«لا يُؤْمِنُ عبدٌ حتَّى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، حتَّى يَعْلَمَ أنَّ ما أَصَابَهُ لم يكنْ لِيُخْطِئَهُ، وأنَّ ما أَخْطَأَهُ لم يكنْ لِيُصِيبَهُ».
رواه الترمذي برقم: (2144)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-. وروى الجزء الأول منه أحمد برقم: (6985)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
ورواه أحمد برقم: (27490) من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- بلفظ: «لكُلِّ شيءٍ حقيقةٌ، وما بَلَغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يعلمَ أنَّ ما أصابَهُ لم يكنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أَخْطَأَهُ لم يَكُنْ لِيُصِيبَهُ».
حديث جابر في: صحيح الجامع برقم: (7585)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2439). وحديث أبي الدرداء في: صحيح الجامع برقم: (2150) والسلسلة الصحيحة برقم: (2471)، وحديث عبد الله بن عمرو في: سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2439).
غريب الحديث
«بالقَدَرِ»:
القَدَرُ: بالفتح لا غير: القضاء الذي يُقدِّره الله تعالى، وإذا وافق الشيءُ الشيءَ قيل: جاء على قدَرٍ بالفتح (فـ)حسْب. المصباح المنير (2/ 492).
شرح الحديث
قوله: «لا يُؤْمِنُ عبدٌ حتَّى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ»:
قال كمال عز الدين السيد -حفظه الله-:
نفي الإيمان في أول (هذا) الحديث على حقيقته، فمَن لم يُؤمِن بالقَدَر لا إيمان له، وإنْ صام وصلى، ولا ينبغي تقدير المصدر الموصوف بالكمال: لا يؤمن عبد إيمانًا كاملًا؛ لأنَّ ذلك لو أُريد لنصَّ عليه، فالمقام للبيان بالذكر، وتنكير المسند إليه «عبدٌ» لإفادة العموم في سياق النفي.
(و) أما اختصاص لفظ «عبد» دون إنسان أو رَجل أو امرأة، فإنَّه غاية التوفيق، وغرابة الاختيار؛ لأنَّه براعة مَطْلَعٍ تُشعِر بسلب المرء حريَّتَه أمام المالك الحكيم {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} القصص: 68، وأي موقف يظهر العبودية العاجزة، والقهر المطلق غير موقف القَدَر؟! الحديث النبوي من الوجهة البلاغية (ص: 288).
وقال الآجري -رحمه الله-:
لا يصح لعبد الإيمان حتى يؤمن بالقَدر خيرهِ وشرِّه. الشريعة (1/ 426).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
الإيمان بالقَدر المقدور المقدَّر مِن قِبَلِ الله -جل وعلا- المقضي منه -سبحانه وتعالى- لا يصح الإيمان إلا به. شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (4/ 7).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الإيمان بالقَدَر أحد أركان الإيمان، فلن يتم الإيمان حتى يؤمن العبد بالقدر خيره وشره، ولا يتم الإيمان بالقدر حتى يؤمن الإنسان بأربعة أمور:
الأول: علم الله المحيط بكل شيء؛ فإنه سبحانه بكل شيء عليم، عليم بالأمور كلها دقيقها وجليلها، سرها وعلنها، فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء.
الأمر الثاني: أنَّ الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة من قبل أنْ يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة...
الأمر الثالث: أنْ تؤمن بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وأنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فمشيئة الله وقُدرته فوق كل قُدرة...
الأمر الرابع: أنْ تؤمن بأنَّ الله خالقُ كل شيء، ومدبر كل شيء، وأن ما في السماوات والأرض من صغير ولا كبير ولا حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله وخلقه، فمِن الأشياء ما يخلقه الله بغير سبب معلوم لنا، ومنها ما يكون سببه معلومًا لنا، والكل مِن خَلْقِ الله وإيجاده. مجموع الفتاوى(6/ 218-220).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
لدينا ثلاث مقامات:
الأول: الإيمان والجزم بمراتبه (أي: القدر) الأربع.
الثاني: إنكار ذلك.
وهذان واضحان؛ لأنَّ الأول إيمان، والثاني كفر.
الثالث: الشك والتردد، فهذا يلحق بالكفر. مجموع فتاوى ورسائل (10/ 1013).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
الإيمانُ بالقَدَرِ على درجتين:
إحداهما: الإيمان بأنَّ الله تعالى سبقَ في علمه ما يَعمَلُهُ العبادُ من خَيرٍ وشرٍّ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، قبلَ خلقهِم وإيجادهم، ومَنْ هُو منهم مِنْ أهلِ الجنَّةِ، ومِنْ أهلِ النَّارِ، وأعدَّ لهُم الثَّوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقِهم وتكوينهم، وأنَّه كتبَ ذلك عندَه وأحصاهُ، وأنَّ أعمالَ العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
والدرجةُ الثانية: أنَّ الله تعالى خلقَ أفعالَ عبادِهِ كلَّها مِنَ الكُفر والإيمانِ والطاعةِ والعصيانِ، وشاءها منهم، فهذه الدَّرجةُ يُثبِتُها أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، ويُنكرها القدريةُ، والدرجةُ الأولى أثبتها كثيرٌ مِنَ القدريَّةِ، ونفاها غُلاتُهم، كمعبدٍ الجُهنيِّ الذي سُئِل ابنُ عمرَ عنْ مقالتِهِ، وكعمرو بن عُبيدٍ وغيره. جامع العلوم والحكم (4/ 14-15).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «حتى يؤمن بالقَدر خيرهِ وشرهِ» أي: بأنَّ جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها، حلوها ومرها، بقضائه وقدرهِ، وإرادته وأمره، وأنَّه ليس فيها لهم إلا مجرد الكَسب، ومباشرة الفعل. تحفة الأحوذي (6/ 297).
قوله: «حتَّى يَعْلَمَ أنَّ ما أَصابَهُ لم يكنْ لِيُخطِئَهُ»:
قال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
«حتى يعلم أنَّ ما أصابه» من النّعمة والبلية، والطاعة والمعصية، مما قدَّره الله له، وعليه «لم يكن ليخطئه» أي: يجاوزه. تحفة الأحوذي (6/ 297).
قوله: «وأنَّ ما أَخْطَأَهُ لم يكنْ لِيُصِيبَهُ»:
قال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
«وأنَّ ما أخطأه» من الخير والشر «لم يكن ليصيبه» وهذا وُضِعَ موْضِع المحال، كأنَّه قيل: محالٌ أنْ يخطئه، وفيه ثلاث مبالغات: دخول "أنَّ"، ولحوق اللام المؤكدة للنفي، وتسليط النفي على الكينونة، وسرايته في الخبر، وهو مضمون قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} التوبة: 51. تحفة الأحوذي (6/ 297).
وقال الشيخ ابن جبرين -رحمه الله-:
أي: أنَّ ما تَكْره من الأمور المقدرة فإنَّها عن حِكْمَةٍ حصلت، وأنَّ الذي قدَّرها حكيم، يفعل ما يشاء قضاءً وقدرًا، وحكمةً وشرعًا، لا محيد لأحد عن القضاء المحتوم الذي قدَّره، وهذا كله لا ينافي العمل، ولا ينافي فعل الأسباب. الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد (ص: 138).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فإنَّ العبد إذا عَلِمَ أنَّه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشرٍّ، ونفعٍ وضرٍّ، وأنَّ اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد ألبتة، عُلم حينئذٍ أنَّ الله وحده هو الضَّارُّ النَّافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربِّه -عز وجل-، وإفرادَه بالطاعة، وحفظَ حدوده، فإنَّ المعبود إنَّما يَقصد بعبادته جلبَ المنافع، ودفع المضار. جامع العلوم والحكم (2/ 577).
قوله في حديث أبي الدرداء: «لكُلِّ شيءٍ حقيقةٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ لكل شيء حقيقةٌ» أي: كُنْهًا وماهية. التيسير (1/ 340).
قوله: «وما بَلَغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وما بلغ عبد حقيقة الإيمان» (أي): الكامل (كذا قال، وقد سبق بيان أنَّ عدم الإيمان بالقَدَر ينتفي معه أصل الإيمان). التيسير (1/ 340).
قوله: «حتَّى يعلمَ أنَّ ما أصابَهُ لم يكنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أَخْطَأَهُ لم يَكُنْ لِيُصِيبَهُ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«حتى» الأولى غاية «يُؤمِن» الأولى، و«حتى» الثانية إما بدل من «حتى» الأولى، وهو الظاهر، وإما غاية «يؤمن» الثانية. عقود الزبرجد (1/ 276).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يعلمَ أنَّ ما أصابه» من خير أو شر «لم يكن ليخطئه»؛ لأنَّ ما قدَّره الله لا بد أنْ يصل إليه، «وما أخطأه لم يكن ليصيبه» الحديث مشتق من الآية {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} الحديد: 22. التنوير (4/ 86-87).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حتى يعلمَ» عِلْمًا جازمًا «أنَّ ما أصابه» من المقادير، أي: وصل إليه منها «لم يكن ليخطئه»؛ لأنَّ ما قُدِّر عليه في الأزل لا بد أنْ يصيبه، ولا يصيب غيره، «وما أخطأه لم يكن ليصيبه» وإنْ تعرَّض له؛ لأنَّه بان أنه ليس مقدورًا عليه، والمراد: أنَّ مَن تلبَّس بكمال الإيمان عُلِمَ أنَّه قد فرغ مما أصابه وأخطأه من خير وشر. التيسير (1/ 340-341).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
فيه: حثٌّ على التوكل والرضا، ونفي الحول والقوة، وملازمة القناعة والصبر على المصائب. تحفة الأحوذي (6/ 297).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
الرضا بالقضاء والقدر سبيلُ طمأنينة المؤمن.