي قُبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة، والصواب: التعميم في جميع حالاته، بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما، سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره، وقد يكون لِمَا خالف ذلك تعبير يتعلَّق بالرائي. فتح الباري (12/ 386).
وقال الصنعاني -رحمه الله-
(المعنى) لم يجعل الله له ذلك في يقظة ولا منام؛ لئلا يُكذب على لسانه في المنام، أو في اليقظة. التنوير (10/ 228).

قوله: «ورؤيا المؤمنِ جزءٌ من ستةٍ وأربعينَ جزءًا من النبوةِ»:
قال المازري -رحمه الله-:
أما اختلاف الرِّوايات في هذا القدر ففي كتاب مسلمٍ: «خمسة»، وفيه: «ستة»، وفيه: «من سبعين جزءًا من النّبوّة» وقد أشار الطَّبري إلى أنَّ هذا الاختلاف راجع إلى اختِلاَف حَالِ الرائي، فالمؤمن الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، والفاسق من سبعين، ولهذا لم يشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصف الرائي في الحديث المذكور فيه ستة وأربعون، فقد قال في بعض طرق مسلم: «رؤيا الرّجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، وإنْ كان قد أطلق في بعض طرقه فقال: «رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين»، وقال في السّبعين: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوءة»، ولم يشترط كون الرائي صالحًا، وقد يحمل مطلق قوله: «الرؤيا الصالحة جزء من ستةٍ وأربَعِيَن» على أنَّ المراد به إذا كانت من رَجلٍ صالح، بدليل الحديث الآخَر، وقد قيل: إنَّ المنامات دلالات، والدلالة منها خفيٌّ، ومنها جَلِيٌّ، فما ذُكِرَ فيه السبعون أُرِيدَ به أنَّه الخفيّ منها، وما ذُكِرَ فيه الستة والأربعون أُريدَ به الجلي منها. المعلم (3/ 205).
قال الباجوري -رحمه الله-:
قوله: «ورؤيا المؤمن» أي: الصالح، والمؤمنة كذلك، والمراد غالب رؤياه، وإلا فقد تكون رؤياه أضغاث أحلام، أي: أخلاط أحلام، فلا يصح تأويلها؛ لاختلاطها «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» وجه ذلك: على ما قيل: إنَّ زمن الوحي ثلاثة وعشرون سنة، وأول ما ابتدئ -صلى الله عليه وسلم- بالرؤيا الصالحة، وكان زمنها ستة أشهر، ونسبة ذلك إلى سائر المدة المذكورة: جزء من ستة وأربعين جزءًا، ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر ذلك، لكن لم يَرِدْ أثر بأنَّ زمن الرؤيا ستة أشهر، مع كونه لا يظهر في غير ذلك من بقية الروايات، فإنه ورد في رواية: «من خمسة وأربعين»، وفي رواية: «من أربعين»، وفي رواية: «من خمسين» إلى غير ذلك، واختلاف الروايات يدل على أنَّ المراد التكثير لا التحديد، ولا يبعُد أنْ يُحمل اختلاف الأعداد المذكورة على اختلاف أحوال الرائي في مراتب الصلاح، وأظهر ما قيل في معنى كون الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة: إنَّها جزء من أجزاء علم النبوة؛ لأنها يُعلَم بها بعض الغيوب، ويُطَّلع بها على بعض المغيبات، ولا شك أنَّ علم المغيبات من علم النبوة؛ ولذلك قال الإمام مالك -رحمه الله- لما سُئل: أيعبر الرؤيا كل أَحد؟ (فقال): أبالنبوة يُلعب؟ حاشيته على الشمائل (ص:321-322).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أما قوله: «رؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» فقد كان بعض أهل العلم يقول في تأويله قولًا لا يكاد يتحقق من طريق البُرهان، قال: وذلك أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بقي مُنذُ أول ما بدئ بالوحي إلى أن تُوفِّي ثلاثًا وعشرين سنة، أقام منها بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين، وكان يُوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستةُ أشهر وهي نصف سنة، فصارت هذه المُدَّة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء مُدَّة زمان النبوة.
قلتُ: وهذا وإن كان وجهًا قد تحتمله قِسمة الحساب والعدد، فإن أول ما يجب فيه أن يَثْبت ما قاله من ذلك خبرًا وروايةً، ولم نسمع فيه خبَرًا، ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرًا، فهو كأنه ظنٌّ وحُسبان، والظن لا يغني من الحق شيئًا.
ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على مَن ذهب إليه من هذه القسمة، لقد كان يجب أن تُلحق بها سائر الأوقات التي كان يُوحى إليه في منامه في تضاعيف أيام حياته، وأن تُلتَقط فتُلفَّق وتُزاد في أصل الحساب، وإذا صِرنا إلى هذه القضية بطلت هذه القسمة وسقط هذا الحساب من أصله. أعلام الحديث (4/ 2315-2316).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»؛ لأنها من الله تعالى، بخلاف التي من الشيطان، فإنها ليست من أجزاء النبوة. إرشاد الساري (10/ 134).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» قيل: معناه: أنَّ الرؤيا جزء من أجزاء عِلْمِ النبوة، والنبوة غير باقية، وعلمها باقٍ، وهو معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات: الرؤيا الصالحة» قلتُ: ونظير ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «السَّمْتُ الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة» أي: من أخلاق أهل النبوة، وقيل: معناه: أنها تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء باقٍ من النبوة. الميسر (3/ 1017).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إنَّما كانت جزءًا من أجزاء النبوة في الأنبياء -صلوات الله عليهم- دون غيرهم، وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة. معالم السنن (4/ 138.
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قلتُ: القَدْر الذي اختَلَف الرواة فيه من هذا الحديث أمران:
أحدهما: من أضيفت الرؤيا إليه، فتارة سُكت عنه، وأخرى قيل فيه: «المسلم» وفي أخرى: «المؤمن» وفي أخرى: «الصالح»، وهذا الأمر الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني؛ وذلك أنه حيث سكت عنه لم يضر السكوت عنه، مع العلم بأنَّ الرؤيا مضافة إلى راءٍ ما، فإذا صُرِّح به في موضع آخر فهو المعنيُّ، وأما حيث نُطِق به، فالمراد به واحد، وإنْ اختلفت الألفاظ؛ وذلك أنَّ الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلَّا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يناسب حالُه حالَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فأُكرم بنوعٍ مما أُكرم به الأنبياء -عليهم السلام-، وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لَمْ يبق من مبشِّرات النبوة إلَّا الرؤيا الصادقة في النوم، يراها الرجل الصالح، أو تُرى له»، فإنَّ الكافر والكاذب والمخلِّط -وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات- لا تكون من الوحي، ولا من النبوّة؛ إذ ليس كلّ من صَدَق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة.
وقد قدَّمنا: أن الكاهن يُخبر بكلمة الحقّ، وكذلك المنجِّم قد يحدُس فيصدق، لكن على الندور والقلَّة، وكذلكْ الكافر، والفاسق، والكاذب.
وقد يرى المنام الحق، ويكون ذلك المنام سببًا في شرٍّ يلحقه، أو أمرٍ يناله، إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة المقصودة به، وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة صادقة؛ كمنام الملِك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفَتَيَيْن في السجن، ومنام عاتكة عمَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي كافرة، ونحوه كثير، لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة والفاسدة، فهذا هو الأمر الأول.
وأما الأمر الثاني: وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جُعلت رؤيا الرجل الصالح واحدًا منها فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى سبعين، كما قد ذكرناه، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهورٌ فلا سبيل إلى أخذ أحدها، وطَرْح الباقي، كما قد فعل أبو عبد الله المازريّ، فإنَّه قد يكون بعض ما ترك أَولى مما قَبِل، إذا بحثنا عن رجال أسانيدها، ولمّا ترجَّح عند غيره غير ما اختاره هو، فإذًا: الوجه الذي يتعيَّن المصير إليه أن يقال: إن هذه الأحاديث -وإن اختلفت ألفاظها- متَّفقة على أنَّ الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوة.
فهذه شهادة صحيحة من النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنها وحي من الله تعالى، وأنها صادقة لا كذب فيها؛ ولذلك قال مالك وقد قيل له: أيُفَسِّر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أيُلْعَب بالوحي؟ وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن يعتني بها، ويسعى في تفهُّمها، ومعرفة تأويلها؛ فإنَّها إما مبشِّرة له بخير، أو محذرة له من شر، فإنْ أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهليَّة ذلك، وهو اللبيب الحبيب؛ ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول إذا أصبح: «هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا؟ فليقصها، أُعبِّرها» فكانوا يقصُّون عليه، وَيعبرُ، وقد سلك أصحابه ذلك المسلك في حياته وبعد وفاته، وقد كان يقتبس الأحكام من منامات أصحابه، كما فعل في رؤيا الأذان، وفي رؤيا ليلة القدر، وكل ذلك بناءً على أنَّها وحي صحيح.
وإذا تقرَّر هذا فلا يضرنا الاضطراب الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير؛ غير أن علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب، وتأوَّلوه تأويلات، فلنذكرها، وننبِّه على الأقرب منها؛ وهي أربع:
الأول: ما صار إليه أبو عبد الله (المازري) وقد ذكرناه، وما وَرَدَ عليه.
والثاني: أن المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة، كما جاء في الحديث الآخر: «التؤدة والاقتصاد وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» ...
الثالث: ما أشار إليه الطبريّ، وهو: أن هذا الاختلاف راجعٌ إلى اختلاف حال الرائي...
الرابع: قيل: يَحْتَمِل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي؛ إذ منه ما سُمِع من الله تعالى دون واسطة، كما قال تعالى: {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} الشورى: 51، ومنه بواسطة المَلَك، كما قال: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} الشورى: 51، ومنه ما يُلقى في القلب، كما قال: {إِلَّا وَحْيًا} الشورى: 51، أي: إلهامًا، ثمَّ منه ما يأتيه الملَك على صورته، ومنه ما يأتيه على صورة آدمي يعرفه، ومنه ما يتلقاه منه وهو لا يعرفه، ومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يسمعه من الملك قولًا مُفصَّلًا، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتها انتهت إلى سبعين.
قلتُ: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد والتساهل؛ فإنَّ تلك الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبوَّة، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوة في شيء؛ ككونه يعرف الملَك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته، أو على غير صورته، ثمَّ مع هذا التكلف العظيم لَمْ يَقْدِر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين.
قلتُ: وأشبه ما ذكر في ذلك: الوجه الثاني؛ مع أنَّه لَمْ تَثْلَجُ النفسُ به، ولا طاب لها... المفهم (6/ 12- 18).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أصح ما في هذا الباب: أحاديث الستة وأربعين جزءًا، ويتلوها في الصحة حديث السبعين جزءًا، ولم يذكر مسلم في كتابه غير هذين الحديثين...، وأما سائرها فهي من أحاديث الشيوخ، السبعين جزءًا، وحديث الستة وأربعين جزءًا، وهذا تعارض ولا يجوز النسخ في الأخبار؟
فالجواب: أنه يجب أن نعلم ما معنى كون الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة، فلو كانت جزءًا من ألف جزء منها لكان ذلك كثيرًا.
فنقول -وبالله التوفيق-: إن لفظ النبوة مأخوذ من النبأ والإنباء، وهو الإعلام في اللغة، والمعنى: أن الرؤيا إنباء صادق من الله، لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة الإنباء الصادق من الله الذي لا يجوز عليه الكذب فتشابهت الرؤيا والنبوة في صدق الخبر عن الغيب. فإن قيل: فما معنى اختلاف الأجزاء في ذلك في القلة والكثرة؟
قيل: وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين لا ثالث لهما: وهو أن يرى الرجل رؤيا جلية ظاهرة التأويل، مثل من رأى أنه يُعطى شيئًا في المنام فيعطى مثله بعينه في اليقظة، وهذا الضرب من الرؤيا لا إغراق في تأويلها ولا رمز في تعبيرها.
والقسم الثاني: ما يراه من المنامات المرموزة البعيدة المرام في التأويل، وهذا الضرب يعسر تأويله إلا الحذاق بالتعبير؛ لبعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن يكون هذا القسم من السبعين جزءًا؛ لأنه إذا قلَّت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى النبأ الصادق، وآمَنُ من وقوع الغلط في تأويلها، وإذا كثرت الأجزاء بَعُدَت بمقدار ذلك وخفي تأويلها، والله أعلم بما أراد نبيه -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح البخاري (9/ 516-518).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
قال مالك -رضي الله عنه- في الحديث في تجزئة الرؤيا ‌جزء ‌من ‌ستة ‌وأربعين جزءًا من النبوة، وقد اختلفت في ذلك الآثار حتى بلغت إلى سبعين، وقيل: خمسٌ وأربعون، وست وأربعون، وخمس وسبعون.
قال علماؤنا: في ذلك تأويلات:
منها: أن هذه الرؤيا المنقسمة على هذه الأجزاء أنها رؤيا ذي النبوة، لا أنها نفس النبوةِ واختلاف الأعداد فيها؛ لأنها جُعلت بشارات، فأعطى من فضله جزءًا من سبعين جزءًا في الابتداء، ثم زاد من فضله حتى بلغت خمسًا وأربعين.القبس (ص: 1138-1139).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
لهذا الحديث وجهان: أحدهما: أن النبوة لما كانت تتضمن اطلاعًا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد، وقع التشبيه لرؤيا المؤمن بها (أي: بالنبوة).
والثاني: أنه لما كان جماعة من الأنبياء ثبتت نبوتهم بمجرد الوحي في النوم، وجماعة أخرى ابتدءوا بالوحي في المنام ثم رقوا إلى الوحي واليقظة، حسن التشبيه. كشف المشكل (2/ 76- 77).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «من النبوة» قال بعض الشراح: كذا هو في جميع الطرق، وليس في شيء منها بلفظ: "من الرسالة" بدل «من النبوة»، قال: وكأنَّ السر فيه أنَّ الرسالة تزيد على النبوة بتبليغ الأحكام للمكلفين، بخلاف النبوة المجردة؛ فإنها اطلاع على بعض المغيبات، وقد يقرر بعض الأنبياء شريعة مَن قبله، ولكن لا يأتي بحكم جديد مخالف لمن قبله، فيؤخذ من ذلك ترجيح القول بأن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام فأمره بحكم يخالف حكم الشرع المستقر في الظاهر أنه لا يكون مشروعًا في حقه، ولا في حق غيره حتى يجب عليه تبليغه. فتح الباري (12/ 374 -375).
وقال المازري -رحمه الله-:
ولا يلزم العلماء أن تعرف كل شيء جملة وتفصيلًا، وقد جعل الله سبحانه للعلماء حدًّا تقف عنده، فمنها: ما لا تعلمه أصلًا، ومنها: ما تعلمه جملة ولا تعلمه تفصيلًا، وهذا منه، ومنها: ما تعلمه جملة وتفصيلًا، لا سيما ما طريقته السمع ولا مدخل للعقل فيه، فإنما يعرف منه قدر ما عرف به السمع. المعلم (3/203، 204).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مؤكِّدًا:
ما أحسن ما قاله ابن العربي والمازري -رحمهما الله تعالى- في هذا، فمنه يتبين لنا أنَّ قوله -صلى الله عليه وسلم-: «جزء من أجزاء النبوّة» حقٌ نؤمن به، وأنَّ الله تعالى يُكرم العبد المؤمن بهذا الجزء من النبوّة، كما أكرم الأنبياء بكامل النبوّة.
وأما تفاصيل ذلك، ومعرفة نسبته فالعلم إلى الله تعالى. البحر المحيط الثجاج (37/ 62).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أنَّ رؤيا المؤمن تقع صادقة؛ لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبرًا عن شيء واقع، أو شيء سيقع فيقع مطابقًا للرؤيا، فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها، وإن كانت تختلف عنها؛ ولهذا كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. مجموع الفتاوى(1/327).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنَّ الله -سبحانه وتعالى- كما حمى صورة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة عن أنْ يتمثل بها شيطان؛ لئلا يغير على المسلمين أحكامهم، ولا يجري كما جرى في حق سليمان -عليه السلام-؛ إذ قال الله سبحانه: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} ص: 34، حمى الله مثال صورته في المنام؛ ليكون ما أداه إلى أمَّته في اليقظة محروسًا محميًّا مصونًا، وما يلقيه إليهم بعد موته في المنامات، وهي المبشرات التي أخبر -صلى الله عليه وسلم- أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة محمية من أنْ يخالطها نفث الشيطان بحال. الإفصاح (6/ 185).

وللفائدة ينظر:

رؤيا النبي ﷺ في المنام بشرى عظيمة

من رآه ﷺ في المنام.. فقد رأى الحق


إبلاغ عن خطأ