«يَكْبَرُ ابنُ آدمَ، ويَكْبُرُ معهُ اثنانِ: حبُّ المالِ، وطولُ العُمُرِ».
رواه البخاري برقم: (6421) واللفظ له، ومسلم برقم: (1047)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
ولفظ مسلم: «يَهْرَمُ ابنُ آدمَ، وتَشِبُّ منه اثنتانِ: الحرصُ على المالِ، والحرصُ على العُمُرِ».
غريب الحديث
«يَكْبَرُ»:
كبَر يكبَرُ كبَرًا: إذا أَسنَّ. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 327).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«يكبَر» أولًا: بفتح الموحدة، أي: يطعن في السن، وثانيًا: بضمها، أي: يعظم. الكواكب الدراري (22/ 197).
«يَهْرَمُ»:
أي: يَكْبَرُ. إتحاف السادة المتقين، للزبيدي(8/ 158).
وقال ابن دريد -رحمه الله-:
الهرم: بلوغ الغاية في السِّن. جمهرة اللغة(2/ 804).
شرح الحديث
قوله: «يَكْبَرُ ابنُ آدمَ، ويَكْبَرُ معهُ اثنانِ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«يَكْبَرُ ابن آدم» بفتح الموحدة... «ويكبُر معه» بالضم... ويجوز ضم الأول، تعبيرًا عن كثرة عدد السنين بالعظم، وفتح الثاني. التوشيح (8/ 3823).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«يَكْبَرُ» أولًا: بفتح الموحدة، أي: يطْعَن في السن، وثانيًا: بضمها، أي: يعظم، ولو صح الرواية في الكلمة الثانية بالفتح، فالتلفيق بينه وبين الحديث السابق الذي ذكر فيه الشباب (أي: حديث: «لا يَزَالُ قلبُ الكبِيرِ شَابًّا في اثنتينِ في حُبِّ الدُّنيا وطولِ الأملِ») أي: المراد بالشباب الزيادة في القوة، وبالكِبر الزيادة في العدد، فذاك باعتبار الكيف، وهذا باعتبار الكَمِّ.
قالوا: التَّخصيص بهذين الأمرين هو لأنَّ أَحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، فأحب بقاءها وهو العمر، وسبب بقائها وهو المال، فإذا أحسَّ بقرب الرحيل قوي حُبه لذلك. الكواكب الدراري (22/ 197).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنَّ أحب الأشياء إلى الإنسان نفسُه، فما تزال محبته لها تقوى، خصوصًا إذا أيقن بقرب الرحيل، ثم إنه يحب ما هو سبب قوامها وهو المال؛ لموضع محبته إياها. كشف المشكل (3/ 332).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وقوله في رواية البخاري من حديث أنس: «وتكبر معه اثنتان» المراد كبرهما في المعنى وقوَّتهما، وعدم ضعفهما، فهو بمعنى قوله في رواية مسلم: «وتشب منه اثنتان» وبذلك يندفع قول القائل: كونهما تشبَّان منافٍ لِكِبَرهما؛ لأن المراد بكبرهما قوتهما؛ وذلك موافق لشبابهما، وليس المراد كِبَرًا يؤدي إلى الهرم والضعف، والله أعلم. طرح التثريب (4/ 82).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «يكبر ابن آدم، ويكبر معه اثنان» وإنْ كان القياس أنْ تقلَّ رغبته في المال، والعُمر كلَّما كَبُرَ، لكنه يكون أرغب فيهما من زمن شبابه. فيض الباري (6/ 250).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المراد أنَّ ابن آدم يضعف جسمه، ويَنْحَل لحمه مِن الكِبَر، وقلبه كقلب الشاب من حيث قوة حب المال، وحب الحياة. فتح المنعم (4/ 409).
قوله: «حبُّ المالِ، وطولُ العُمُرِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
في رواية البخاري: «حبُّ المال، وطول العمر» وفي رواية له: «حب الدنيا، وطول الأمل» والمراد من «طول الأمل»: محبة طول العمر، ومحبة طول الحياة، ومحبة العيش. فتح المنعم (4/ 409- 410).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أحاديث هذا الباب كلها متواردة على الإخبار عمَّا جُبل الإنسان عليه؛ من حُبِّ المال، والحرص على البقاء في الدنيا، وعلى أنَّ ذينك ليسا بمحمودَين؛ بل مذمومَين، ويحقق الذم في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ويتوب الله على مَن تاب». وقد نص الله تعالى على ذم ذلك في قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} البقرة: 96؛ وغيره مما في معناه. المفهم (3/ 92).
وفي رواية مسلم: «يَهْرَمُ ابنُ آدمَ، وتَشِبُّ منه اثنتانِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«يهرم ابن آدم» أي: يَكْبُرُ سِنُّه. شرح المصابيح (5/ 421- 422)
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«يهرم ابن آدم وتشبُّ فيه اثنتان»... إنما يشب مع الآدمي هاتان الخصلتان لطول صحبته إياهما، وكثرة أُنسه بهما، فكلما طال صحبتهما عسر الخلاص من حبهما، فيكون معنى قوله: «تشبُّ» أي: تقوى، فكأنه لما كبر هو ضعف، وكلما زادت صحبتهما له قويا. الإفصاح(5/ 188).
وقال النووي -رحمه الله-:
«وتَشِب منه اثنتان» بفتح التاء، وكسر الشين، وهو بمعنى: «قلب الشيخ شاب على حب اثنتين». المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 138).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«منه اثنتان» هذا استعارة، يعني: تستحكم الخصلتان في قلب الشيخ، كاستحكام قوة الشاب في شبابه. شرح المصابيح (5/ 421- 422).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
«يَهْرَم» بفتح الراء، أي: يشيب، كما في رواية، والمعنى: يضعف «ابن آدم ويشِبُّ» بكسر الشين المعجمة، وتشديد الموحدة، أي: ينمو ويقوى «منه» أي: من أخلاقه «اثنان». مرقاة المفاتيح (8/ 3298).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «يهرم» كيفرح بفتحتين، وهو أقصى الكبر. كفاية الحاجة (2/ 558).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يهرم ابن آدم»...أي: يشيب جسمه. الكوكب الوهاج (12/ 167).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «اثنتان» تقدَّم أنه إنما أنَّث «اثنتان» مع كون «الحرص» مُذكرًا بتأويله بخصلتين. البحر المحيط الثجاج (20/ 39).
قوله: «الحرصُ على المالِ، والحرصُ على العُمُرِ»:
قال الملا على القاري -رحمه الله-:
«الحرص على المال» أي: على جمعه ومنعه، «والحرص على العمر» أي: بتطويل أمله، وتسويف علمه، وتبعيد أجله. مرقاة المفاتيح (8/ 3298).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«الحرص على المال، والحرص على العمر» إنما لم تَنْكَسِر هاتان الخصلتان؛ لأن الإنسان مجبول على حب الشهوات، والشهوة إنما تُنال بالمال والعمر. شرح المصابيح (5/ 422).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حُبُّ الدنيا، وطول الأمل» المراد بحب الدنيا: «الحرص على المال» وبطول الأمل: «الحرص على العمر». لمعات التنقيح (8/ 487- 488).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الحرص على المال» أي: شدة الرغبة في المال، «والحرص على العمر» أي: شدة الرغبة في طول الحياة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 72).
وقال المناوي -رحمه الله-:
إنما لم تذهب هاتان الخصلتان لأن المرء جُبِلَ على حبِّ الشهوات، كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} آل عمران: 14 الآية، وإنما تُنال هي بالمال والعمر، والنفس معدن الشهوات، وأمانيها لا تنقطع، فهي أبدًا فقيرة؛ لِتَرَاكُم الشهوات عليها، قد برَّح بها خوف الفوت، وضيَّق عليها، فهي مفتونة بذلك، وخلصت فتنتها إلى القلب، فأصمَّته عن الله وأَعْمَتْهُ؛ لأن الشهوة ظلمات ذات رياح هفافة، والريح إذا وقعت في الأذن أصمَّت، والظلمة إذا حلَّت بالعين أَعْمَتْ، فلما وصلت هذه الشهوة إلى القلب حجبت النور، فإذا أراد الله بعبد خيرًا قذف في قلبه النور، فتمزق الحجاب، فذلك تقواه به، يتقي مساخط الله، ويحفظ حدوده، ويؤدي فرائضه، فإذا أشرق الصدر بذلك النور تأدَّى إلى النفس فأضاء، ووَجَدَت له النفس حلاوة وطلاوة ولذة تلهيه عن شهوات الدنيا وزخرفها، فيحيا قلبه، ويصير غنيًّا بالله الكريم في فعاله، الحي في ديموميته، القيوم في ملكه، والنفس حينئذٍ بجواره، وفي غِناء الجار غَناء (كِفايةً)، فصارت تقواه في قلبه، وهو في ذلك النور، وغناه في نفسه طمأنينتها ومعرفتها أين معدن الحاجات، وحكم عكسه عكس حكمه، أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه. فيض القدير (6/ 465).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المال أخطر ما في الوجود؛ لأن صاحبه لا يدرك خطره إلا بعد فوات الأوان، بهجته تعمي الأبصار عن إدراك حقيقته، وجمعه يزيد الرغبة في جمعه، فهو كالمخدِّر الذي يشلُّ حركة التفكير والتعقل والتدبر، إلا مَن عصمه الله، يضحِّي الإنسان في سبيله بكل غال، يضحِّي بالهدوء والراحة والسعادة والأهل والأوطان، ويشقى طول عمره من أجل المال، الجار يعادي الجار من أجل المال، الأخ يخاصم أخاه ويقاضيه من أجل المال، بل وصل الأمر إلى أن يقتل الولد أباه وأمه من أجل المال، وما الحروب بين الدول، وقتل الآلاف ومئات الآلاف من البشر إلا من أجل الحاجة إليه، فحسب ابن آدم لقيمات تُقِمْنَ صلبه، وما أكثر الذين يلهثون وراء المال وهم لا يحتاجونه! إنما حب المال وحب جمعه غُرِس في طبيعة الإنسان منذ خُلِق، يقول جل شأنه: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} الفجر: 19-20، {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} آل عمران: 14. فتح المنعم (4/ 364- 365).
احذرْ أن يشيخَ جسدُك ويَبقى قلبُك أسيرَ الدنيا.