«لا يَحِلُّ لرجلٍ أنْ يُفرِّقَ بينَ اثنين إلَّا بِإذنِهِما».
رواه أحمد برقم: (6999)، وأبو داود برقم: (4845)، والترمذي برقم: (2752)، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (1142)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لأبي داود برقم: (4844) «لا يجلس بين رَجُلين إلا بإذنهما».
وفي لفظ عند البيهقي في السنن الكبرى برقم: (5959)، والطبراني في الأوسط برقم: (3652): «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَجلسَ الرجلُ بينَ الرَّجُلين إلا بإذنهما».
صحيح الجامع برقم: (7656،6821)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2385) صحيح الأدب المفرد برقم: (875).
شرح الحديث
قوله: «لا يَحِلُّ لرجلٍ أنْ يُفرِّقَ بينَ اثنين»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«لا يحل» بكسر المهملة، أي: لا يباح. دليل الفالحين (5/ 305).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يحلُّ لرجل أنْ يُفرِّق» بتشديد الراء «بين اثنين» أي: بأنْ يجلس بينهما. مرقاة المفاتيح (7/ 2976).
وقال السندي -رحمه الله-:
«لا يحل لرجل يُفرِّق» هو فاعل «لا يحلُّ» بتقدير: أنْ يُفرِّق، أو الجملة صفة «رجل»، والفاعل: ما يُفهم من الكلام، أي: فعْلُه ذلك. فتح الودود (4/ 551).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «لا يحل» يدلُّ على التحريم، ويُبيِّن ذلك: أنَّ النهي في قوله: «لا يجلس» للحرمة.
(و) المراد بالاثنين والرَّجُلين: المتحابان، فأمَّا المتعاديان، فلا بأس بالتفريق، والجلوس بينهما. الأزهار مخطوط لوح (408).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا يحلُّ لرجل أنْ يُفرِّق بين اثنين» في المجلس. التيسير (2/ 504).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا يحل لرجل أنْ يُفرِّق بين اثنين» في أي مجلس من مسجد وغيره. التنوير (11/ 179).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«لا يحل لرجلٍ أنْ يُفَرِّق بين اثنين» يحتمل أنْ يكون معنى الحديث: لا يُفرِّق بينهما بالجلوس إذا لم تكن فُرجة واسعة. بذل المجهود (13/ 264، 265).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «لا يحل لرجل أنْ يُفرِّق بين اثنين» يعني: إذا جلس اثنان متقاربين لا يجوز لأحد أنْ يفرقهما، ويجلس بينهما؛ لأنه قد يكون بينهما محبَّة وجريان سرٍّ وكلام، فيشق عليهما التفرُّق. فتح القريب المجيب (12/ 269).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «بين اثنين» أي: اللذين بينهما أُخُوَّة أو مودة؛ فإنْ عُرِفَ ذلك قطعًا كُره التفريق، وإنْ عُرِف عدم ذلك جزمًا لم يُكره، وإنْ أُبهم فالاحتياط أنْ يتوقف؛ لئلا يلزم الإيذاء. لمعات التنقيح (8/ 60، 61).
وقال السندي -رحمه الله-:
«بين رَجُلين» (كما في رواية) أي: اللَّذين بينهما كلام، أو يكون مقتضى حالهما ذلك. فتح الودود (4/ 550).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«لا يحل لرجل أنْ يُفرِّق بين اثنين» وهذا عام، يشمل ما إذا كانا جالسين أو ماشيين؛ لأن هذا يقال له: تفريق بين اثنين، وليس خاصًّا بالجلوس، ومن المعلوم أنَّ القيام والمشي حكمهما مثل حكم الجلوس، بل قد يكون القيام والمشي أشدُّ من الجلوس؛ وذلك أنهما قد يكونان متلازِمَين في المسير، وقد يكون كل واحد منهما آخذًا بيد الآخر؛ لقوة الصلة التي بينهما، فالحديث هذا عام يشمل ما إذا كانا جالسين أو ماشيين، فلا يفرِّق بينهما أحد إلا بإذنهما. شرح سنن أبي داود (550/ 5).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«نهى أنْ يجلس الرَّجُل بين الرَّجُلين» يُفرِّق بينهما بقعوده. التنوير (11/ 13).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لا تجلس بين رَجُلين» (كما في رواية) فيه تصريح بأنَّ المراد بالتفريق في الحديث السابق الجلوس بينهما، وإنْ كان ظاهر مفهومه أعم. لمعات التنقيح (8/ 61).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بين رَجُلين» (كما في رواية) وكذا المرأة بين المرأتين، والصبي بين صبِيَّيْنِ. شرح سنن أبي داود (18/ 548).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: لا يجلس رَجُل بين رَجُلين إلا بإذنهما، ومثل ذلك المرأة لا تجلس بين المرأتين، فإنَّ الحكم واحد، ولكنه ذكر الحديث فيما يتعلَّق بالرجال؛ لأنَّ الغالب أنَّ الكلام مع الرجال...؛ وذلك لما يترتب على ذلك من قَطْعِ ما يكونان قد اشتغلا به، أو يتحدثان فيه، أو أنَّ كلًا منهما يريد أنْ يجلس بجوار الآخر؛ لأنه مرتاح إلى الجلوس معه؛ ولذا جاء النهي عن التفريق بينهما عن رسول الله -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-، ويدخل في الاستئذان ما إذا كانا ماشيين. شرح سنن أبي داود (28/ 42).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
مما يدخل في التفريق بين اثنين: الجلوس بينهما إنْ كانا جالسَين، أو القيام بينهما أنْ كانا قائمَين في صلاة، فإنْ كان ذلك من غير تضييق عليهما ولا دفعٍ ولا أذى، مثل أنْ يكون بينهما فُرْجة فإنَّه يجوز، بل يُستحب، لأنَّه مأمور بسَدِّ الخلل في الصف، وإلا فهو منهي عنه، إلا أنْ يأْذَنَا في ذلك، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل للرجل أنْ يُفرِّق بين اثنين إلا بإذنهما». فتح الباري (8/ 206).
وقال الخادمي -رحمه الله-:
لأنه يورث الحقد، وإيذاء باحتقارهما، وفي رواية: «لا يحل لرَجُل» لإنسان «أنْ يُفرِّق بين اثنين إلا بإذنهما»؛ ولأنه قد يكون بينهما محبة وجريان سرٍّ، وكلام فيشق عليهما التفرُّق، إلا في المسجد إذا كان في الصف فرجة. بريقة محمودية (4/ 168).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا تجلس» (كما في رواية) أي: أنت، والمراد به خطاب العام. مرقاة المفاتيح (7/ 2976).
قوله: «إلَّا بِإذنِهِما»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«إلا بإذنهما»...إما إذنًا باللسان، يعني: إذا قال أحدهما: تعال اجلس هنا، أو بالفعل، بأنْ يتفرَّق بعضهما عن بعض؛ إشارة إلى أنك تجلس بينهما، وإلا فلا تُفرِّق بينهما. شرح رياض الصالحين (4/ 357).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
الظاهر أنَّ النهي عن الجلوس بين الاثنين بغير إذنهما يوقِع في أنفسهما انتقاصهما واحتقارهما، وتفاؤلًا بحصول الفُرقة بينهما إذا فرَّق بينهما في الجلوس، وربما احتاجا إلى كلام فيَسمع كلامَهما، والسرُّ الذي بينهما، ويؤدي ذلك إلى التنافر والتهاجر، فنُهي عن ذلك إلا بإذنهما، ويحتمل أنْ يكون ذلك كان في أول الإسلام حين كان المنافقون يجالسونهم، ويُخشى منهم الاطلاع على أحوال المؤمنين. شرح سنن أبي داود (18/ 548-549).
وقال المناوي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
اختصاص النهي بأول الإسلام لا دليل عليه. فيض القدير (6/ 506).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لأنه قد صار اتصالهما حقًّا لهما، لا يفرّق بينهما إلا إذا أذنا. التنوير (11/ 13).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
لأنه قد استحق كل واحد منهما موقفه، فالقاعد بينهما يزَحْزِحُ كل واحد مِن بعض موقفه، ولا يحل له إلا أن يَأْذَنَا له جاز، ولو أَذِنَ أحدهما دون الآخر لم يحل له؛ إذ لا بد من استغراقه بعض موقف الآخر. التحبير (6/ 520، 521).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
لأنه إذا دخل بينهما يضيق عليهما، ويؤذيهما، أو معناه: إذا كان بينهما مؤالفة فيُسِرَّان الكلام، فيكون بالجلوس بينهما مُخِلًّا. بذل المجهود (13/ 265).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لأن هذا من سوء الأدب إنْ قلتَ: تفسَّح، ومن الأذية إنْ جلستَ وضيقتَ عليهما. شرح رياض الصالحين (4/ 357).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيُكره (التفريق) بدونه (أي الإذن) تنزيهًا، وتشتد الكراهة بين نحو والد وولده، وأخ وأخيه، وصديق وصديقه. فيض القدير(6/ 351).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
هذا الحديث عام يشمل التفريق بين المرء وزوجه، كالعبد المتزوج بأَمَةِ سيده لا يجوز للسيد أنْ يُفرِّق بينهما، إلا برضاهما، يؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه والدارقطني عن ابن عباس قال: أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجل فقال: يا رسول الله، سيدي زوَّجَنِي أَمَتَه، وهو يريد أنْ يُفرِّق بيني وبينها، قال: فصعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر، فقال: «يا أيها الناس، ما بال أحدكم يُزوِّج عبده أَمَتَه، ثم يريد أنْ يُفرِّق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالسَّاق» يعني: ساق المرأة، فهو كناية عن الزوج؛ لأنه لا يأخذ بساقها إلا زوجها.
ويشمل أيضًا التفريق في مجلسهما، يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن سعيد المقبري، قال: جلستُ إلى ابن عمر ومعه رجل يحدثه، فدخلتُ بينهما، فضرب بيده صدري، وقال: أما علمتَ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا تناجى اثنان فلا تجلس إليهما حتى تستأذنهما»، وفي لفظ: «فلا يدخل بينهما الثالث إلا بإذنهما»؟ الفتح الرباني (19/ 254).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: النهي عن الجلوس بين الاثنين بغير رضاهما. تطريز رياض الصالحين (ص: 506).
وللاستفادة ينظر مفاسد التفريق بين اثنين يوم الجمعة.
وللفائدة يُنظر: فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم خدمة الزوجة لأمِّ زوجها، هل يجب عليها ذلك أم لا؟