السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

مرَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على قبرٍ دُفِنَ حديثًا فقال: «رَكعَتانِ خَفِيفتانِ مما تَحقِرونَ وتَنَفَّلونَ يزيدُهُما هذا في عملهِ، أحبُّ إليه من بَقِيَّة دُنياكُم».


رواه ابن المبارك في الزهد برقم: (31)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان برقم: (1796)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه الطبراني في الأوسط برقم: (920)، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرّ بقبر، فقال: «مَن صاحبُ هذا القَبرِ؟» فقالوا: فلانٌ، فقال: «رَكعَتانِ أحبُّ إلى هذا من ‌بَقِيَّة ‌دنياكُم».
والحديث في مصنف ابن أبي شيبة برقم: (7633)، موقوفًا على أبي هريرة-رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3518)، سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم: (1388)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (391).


غريب الحديث


«تَحقِرونَ»:
الحَقِيرُ الصغير الذليل، وبابه ظرُف، وحَقَرهُ غيره من باب ضرب استصغره، وكذا احْتَقَرَهُ واسْتَحْقَرَهُ وحَقَّرَهُ تحقيرًا: صغَّرَه، والمُحَقَّراتُ الصغائر. مختار الصحاح، للرازي (ص: 167).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
حَقَرَ: الحَقْرُ في كل المعاني: الذِّلَّة؛ ‌حَقَر ‌يَحْقِر ‌حَقْرًا ‌وحُقْرِيَّة، وكذلك الاحتقار. والحقِير: الصغير الذليل. لسان العرب (4/ 207).

«تَنفَّلونَ»:
النَّفْلُ والنَّافِلَة: عطيَّة التطوع من حيث لا يجب، ومنه نافلة الصلاة. والتَّنفل: التطوع. لسان العرب، لابن منظور(11/ 672).


شرح الحديث


قوله: «مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على قبرٍ دُفِنَ حديثًا»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
القَبرُ: ‌هو الحُفرةُ التي يُسترُ بها الميِّتُ، والمقابر: اسم للمكانِ المُشتملِ على الحُفرةِ وما ضَمَّت. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (5/ 491)

قوله: «رَكعَتانِ خَفِيفتانِ»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
الركعتان: تثنية ركعة، وهي المعروفة شرعًا بأن يكون بقيام وقراءة وركوع وسجود، وقد يطلق عليها السَّجدة، ولا تكون النافلة أقل من ركعتين إلا في الوتر خاصَّة. شروق أنوار المنن الكبرى (5/ 1793).

قوله: «مما تحقِرونَ وتَنَفَّلونَ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«مما تحقِرونَ» بسكون الحاءِ المهملة، وكسر القافِ، «وتَنَفَّلونَ» أي: تأتونَ به نافلةً. التنوير (6/ 267).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قوله «مما تحقِرونَ» بكسر القاف «وتَنفَّلونَ» بحذف إحدى التَّاءينِ، وشدَّةِ الفاءِ المفتوحةِ أي: تتنفَّلونَ به. السراج المنير (3/ 189).
وقال الشيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-:
«مما تحقِرونَ وتَنفَّلونَ» أي: ممَّا تَزهدونَ فيهما. لماذا نصلي (4/ 13).
وقال الشيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله- أيضًا:
«مما تحقِرونَ» تصلِّي ركعتينِ وتقول: هذه طاعةٌ يسيرةٌ «مما تحقِرونَ وتَنفَّلونَ» أي: نافلةٌ وسُنَّة. دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم (33/ 9).

قوله: «يزيدُهما هذا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
مِن الزيادة وكأَنه أَشار إِشارة إلى مُعَيَّن ولم يُسمِّ. التنوير (6/٢٦٧)

قوله: «أَحَبُّ إليه مِن بَقِيَّة دُنياكم».
قال العزيزي -رحمه الله-:
«أحبُّ إليه» أي: إلى الله «مِن بَقِيَّة دُنياكم» أي: هما عند الله أفضلُ. السراج المنير (3/ 189).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أحبُّ إليه» أي: إلى هذا «من بَقِيَّة دُنياكم» أي: ممَّا بقيَ في عُمرِها، وهذه شهادةٌ للمُشارِ إليه؛ لمحبته فعلَ الخيرِ، ويحتمل أن الضمير لله -تعالى- وأنهُ يحبُّ ما يأتيه المذكورُ، وأنه أفضلُ لديه من إنفاقِ الدنيا. التنوير (6/ 267).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أحبُّ إليه من بَقِيَّة دُنياكم»؛ لأن الصَّلاة توصل إلى عُلو الدرجاتِ في الجِنان، والخلود في جوار الرَّحمن ...الصلاة مكيال، فمَن وفَّى استوفى، والصلاةُ فرضُها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النوافل؛ فلذلك كانت ركعتان يزيدهما الرجل في صلاته خير من الدنيا وما فيها. فيض القدير (4/ 37)

وفي رواية: «رَكعَتانِ أحبُّ إلى هذا مِن بَقِيَّة دُنياكُم».
قال الفيومي -رحمه الله-:
«رَكعَتانِ أحب إلى هذا من بَقِيَّة دنياكم» وقال: بكر بن عبد الله المزني -رحمه الله-: "مَن مثلُكَ يا ابنَ آدم، إن شئتَ أن تدخل على مولاك بغير إذن دخلت، قيل له: كيف ذلك؟ قال: تُسبغ الوضوء، تَدخل محرابك فإذا أنت قد دخلت على مَولاك تُكلِّمه بغير تَرجمان". فتح القريب المجيب (3/ 284).
وقال الشيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-:
قوله: «أحبُّ إلى هذا» يعني: لو أنَّه خُيِّر بين أن يرجعَ إلى الدُّنيا من جديدٍ، ويُعطى كلَّ ما بقيَ من الدُّنيا من الكنوزِ والأموالِ إلى أن تقومَ الساعةُ ويصيرُ مِلْكًا له، وبينَ أن يعود إلى الدنيا ويركعَ ركعتينِ خفيفتينِ من النوافلِ الخفيفةِ، مما يحتقرُها الناس ويزهدُون في ثوابِهما، لاختار قطعًا وجزمًا أن يصلي هاتينِ الركعتينِ؛ لأنه عاينَ ثوابَ مثلِ هذه العبادة الجليلةِ، وممَّا ينفعُ في مِثلِ هذا الموطنِ أن يتذكر الإنسان حبيبًا إليه، أباه، أخاه، صديقه، قريبه الذي مات، ويتخيَّل أن هذا فلان ابن فلان بشحمهِ ولحمهِ، فلو خُيِّر هذا الخيار لقطعَ جَزمًا بأنه سيختارُ أن يصلي هاتينِ الركعتينِ ثمَّ يُدفن ثانيةً؛ من أجل أن يزيدَ في ثوابه هاتينِ الركعتينِ. لماذا نصلي (4/ 13).

وللفائدة ينظر:

حياتك تمضي سريعًا.. فبماذا تملؤها؟

ركعتان تهديك ما لا تقدر عليه الدنيا.


إبلاغ عن خطأ