«صلاة الرَّجل في الجماعة تَضَعَّف على صلاته في بيته وفي سُوقه خمسًا وعشرين ضِعْفًا؛ وذلك أنه: إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يُخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوةً إلا رُفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تصلِّي عليه، ما دام في مُصلَّاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدُكم في صلاة ما انتظرَ الصلاة».
رواه البخاري برقم: (647) واللفظ له، ومسلم برقم: (649)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ البخاري برقم:(2119): «بضعًا وعشرين درجة».
وفي لفظ البخاري برقم: (477): «خمسًا وعشرين درجة».
وفي لفظ مسلم برقم: (649): «بخمسة وعشرين جزءًا».
وفي لفظ مسلم برقم: (649): «خمسًا وعشرين من صلاة الفَذِّ».
وفي رواية للبخاري برقم: (645) واللفظ له، ومسلم برقم: (650)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- بلفظ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفَذِّ بسبعٍ وعشرين درجة».
غريب الحديث
«تَضَعَّف»:
تَزِيدُ عليها. يقال: ضَعُفَ الشيءُ يَضْعُفُ إذا زاد، وضَعَّفْتُه وأَضعَفْتُه وضَاعَفْتُه بِمَعْنًى. لسان العرب، لابن منظور (9/ 205).
«خُطوة»:
الخُطْوة، بالضم: ما بين القدمين، والجمعُ خُطًى وخُطْوات وخُطُوات، ... وقيل: الخَطْوة والخُطْوة لغتان، والخَطْوة الفعل، والخَطوة بالفتح، المرة الواحدة، والجمع خَطَوات. لسان العرب، لابن منظور (14/ 231).
«الفَذّ»:
صلاةُ الفَذِّ: المنفرد المصلي وحدَه. مطالع الأنوار، للقاضي عياض (5/ 207).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «صلاة الرجل في الجماعة»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «صلاة الرجل» مبتدأ، والمضاف محذوف، أي: ثواب صلاته، والضمير في «تُضَعَّف» راجع إليه. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 934).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
«صلاة الرجل في الجماعة» هو في المرأة كذلك، حين يُندب لها الخروج إلى المسجد؛ لأن وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبَر شرعًا، وهو مثل قوله -عليه الصلاة والسلام-: «مَن أعتق شِرْكًا له في عبدٍ»، مَن صلى كذا...، من فعل كذا.. فله كذا، كله يتساوى فيه النساء والرجال بغير نزاع، والله أعلم. رياض الأفهام (1/ 619).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ولا يقال: إنه سيأتي أن صلاة المرأة في بيتها أفضل؛ لأنا نقول هو مسلَّم ولا ينافي هذا، كما أن صلاة الرجل في الفلاة أفضل لا ينافي هذا، وكما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 25).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
وهل جماعتهن في الفضل والاستحباب كجماعة الرجال؟ على وجهين:
أحدهما: أنهن كالرجال، بفضل جماعتهن على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة؛ لعموم الخبر.
والثاني -وهو أظهر-: أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن؛ لقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} البقرة: 228. الحاوي الكبير (2/ 356).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
أقل الجماعة اثنان إمام ومأموم. شرح سنن أبي داود (3/ 567).
قوله: «تَضَعَّف على صلاته»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«تضعَّف» بتشديد العين المُهْمَلة. دليل الفالحين(6/ 549).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
التضعيف في صلاة الجماعة في المسجد تضعف على صلاة المنفرد في سوقه وبيته من غير عذر، أما إذا صلى في الجماعة في البيت، أو في السوق، من غير عذر هل يحصل له هذا التضعيف؟
ظاهر لفظه في تعليله في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وذلك أنه إذا توضأ» إلى آخره يقتضي تَرتُّبه عليه؛ لأن ما رُتِّب على مجموع لا يحصل ببعضه، إلا بدليل على إلغاء ذلك البعض، وعدم اعتباره، فيصير وجوده كعدمه، ويبقى ما عداه معتبرًا.
إذا تقرر ما ذكرنا فاللفظ يقتضي الحُكم بالمضاعفة في صلاته في الجماعة بهذا الوصف، على صلاته في بيته وسوقه، وهو الوضوء في البيت، والإحسان فيه، والمشي إلى الصلاة؛ لرفع الدرجات، وصلاة الملائكة عليه ما دام في مُصلاه.
فحينئذٍ يلزم أن يكون الحُكم في محله، بوجود هذه المذكورات، فكل ما أمكن أن يكون مُعتبرًا منها لا يجوز ترتُّب الحكم على بعضه؛ لأنه الأصل، فإذا صلى في بيته في جماعة لم يحصل له التضعيف بمقتضى ظاهر اللفظ والقياس؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه.
لكنه ورد حديث آخر مطلق في صلاة الجماعة من غير تقييد بالمسجد، فحينئذٍ يرجع كل واحد من الحديثين والنظر فيهما: إلى العموم والخصوص.
وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله- في رواية عنه: لا يتَأدَّى الفرض في البيوت، بإقامته في الجماعة فيها؛ ولعله نظر إلى ما ذكرناه. العدة في شرح العمدة (1/ 345-346).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
أما التضعيف المذكور، فحاصل لصلاة الجماعة على الإطلاق، ويدل عليه حديث ابن عمر الذي قبل هذا الحديث، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة»، فرتَّب هذا الحُكم على مطلق صلاة الجماعة، من غير زيادة على ذلك. رياض الأفهام (1/ 620).
قوله: «في بيته وفي سُوقه»:
قال الفاكهاني -رحمه الله-:
«تَضَعَّف على صلاته في بيته، وفي سُوقه»، المراد -والله أعلم-: صلاته في بيته وفي سوقه منفردًا، هذا هو الصواب، وإن كان قد قيل غيره، فإذا صلى في بيته أو في سُوقه جماعة حصل له هذا القدر من التضعيف -إن شاء الله تعالى-.
نعم، رفعُ الدرجات، وحطُّ الخطيئات مشروط بالمشي إلى المسجد، فمَن فعل ذلك حصل له ذلك، ومن لا، فلا. رياض الأفهام (1/ 620).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد صلاته في بيته وسوقه: منفردًا، هذا هو الصواب، وقيل فيه غير هذا، وهو قول باطل، نبَّهتُ عليه؛ لئلا يُغتر به. شرح صحيح مسلم (5/ 165).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- معلقًا على كلام النووي:
قلت: ومن ذلك قول ابن التين في شرح البخاري: لو صلَّى في سوقه جماعة كان كالفذِّ؛ أخذًا بظاهر الحديث، أو لأن السوق مأوى الشياطين، وهذا واهٍ جدًّا، نعم رفع الدرجات وحطُّ الخطيئات مشروطٌ بالمشي إلى المسجد، فمَن فعل ذلك حَصَلَا له، وإلا فلا. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 364).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
في تخصيص ذكر السوق والبيت إشعار بأن مضاعفة الثواب على غيرهما من الأماكن التي لم تلزمه لزومهما لا يكون أكثر مضاعفة منهما. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 934).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
هذا خارج مخرج الغالب؛ لأن مَن لم يحضر الجماعة في المسجد يصلي منفردًا في بيته أو سوقه، وأما الذي يصلي في بيته جماعة فله الفضل فيها على صلاته منفردًا بلا نزاع. عمدة القاري (5/ 167).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه» يتصدى النظر هنا هل صلاته في جماعة في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه جماعة، أو تفضل عليها منفردًا؟
أما الحديث: فمقتضاه أن صلاته في المسجد جماعة تفضل على صلاته في بيته وسوقه جماعة وفرادى بهذا القدر؛ لأن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الرجل في جماعة» محمول على الصلاة في المسجد؛ لأنه قوبل بالصلاة في بيته وسوقه، ولو جَرَينا على إطلاق اللفظ: لم تحصل المقابلة؛ لأنه يكون قِسْمُ الشيء قسمًا منه، وهو باطل، وإذا حُمل على صلاته في المسجد فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاته في بيته وسوقه» عام يتناول الأفراد والجماعة، وقد أشار بعضهم إلى هذا بالنسبة إلى الانفراد في المسجد والسوق؛ من جهة ما ورد أن الأسواق موضع الشياطين، فتكون الصلاة فيها ناقصة الرتبة، كالصلاة في المواضع المكروهة لأجل الشياطين، كالحمام.
وهذا الذي قاله -وإن أمكن في السوق- ليس يطَّرد في البيت، فلا ينبغي أن تتساوى فضيلة الصلاة في البيت جماعة مع فضيلة الصلاة في السوق جماعة، في مقدار الفضيلة التي لا توجد إلا بالتوقيف، فإن الأصل ألا يتساوى ما وجد فيه مفسدة معينة مع ما لم توجد فيه تلك المفسدة، هذا ما يتعلق بمقتضى اللفظ، ولكن الظاهر مما يقتضيه السياق أن المراد تفضيل صلاة الجماعة في المسجد على صلاته في بيته وسوقه منفردًا، فكأنه خَرَج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا.
وبهذا يرتفع الإشكال الذي قدمناه من استبعاد تساوي صلاته في البيت مع صلاته في السوق جماعة فيهما؛ وذلك لأن مَن اعتبر معنى السوق مع إقامة الجماعة فيه وجَعَلَه سببًا لنقصان الجماعة فيه عن الجماعة في المسجد يلزمه تساوي ما وُجدت فيه مفسدة معتبرة مع ما لم توجد فيه تلك المفسدة في مقدار التفاضل، أما إذا جعلنا التفاضل بين صلاة الجماعة في المسجد وصلاتها في البيت والسوق منفردًا فوصف السوق ها هنا مُلغى غير معتبر، فلا يلزم تساوي ما فيه مفسدة مع ما لا مفسدة فيه في مقدار التفاضل، والذي يؤيد هذا: أنهم لم يذكروا السوق في الأماكن المكروهة للصلاة، وبهذا فارق الحمَّام المستشهد بها. إحكام الأحكام (1/ 193-192).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
ولا يلزم مِن حمل الحديث على ظاهره التسوية المذكورة؛ إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد ألا يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن كون الصلاة جماعة في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السوق؛ لما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد، وقد جاء عن بعض الصحابة قصْر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع، وفي المسجد العام مع تقرير الفضل في غيره. فتح الباري (2/ 135).
قوله: «خمسًا وعشرين ضِعْفًا» وفي لفظ: «خمسًا وعشرين درجة»، وفي لفظ: «بخمسة وعشرين جزءًا»، وفي لفظ: «بسبعٍ وعشرين درجة»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«خمسًا وعشرين ضعفًا» أي: مِثْلًا، والمراد: الكثرة لا الحصر. شرح المصابيح (1/ 425).
وقال النووي -رحمه الله-:
في رواية: «إن صلاة الجماعة تَفْضُلُ صلاة المنفرد بخمسة وعشرين جزءًا»، وفي رواية: «بخمس وعشرين درجة»، وفي رواية: «بسبعٍ وعشرين درجة» والجمع بينها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا منافاة بينها، فذِكْر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين.
والثاني: أن يكون أخبر أولًا بالقليل ثم أعْلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها.
الثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلِّين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيأتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك، فهذه هي الأجوبة المعتمدة، وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا غفلة مِن قائله، فإن في الصحيحين: «سبعًا وعشرين درجة» «وخمسًا وعشرين درجة» فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (5/ 151).
وقال الكوراني -رحمه الله- متعقبًا:
وقيل: التفاوت إنما هو باعتبار حال المصلي، وكثرة الجماعة، وشرف البقعة، وعلى حسب الخشوع والخضوع، وفيه نظر؛ لأن ذلك التفاوت لا ينحصر في عدد، بل يصل إلى مرتبة لا يعلمها غير الله؛ لقوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} البقرة: 261.
فالصواب: أن سبعًا وعشرين لكلِّ من صلى بالجماعة حيث كان، سواء كانت الجماعة قليلًا أو كثيرًا، وأما تلك الزيادات مفوَّضة إلى علم الله تعالى. الكوثر الجاري (2/ 162).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقيل: إن الزيادة لصلاتَي العشاء والصبح لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، ويؤيده حديث أبي هريرة: «تَفْضُلُ صلاة أحدِكم وحْدَهُ بخمسٍ وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر»، فذَكَرَ اجتماعَ الملائكة بواوٍ فاصلة، واستأنَفَ الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة، وقيل: لا منافاة بين الحديثين؛ لأن ذكر القليل لا ينافي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين. عمدة القاري (4/ 259).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الأَولى بِنَا أن نَقِفَ حيث أوقفنا الله تعالى، ونسلِّم الأمر فيه إلى مَن كاشَفَهُ الله بحقائقه -صلى الله عليه وسلم- بمبلغ ما خصه به من المعاني. الميسر في شرح مصابيح السنة (1/ 285).
قوله: «وذلك أنه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وذلك» الجملة الحالية كالتعليل للحكم، كأنه لما أضاف الصلاة إلى الرجل والتعريف فيه للجنس أفاد أن صلاة الرجل الكامل الذي لا يلهيه أمر دنيوي عن ذكر الله في بيت الله يضعَّف أضعافًا؛ لأن مِثْلَ هذا الرجل لا يقصِّر في شرائطها، وأركانها، وآدابها، فإذا توضأ أحسن الوضوء، وإذا خرج إلى الصلاة لا يشوبه شيء مما يكدِّرها، فإذا صلى لم يتعجَّل للخروج، ومَن شأنه هذا فجدير بأن يضعف ثواب صلاته. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 934).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ظاهر في أن الأمور المذكورة علة للتضعيف المذكور؛ إذ التقدير: وذلك لأنه، فكأنه يقول: التضعيف المذكور سببه: كيت وكيت، وإذا كان كذلك فما رُتِّب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا أو ليس مقصودًا لذاته، وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجِّه، والروايات المطلقة لا تنافيها، بل يُحمل مطلقها على هذه المقيدة. فتح الباري (2/ 135).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وذلك بأن أحدكم...» أي: زيادة الصلاة بجماعة عادة على أعمال صالحة، فزادت لذلك شرفًا وعزًّا عند الله، واستحقت زيادة أجرٍ ورتبة، وليست تلك الدرجات جزاء تلك الأعمال الصالحة التي اشتملت عليها الصلاة، وإلا لما كان لها حدٌّ مضبوط، بل كانت مختلفة باختلاف الخطوات والانتظار قلَّة وكثرة، بل هي جزاء نفس الصلاة بجماعة، وإنما سبب ذلك: اشتمالها على تلك الأعمال عادة، فاكتَسَبَتْ لذلك شرفًا عند الله تعالى وزيادة رتبة، وأما أجور تلك الأعمال فهي محسوبة وراء هذه الدرجات على قَدْرِها، والله تعالى أعلم. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (1/ 365).
قوله: «إذا توضأ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«إذا توضَّأَ» أي: أراد الوضوء، أو شرع فيه. الكوثر الجاري (2/ 301).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «توضأ» شمل الوضوء المجدَّد وغيره، وقد يقال: إن قوله: «توضأ» ليس للتقييد بالفعل، وإنما خرج مخرج الغالب، أو ضَرْب المثال. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 364).
قوله: «فأحسن الوضوء»:
قال الفاكهاني -رحمه الله-:
إحسان الوضوء: هو الإتيان به بفروضه وسننه وفضائله، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون المراد بإحسانه: الإتيان بفروضه ليس إلا، والأول أظهر. رياض الأفهام (1/ 620).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ويبعد تنزيله (أي: إحسان الوضوء) على الفرض فقط. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 364).
قوله: «ثم خرج إلى المسجد»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ثم خرج إلى المسجد» أي: متوجهًا إليه. دليل الفالحين (6/ 549).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قد يُسْتَلْوَحُ مِن قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ثم خرج» عدم التقييد بالفورية، حتى لو توضأ (و)تراخى خروجه لعذر، أو غير عذر، لم يكن ذلك منقِصًا لأجره -والله أعلم-، ولا أبعد أن يكون عدم التراخي أولى، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} المؤمنون: 61 شامل لهذا وغيره من أنواع الخير، والله أعلم. رياض الأفهام (1/ 621).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«المسجد» المسجد وصف معتبر، فلا يصح إلغاؤه، ويشبه أن يكون المصلي لصلاة الجنازة في معناه. شرح سنن أبي داود (3/ 569).
قوله: «لا يُخرجه إلا الصلاة»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لا يخرجه» من الإخراج.
قوله: «إلا الصلاة» أي: قصد الصلاة في جماعة. عمدة القاري (5/ 167).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا يخرجه إلا الصلاة» جملة حالية مِن فاعل خَرَجَ، مقيِّدة لتَرَتُّب الثواب الآتي على الخروج إلى المسجد بمضمونها. دليل الفالحين (6/ 549-550).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
ظاهره أو نصه: اشتراط الخروج للصلاة، لا لأمر زائد عليها، حتى لو خرج لها ولأمر آخر من غير العبادات لم يحصل له رفع الدرجات، ولا حطُّ الخطيئات، ونظيره حجُّ من يخلط الحج بالتجارة أو غيرها من الأسباب الدنيوية، فإنه ليس كمن محَّضَ الخروج للحج، وكذلك الجهاد، وسائر العبادات. رياض الأفهام (1/ 621).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ظاهر أن المفوت الخروج للشغل الدنيوي، أما إذا خرج للصلاة فيه، وقراءة قرآن، أو علم فذاك بِرٌّ ضُمَّ إلى بِرٍّ. دليل الفالحين (6/550).
قوله: «لم يَخْطُ خطوة إلا رُفعت له بها درجة»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لم يَخْطُ» بفتح أوله، وضم الطاء، أي: لم يمشِ. شرح سنن أبي داود (3/ 569).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«رُفعت» بالبناء للمجهول «له بها درجة» نائب الفاعل. دليل الفالحين (6/ 550).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
«إلا رُفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة» قال الداودي: إن كانت له ذنوب حُطَّت عنه، وإلا رُفعت له درجات، قال: وهذا يقتضي: أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة؛ إما الحط، وإما الرفع.
قلتُ: فعلى هذا تكون (الواو) بمعنى (أو) لا بمعنى العطف.
وقال غيره: بل الحاصل بالخطوة ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: «كتب الله له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، وحُط عنه بها سيئة». العدة في شرح العمدة (1/ 344-345).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
الدرجة: واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، والدُّرَجة -بضم الدال مثال الهمزة- لغة في الدَّرجة، وهي المرقاة، قاله الجوهري.
(و) هل الدرجة هنا على ظاهرها محسوسة، أي: رُفعت له درجة في الجنة، فَعَلَا منزله فيها، أو رُفعت رتبته عند الله تعالى، فتكون معنوية؟
وهذا من الأشياء التي لا يُقدم على القطع بها إلا لتوقِّف من الشارع، وأما حط الخطيئة فكأنه ظاهر في محوها من صحيفة السيئات، والله أعلم بحقيقة ذلك. رياض الأفهام (1/ 622).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
فالمشي إلى الجماعة يستلزم احتساب الأجر بالخطوات، والتنصل عن الخطيئات، ومن توقَّى عن دركات الهَلكات فقد ترقَّى إلى مُنجاة الدرجات. إرشاد الساري (1/ 459).
قوله: «وحُطَّ عنه بها خطيئة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وحُط عنه بها خطيئة» أي: إذا كان عليه سيئات، ويمكن أن يجمع له بين الرفع والحطِّ وهو الظاهر، والفضل واسع. مرقاة المفاتيح (2/ 595).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «وحُط عنه بها خطيئة» أي: مِن الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى. دليل الفالحين (6/ 550).
قوله: «فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإذا صلى» قال ابن أبي جمرة: أي: صلى صلاة تامَّة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال للمسيء صلاته: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ¬». فتح الباري (2/ 136).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
هؤلاء الملائكة الذين يصلُّون يجوز أن يكونوا الحَفَظَة، ويجوز أن يكونوا سواهم، فالله أعلم. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 369).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«تصلي عليه» أي: تدعو له، وتستغفر له. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 67).
قوله: «ما دام في مُصلَّاه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ما دام في مصلاه» أي: جالسًا فيه، ويحتمل: أن يراد ما دام مستمرًا فيه، ولو مضطجعًا. دليل الفالحين (6/ 550).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«في مصلاه» أي: في الموضع الذي صلى فيه. المفاتيح في شرح المصابيح(2/ 67).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ظاهر قوله: «ما دام في مُصلَّاه» أن صلاة الملائكة مشروطة بدوامه في مصلاه بعد صلاته، وفي مسلم: «ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه»، وفي الموطأ ما يصرح بذلك من حديث أبي هريرة: «إذا صلى أحدكم فجلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة حتى يصلي».
قال الباجي: المنتظِر في غير مُصلَّاه من المسجد يكون في صلاة: كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظِر في مُصلَّاه يحصل له أنه في صلاة، وصلاة الملائكة عليه بخلاف المنتظِر في غير مصلاه. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 369-370).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «في مصلاه» أي: في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة كان كذلك. فتح الباري (2/ 136).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ظاهر هذا الحديث: أن انتظار الصلاة مختصة بالمصلي في جماعة في المسجد، فلو صلى وحده وقعد ينتظر الصلاة لم تحصل له هذه الفضيلة. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 370).
وقال الباجي -رحمه الله-:
سئل مالك عن رجل صلى في غير جماعة، ثم قعد بموضعه ينتظر صلاة أخرى، أتراه في صلاةٍ بمنزلة من كان في المسجد، كما جاء في الحديث؟
قال: نعم إن شاء الله، أرجو أن يكون ذلك. المنتقى شرح الموطأ (1/ 284).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ما المراد بكونه في مُصلّاه، هل قبل صلاة الفرض، أم بعد الفراغ من الفرض؟
يحتمل: الأمرين، وقد بوَّب البيهقي-رحمه الله-: الترغيب في مكث المصلي في مصلاه لإطالة ذِكْرِ الله -تعالى-، وهذا يدل أن المراد الجلوس بعد الفراغ من صلاة الفرض، وهو ظاهر قوله أيضًا: «في مصلاه الذي صلَّى فيه»، ويكون المراد بجلوسه: انتظار صلاة أخرى لم تأتِ، وهو مصرَّح به في بعض طُرق حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند أحمد، ولفظه: «مُنْتَظِرُ الصلاة بعد الصلاة كفارسٍ اشتد به فرسه في سبيل الله على كَشْحِهِ (أي: عدوِّه)، تصلي عليه ملائكة الله، ما لم يُحْدِثْ، أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر».
وفي الصحيح أيضًا: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»، وروى ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- بإسناد صحيح: صلينا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المغرب، فرجع مَن رجع، وعقَّب من عقَّب، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسرعًا قد حَفَزَه النَّفَسُ، قد حَسَرَ عن ركبتيه، قال: «أَبْشِرُوا، هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى».
ويحتمل: أن يراد انتظار الصلاة قبلها، ويكون قوله: «ما دام في مُصلّاه الذي صلى فيه» أي: الذي صلى فيه تحية المسجد، أو سُنة الصلاة مثلًا، ويدل على أن هذا هو المراد: قوله في بعض طرقه عند مسلم: «فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلّى فيه» الحديث، ويدل عليه أيضًا حديث أنس -رضي الله عنه- في الصحيح في تأخير العِشاء إلى شطر الليل، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلَّى الناس، ورقدوا، ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها». ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 234/235).
قوله: «اللهم صلِّ عليه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «اللهم صلِّ عليه» جملةً مبيِّنة لقوله: «يصلي عليه»، وهو أفخم منْ أن لو قيل ابتداء: لا تزال الملائكة تقول: اللهم صلِّ عليه؛ للإبهام والتبيين. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 934).
قوله: «اللهم ارحمه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «اللهم ارحمه» طَلَبَتْ لهم الرحمة من عند الله بعد طلب الغفران؛ لأن صلاة الملائكة على العباد استغفار لهم. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 934).
قوله: «ولا يزال أحدكم في صلاة»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ولا يزال» غير النافي للتفنن مع كون المحدث عنه فيما تقدم أمرًا منقضيًا، وفيما هنا أمرًا آتيًا، واسمُ «يزال» مستتر يعود إلى المصلي المفهوم من السياق، والخبر قوله: «في صلاة ما انتظر الصلاة». دليل الفالحين (6/ 550).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا يزال أحدكم في صلاة» أي: حُكمًا أخرويًا يتعلق به الثواب. مرقاة المفاتيح (2/ 595).
وقال ابن حجر رحمه الله-:
قوله: «في صلاة» أي: في ثواب صلاة لا في حكمها؛ لأنه يحلُّ له الكلام وغيره مما مُنع في الصلاة. فتح الباري (2/ 142).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلت: لِمَ نَكَّرَ الصلاة أولًا؟
قلت: لأن الذي ينتظر صلاة الفجر مثلًا إنما يحصل له ثواب الصلاة في الجملة لا ثواب تلك الصلاة، ويجوز أن تكون النكرة المعرفة معناها ثواب تلك الصلاة، وذلك فضل الله. الكوثر الجاري (2/ 301-302).
قوله: «ما انتظر الصلاة»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «ما انتظر الصلاة» أي: مدَّة انتظاره إياها. دليل الفالحين (6/ 550).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما انتظر الصلاة» أي: ما دام ينتظرها؛ فإن الأعمال بالنيات، بل نية المؤمن خير من عمله. مرقاة المفاتيح (2/ 595).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستُدل به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لِمَا ذُكِرَ من صلاة الملائكة عليه، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة، وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم. فتح الباري (2/ 136).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
واستُدل بأحاديث الباب على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة؛ لأن قوله: «على صلاته» وحده يقتضي صحة صلاته منفردًا؛ لاقتضاء صيغة أَفْعَل الاشتراك في أصل التفاضل، فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه...
واستُدل بها على تساوي الجماعات في الفضل سواء كَثُرَتْ الجماعة أم قلَّت؛ لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة، كذا قال بعض المالكية، وقواه بما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهُمَا جماعة، لهم التضعيف خمسًا وعشرين. انتهى.
وهو مُسَلَّم في أصل الحصول، لكنه لا ينفي مزيد الفضل لِمَا كان أكثر، لا سيما مع وجود النصِّ المصرح به، وهو ما رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث أُبيِّ بن كعب مرفوعًا: «صلاة الرَّجُل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرَّجُلين أزكى من صلاته مع الرَّجُل، وما كَثُرَ فهو أحبُّ إلى الله»...
واستدل بها على أن أقل الجماعة إمام ومأموم. فتح الباري (2/ 136-137).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد احتج كثير من الفقهاء بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث التي فيها ذكر تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ، وقالوا: هي تدل على أن صلاة الفذِّ صحيحة مُثَاب عليها، قالوا: وليس المراد بذلك صلاة الفذِّ إذا كان له عذر في ترك الجماعة؛ لأن المعذور يُكتب له ثواب عمله كله، فعُلم أن المراد به غير المعذور.
وهذا استدلال لا يصح، وإنما استطالوا به على داود (يعني: الظاهري) وأصحابه القائلين بأن صلاة الفذ لغير عذر باطلة، فأما من قال: إنها صحيحه، وإنه آثم بترك حضور الجماعة، فإنه لا يبطل قوله بهذا، بل هو قائل بالأحاديث كلها، جامع بينها، غير رادٍّ لشيء منها.
ثم قولهم: الحديث محمول على غير المعذور، قد يمنع.
وقولهم: إن المعذور يُكتب له ما كان يعمل.
جوابه: أن كتابة ما كان يَعمل لسبب آخر، وهو عمله المتقدم الذي قطعه عنه عذره، فأما صلاة الفذِّ في نفسها فلا يزيد تضعيفها على ضعفٍ واحد من صلاة الجماعة، سواء كان معذورًا أو غير معذور، ولهذا لو كان المصلي فذًّا له عذر، ولم يكن له عادة بالصلاة في حال عدم العذر جماعة، لم يكتب له سوى صلاة واحدة.
فإن قيل: يلزم من القول بوجوب الجماعة أن تكون شرطًا للصلاة، وألا تصح بدونها، كما قلتم في واجبات الصلاة كالتسبيح في الركوع والسجود، وأنه تبطل بتركه عمدًا؛ لكونه واجبًا، ولأن القاعدة: أن ارتكاب النهي في العبادة إذا كان لمعنى مختص بها أنه يبطلها، مثل الإخلال بالطهارة والاستقبال، فكذلك الجماعة.
قيل: قد اعترف طائفة من أصحابنا بأن القياس يقتضي كون الجماعة شرطًا؛ لِمَا ذُكر، لكن الإمام أحمد أخذ بالنصوص كلها، وهي دالة على وجوب الجمع، وعلى أنها ليست شرطًا، فعُلم بذلك أنه لا يرى أن كلَّ ارتكاب نهي في العبادة يكون مُبْطِلًا لها، وسواء كان لمعنى مختص بها كالجماعة، أو لمعنى غير مختص.
ولهذا تَبطل الصلاة بكشف العورة، وهو لمعنى غير مختص بالصلاة، وفي بطلانها في المكان المغصوب والثوب المغصوب والحرير عنه روايتان، وقد يجب في العبادات ما لا تبطل بتركه، كواجبات الحج.
وما دلت عليه الأحاديث من القول بوجوب الجماعة في الصلوات المكتوبات، وأنها تصح بدونها دليل واضح على بطلان قول مَن قال: إن النهي يقتضي الفساد بكل حال، أو إن ذلك يختص بالعبادات، أو إنه يختص بما إذا كان النهي لمعنى يختص بالعبادة، فإن هذا كله غير مطَّرد، والله سبحانه وتعالى أعلم. فتح الباري (6/ 20-21).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي الحديث فوائد:
منها: الحث على الصلاة في الجماعة المشروعة لها.
ومنها: أنَّ فِعْلها في المسجد أفضل.
ومنها: تجديد الوضوء لكل صلاة، وفعل الواجب أفضل من المندوب.
ومنها: أن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، إلا أن تتعطل الصلاة أو الجماعة؛ بذهابه عنه إلى البعيد.
ومنها: إحسان الوضوء؛ بفعله على الوجه المأمور به من غير مجاوزة فيه، ولا تقصير.
ومنها: تكفير الذنوب، ورفع الدرجات.
ومنها: صلاة الملائكة على مَن ينتظر الصلاة في المسجد.
ومنها: أن صلاة الملائكة على المنتظِر هو الدعاء له بالمغفرة والرحمة.
ومنها: أن مَن تعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليًا.
ومنها: أنه ينبغي لمن خرج في طاعة صلاة أو غيرها: ألا يشركها بشيء من أمور الدنيا وغيرها، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (1/ 347-348).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفيه: جواز اتخاذ المساجد في البيوت والأسواق.
وفيه: ما استدل به بعض المالكية على أن صلاة الجماعة لا يَفْضُل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، ورد هذا بما ذكرنا عن ابن حبان، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى، وإلى مطلوبية الكثرة ذهب الشافعي وابن حبيب المالكي. عمدة القاري (4/ 260).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: أن الأبعد عن محل وضوئه أفضل لزيادة الخطوات. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 26).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
وفي حديث أبي هريرة إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات، وهو قوله: «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رُفعت له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة».
ومنها: الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به.
ومنها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وغير ذلك، والله أعلم. تطريز رياض الصالحين (ص: 620).
وقال النجمي -رحمه الله-:
(وفيه): أن صلاة الجماعة في البيت لا يتأدَّى بها المطلوب وهو إظهار الشعار الديني. تأسيس الأحكام، باختصار (1/ 90).
وقال الشيخ إسماعيل الأنصاري -رحمه الله-:
يستفاد منه:
1 - أن الصلاة في الجماعة في المسجد تضعَّف بالعدد المذكور على الصلاة في البيت والسوق جماعة وفرادى، وبيان الحكمة في ذلك.
2 - أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال بعد الإيمان؛ لأن فيها صلاة الملائكة على فاعلها، ودعاءهم له بالرحمة والمغفرة. الإلمام بشرح عمدة الأحكام (1/ 87).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
فيه: صحة صلاة الفريضة في البيت، أما الوجوب ثابت بأدلة أخرى في الجماعة. الحلل الإبريزية (1/ 157).
وللمزيد من الفائدة ينظر: