الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

عن أبي علي الهمداني، قال: خرجتُ في سفرٍ ومعنا عقبة بن عامر، قال: فقلنا له: إنك -يرحمك الله- من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأُمَّنَا، فقال: لا، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من أمَّ الناس فأصاب الوقت، ‌وأتَّم ‌الصلاة ‌فلَه ولهُم، ومَن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم».


رواه أحمد برقم: (17305) -واللفظ له-، وأبو داود برقم: (580)، وابن ماجه برقم: (983).
ولفظ ابن ماجه: «‌من ‌أمَّ ‌الناس ‌فأصاب ‌فالصلاة ‌له ‌ولهُم، ‌ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم».
صحيح الجامع برقم: (6101)، صحيح سنن أبي داود برقم: (593).


شرح الحديث


قوله: «عن أبي علي الهمداني»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «عن أبي علي الهمداني» هو ثمامة بن شُفَيّ -بالتصغير- الأحروجي ويقال: الأصبحي...، وثَّقَه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. المنهل العذب المورود (4/ 294).

قوله: «قال: خرجت في سفر ومعنا عقبة بن عامر، فقلنا له: إنك -يرحمك الله- من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأُمَّنَا، فقال: لا»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
لعل عقبة حمل الحديث على عمومه، فتأخَّر عن الصلاة بهم، لكن الحديث محمول على الأمراء، كما يدل عليه... ما في رواية النسائي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا: «لعلكم تدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت، ثم صلوا معهم، واجعلوها سُبْحَة (أي نافلة)» اهـ؛ لأنهم لو تأخروا عنهم يتسلط عليهم أذاهم. المنهل العذب المورود (4/ 294).

قوله: «إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من أمَّ الناس فأصاب الوقت»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من أمَّ الناس» أي: من صار إمامًا للناس في الصلاة، «فأصاب» أي: ففعل الصواب فيها، بأدائها بشروطها وفرائضها وآدابها. مرشد ذوي الحجا (6/ 305).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فأصاب الوقت» أي: وقعت الصلاة بهم في الوقت. فيض القدير (6/ 87).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فأصاب الوقت» المفروض من الخمسة الأوقات. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 146).
وقال السندي -رحمه الله-:
الظاهر أن المراد: الوقت المستحب، والمعنى: أن الإمام إذا لم يراعِ الوقت المستحبَّ فالنقص على الإمام لا على المقتدي به، لا أن الإمام إذا صلى في غير وقت الصلاة فلا إعادة على المقتدين به، والله تعالى أعلم. فتح الودود (1/ 376).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ليس المقصود بذلك الوقت فقط، وإنما كل ما يتعلق بما هو مطلوب في الصلاة، فإن وُجد منه إحسان فالإحسان له ولهم، وإن وُجد منه نقص وخلل سواء يتعلق بالوقت أو بغيره فعليه ولا عليهم. شرح سنن أبي داود (79/ 17).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ظاهر الحديث قَصْرُ الإصابة والنقص على الوقت، لكن في رواية لأحمد ما يدل على ما هو أعم، وفيها: «فإن صلَّوا لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم» وروى ابن ماجه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «الإمام ضامن فإذا أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه -يعنيولا عليهم-»، وروى أحمد حديث عقبة بن عامر عن أبي علي قال: سافرنا مع عقبة بن عامر الجهني فحضَرَتْنَا الصلاة، فأردنا أن يتقدمنا فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من أمَّ قومًا فإن أتمَّ فله التمام ولهم التمام، وإن لم يُتِمَّ فلهم التمام وعليه الإثم» ورواه ابن ماجه بلفظ: «مَن أمَّ الناس فأصاب فالصلاة له ولهم»، فهذا كله يدل على أن الإصابة ليست قاصرة على إصابة الوقت، بل تَعُمُّه وغيره من أركان الصلاة. المنهل العذب المورود (4/ 293).

قوله: «‌وأتم ‌الصلاة»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«وأتم الصلاة» بأن أتى بشروطها وأركانها ومندوباتها. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 276).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأتم الصلاة» أتى بها تامة على أحسن وجوهها. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 146).

قوله: «‌فله ولهم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فله ولهم» أي: فله ثوابها، ولهم ثوابها. فيض القدير (6/ 87).
وقال العيني -رحمه الله-:
يعني: له ثواب إصابته، ولكم ثواب الطاعة والسمع. شرح أبي داود (3/ 76).

قوله: «ومن انتقص من ذلك شيئًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ومَن انتقص من ذلك شيئًا» يعني: فرضًا من فروض الصلاة. شرح أبي داود (3/ 76).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ومَن انتقص من ذلك شيئًا» بأن كان في صلاته خَلَلٌ ككونه جُنبًا أو مُحْدِثًا أو ذا نجاسة خفيفة، أو أَخَلَّ ببعض الأركان الحقيقية «فعليه ولا عليهم». فيض القدير (6/ 87).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ومن انتقص من ذلك شيئًا» بأنْ وقع في صلاته خَلَلٌ، ولم يعلم به المأمومون. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 276).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومن انتقص من ذلك شيئًا» من الوقت، أو أي الأمور التي بها تتم الصلاة. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 146).

قوله: «فعليه ولا عليهم»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
قال العلقمي: يحتمل أن يكون فيه حذفٌ تقديره: ولهم الثواب لا عليهم الإثم. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 276).
قال المناوي -رحمه الله-:
«فعليه ولا عليهم» أي: فعليه الوِزْر ولهم الثواب، لا عليهم الإثم؛ إذ لا تقصير منهم، وهو المجازِف. فيض القدير (6/ 87).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ولا عليهم» أي: ليس الوزر على الجماعة؛ لأنهم لم ينتقصوا من الصلاة باختيارهم، وفي تركهم الصلاة معه إثارة الفتنة. بذل المجهود (3/ 447).
وقال العيني -رحمه الله-:
هذا إذا لم يَعلم القوم أن الإمام ضيع فرضًا من الفروض، أما إذا علموا يفسد صلاة من يَعلم، وعليه أن يعيدها، إذا علم حال الإمام من الأول لا يجوز اتباعه إلا أن يخاف منه، فيصلي معه بعد أن يصلي في بيته أو يصلي ثم يعيد. شرح أبي داود (3/ 76).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«فعليه ولا عليهم»، يعني: أنَّ الخللَ والنقصَ يكون عليه، وليس عليهم من النقص شيء، ولكن إن حصل إحسانٌ فهو له ولهم.
ومثلُ ذلك ما جاء في الأحاديث في الأمراء: «يُصلُّون لكم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم».
وكذلك الأثر الذي جاء عن عثمان -رضي الله عنه-، فقد ذكر البخاري في صحيحه:
«أنَّه -رضي الله عنه- لمّا حُوصِر في داره، وصار يُصلّي بالناس واحدٌ من أولئك الذين خرجوا عليه، جاءه رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين! إنك إمامُ عامّة، وهذا الذي يُصلّي بالناس إمامُ فتنة، فماذا تأمرنا؟
فقال: الصلاةُ من خير ما يفعل الناس، فإن أحسنوا فأحسِنْ معهم، وإن أساؤوا فاجتنب إساءتهم»
. شرح سنن أبي داود(79/ 17).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: ترغيب للأئمة أن يصلوا الصلاة بالناس لوقتها، فلا يؤخروها عن وقتها. بذل المجهود (3/ 447).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهذا من أدلة عدم شرطية عدالة الإِمام...
وفيه: أنه لو فاتهم الوقت بانتظاره لما أمر وكان هو الآثم إلا أنه قد ثبت حديث: «صلوا الصلاة لوقتها وتكون صلاتكم مع القوم نافلة» في الإخبار عن أَمْنِ الجَوْرِ، فيخص هنا إصابة الوقت بأنهم يأثمون جميعًا إنْ أَخَّرُوا. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 146-147).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل الحديث على أنه يُطلب من الإمام أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها، وعلى أنه إذا فعل ذلك كان الثواب له وللمأمومين، وعلى أنه إذا فرط في شيء فالإثم عليه دونهم. المنهل العذب المورود (4/ 293).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
استدلَّ به بعضهم على صحة الائتمام بمن يُخِلُّ بشيء من الصلاة، ركنًا كان أو غيره، إذا أتمَّ المأموم، وصلى الإمام بعد دخول الوقت، وقبل خروجه؛ لأنه لم يشترط في إصابة الإمام إلا الوقت. شرح سنن أبي داود (3/ 623).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام ؟

ما معنى حديث: الإمام ضامن ؟


إبلاغ عن خطأ