«الحياءُ من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذَاءُ مِن الجَفَاء، والجَفَاء في النار».
رواه أحمد برقم: (10512)، والترمذي برقم: (2009)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه ابن ماجه برقم: (4184)، من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3199)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (495).
غريب الحديث
«البَذَاء»:
بَذَا على القوم يَبْذُو بَذَاءً بالفتح والمد: سَفِهَ وأَفْحَشَ في منطقه، وإن كان كلامه صدقًا. المصباح المنير، للفيومي (1/ 41).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
البَذَاء بالمد: الفُحْش في القول. النهاية (1/ 111).
«الجَفَاء»:
جَفَوْتُ الرجلَ أَجْفُوهُ، أَعْرَضْتُ عنه، أو طردته، وهو مأخوذ من جَفَاء السيل، وهو ما نَفَاه السيل، وقد يكون مع بغض. المصباح المنير، للفيومي (1/ 104).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الجفاء: غِلَظُ الطَّبع. النهاية (1/ 281).
شرح الحديث
قوله: «الحياء»:
قال العراقي -رحمه الله-:
الحياء ممدود، وهو الاستحياء، قال الواحدي: قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة، واستحياء الرجل من قوة الحياة فيه؛ لشدة علمه بمواقع العيب.
قال: فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة، وفي رسالة القشيري عن الجنيد -رحمهما الله- أنه قال: الحياء رؤية الآلاء -أي: النعم-، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء. طرح التثريب (8/ 146).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وأصل الحياء: الامتناع، أو ما يقاربه من معنى الانقباض. إحكام الأحكام (1/ 137).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الحياء: انقباض النفس عن القبائح وتركها. المفردات في غريب القرآن (ص: 270).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الحياء: تغيُّر وانكسار يَعْتَرِي الإنسان من خوفِ ما يُعاب به ويُذم. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1715).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
الحياء: اسمٌ جامعٌ يدخل فيه الاستحياء من الله -عزَّ وجلَّ-؛ لأن ذمَّه فوق كل ذم، ومدحه فوق كل مدح، والمذموم بالحقيقة من ذمه ربه، والمحمود من حمده ربه....
والحياء من الله تعالى طريق إلى إقامة كل طاعة، واجتناب كل معصية. المنهاج في شعب الإيمان (3/ 231).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
الحياء نوعان: فطري وشرعي، والمراد في هذا الحديث: الحياء الشرعي الذي هو في الحقيقة حياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك، وهو بهذا المعنى أقوى باعث على الخير، ورادع عن الشر، ولذلك كان من الإِيمان، بل من كمال الإيمان. منار القاري (1/ 83-84).
قوله: «من الإيمان»:
قال ابن الملقن-رحمه الله-:
قوله: «من الإيمان» أي: من كماله، قاله أبو عبد الملك. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/ 494).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «الحياء من الإيمان» أي: بعضه، أو مِن شُعَبِهِ. تحفة الأحوذي (6/ 125).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «الحياء من الإيمان» يريد ثمرتَه، والإيمان كَسْبِي، والحياء غَرِيْزِي، وإنما قال النبي -عليه السلام-: «الحياء من الإيمان» لأن من الحياء يكون العفاف وترك المعاصي، والمعاصي مثل الزنا، وشرب الخمر، والغيبة، مناقضة للإيمان، فقال: «الحياء من الإيمان»؛ لأنه مصاحب للإيمان الذي يكون منه الخير والعفاف، ومن الكفِّ عن المعاصي تم إيمانه، ومن الإيمان ما هو اعتقاد بالجَنان، وفعل بالجوارح، وأداء الأركان. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 255).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«من الإيمان» أي: شُعبة منه، فـ«مِن» للتبعيض، وقيل: إن الإيمان يمنع صاحبه من المعصية، ويحمله على الطاعة، كذلك الحياء يمنعه، ويحمله، فصار من جنسه في مساواته له في ذلك، وإلا فالحياء غريزة، والإيمان فعل، وقيل: الحياء قد يكون تخلُّقًا أو اكتسابًا، وقد يكون غريزة، واستعماله على قانون الشرع يحتاج إلى النية، والاكتساب وهو بهذا الوجه من الإيمان. الكواكب الدراري (21/ 235).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
معناه: أن الحياء من أسباب الإيمان وأخلاق أهله، وذلك أنه لما كان الحياء يمنع من الفواحش، ويحمل على الصبر والخير كما يمنع الإيمانُ صاحبَه من الفجور، ويقيده عن المعاصي ويحمله على الطاعة صار كالإيمان لمساواته له في ذلك، وإن كان الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن فاشتبها من هذه الجهة. شرح صحيح البخاري (9/ 298).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
قال ابن قتيبة: معنى هذا الحديث: أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فجاز أن يسمى إيمانًا؛ لأن العرب تسمي الشيء باسم ما قام مقامه، أو كان شبيهًا به، ألا ترى أنهم يسمون الركوع والسجود صلاة؟ وأصل ذلك الدعاء، فلما كان الدعاء يكون في الصلاة سميت صلاة، وكذلك الزكاة هي تثمير المال ونماؤه، فلما كان النماء يقع بإخراج الصدقة عن المال سُمِّي زكاة. شرح صحيح البخاري (1/ 76).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«الحياء من الإيمان» وهو الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود، وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي فهو مذموم، وليس هو بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة. فتح الباري (1/ 229).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف جعل الحياء -وهو غريزة- من الإيمان الذي هو اكتساب؟
فقد أجاب عن هذا ابن قتيبة فقال: لأن المستحْيِي ينقطع بالحياء عن المعاصي، وإن لم يكن له تُقى، فصار كالإيمان الذي يقطع عنها. كشف المشكل (2/ 497).
قوله: «والإيمان في الجنة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «والإيمان في الجنة» يعني: أهل الإيمان في الجنة. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 251).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «والإيمان في الجنة» جعل أهل الإيمان عين الإيمان؛ دلالة على أنهم تمحَّضوا منه، وتمكنوا من بعض شُعَبِه الذي هو أعلى فرع منه، كما جعل الإيمان مقرًّا ومَبْوَأً لأهله في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} الحشر: 9، لتمكُّنهم من الإيمان واستقامتهم عليه. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3233).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والإيمان في الجنة» أي: موصِل إلى الجنة، ولفظة: «في» بمعنى: (إلى). مرشد ذوي الحجا (25/ 322).
قوله: «والبذاء من الجفاء»:
قال المظهري -رحمه الله-:
البذاء: ضد الحياء. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 251).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والبَذاء» بفتح الباء، خلاف الحياء، والناشئ منه الفحش في القول، والسوء في الخُلُق. مرقاة المفاتيح (8/ 3175).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«البذاء» الكلام القبيح، والبذيء: الرجل الفاحش. لمعات التنقيح (8/ 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من الجفاء» بالمد، أي: الطرد والإعراض، وترك الصلة والبِرِّ. فيض القدير (3/ 427).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من الجفاء» وهو خلاف البِرِّ الصادر منه الوفاء. مرقاة المفاتيح (8/ 3175).
وقال أحمد حطيبة -حفظه الله-:
«والبذاء من الجفاء» وهذا عكس الحياء، وهو الكلام بالفحش، وهو مِن عدم الحياء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت»، والمعنى: أن الإنسان الذي ما عنده حياء يعمل أي شيء فلا يستحي من أحد، لا يستحي من الخالق -سبحانه وتعالى- ولا من المخلوق. شرح الترغيب والترهيب (34/ 4).
قوله: «والجفاء في النار»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والجفاء» أي: أهله التاركون للوفاء الثابتون على غلاظة الطبع وقساوة القلب. مرقاة المفاتيح (8/ 3175).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«في النار» أو يوصل إلى النار والعذاب. مرشد ذوي الحجا (25/ 323).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والجفاء في النار» يوضحه قوله في خبر آخر: «وهل يَكُبُّ الناسَ في النار إلا حصائدُ ألسنتهم». فيض القدير (3/ 427).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«والجفاء في النار» يعني: أهل الجفاء في النار، و(الجفاء) خلاف البر. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 251).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في النار» إما مُدَّة، أو أبدًا؛ لأنه في مقابل الإيمان الكامل أو مطلقه، فصاحبه إما من أهل الكفران أو الكفر. مرقاة المفاتيح (8/ 3175).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
...هذا الحديث يقتضي الحض على الامتناع من مقابح الأمور ورذائلها، وكل ما يحتاج إلى الاستحياء من فعله والاعتذار منه. شرح صحيح البخاري (1/ 76).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أن من أخلاق المؤمن الحياء، والحياء انقباض، والمؤمن منقبض؛ حياء من خالقه، وإجلالًا لهيبته، وحذرًا من عقابه، فصار الانقباض خُلُقًا للمؤمن، فاستحيا من أبناء جنسه. كشف المشكل (2/ 497).
وقال النووي -رحمه الله-:
قد يُشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يُجِلُّه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة.
وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله-: أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخَوَر ومهانة، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء: خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ونحو هذا. شرح صحيح مسلم (2/ 5-7).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وأما الخَجَلُ فحيرة النفس لفرط الحياء، ويُحمد في النساء والصبيان، ويُذم باتفاق في الرجال، والوقاحة مذمومة بكل لسان، وهي عدم الحياء، وهي انسلاخ من الإنسانية، وحقيقتها: لجاج النفس في تعاطي القبيح، واشتقاقها قرحًا من وَقَاح، أي: صَلْب. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 446).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- شعبتان من الإيمان.. وشعبتان من النفاق.