«مَن أعانَ على خصومةٍ بظُلمٍ، أو يُعينُ على ظُلمٍ، لم يزلْ في سَخَطِ اللهِ حتى يَنزِعَ».
رواه أبو داود برقم: (3598) وابن ماجه برقم: (2320) واللفظ له، والحاكم برقم: (7051)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ولفظ أبي داود: «فقد بَاءَ بغضبٍ مِن اللَّهِ -عزَّ وجلَّ-».
صحيح الجامع برقم: (6049)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1021).
غريب الحديث
«خُصُومَة»:
الخصومة: لَجَاجٌ في الكلام؛ ليُسْتَوْفَى به مال، أو حقٌّ مقصود؛ وذلك تارة يكون ابتداءً، وتارة يكون اعتراضًا، والْمِرَاء: لا يكون إلا باعتراضٍ على كلام سبق. إحياء علوم الدين، للغزالي (3/ 118).
«يَنزِعَ»:
أي: يَتْرُكُ وينتهي عن مخاصمته، يُقال: نَزَعَ عن الأمر نزوعًا إذا انتهى عنه. مرقاة المفاتيح، للقاري (6/ 2367).
شرح الحديث
قوله: «مَن أعانَ على خصومةٍ بظُلمٍ، أو يُعينُ على ظُلمٍ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«مَن أعان» مخاصِمًا «على خصومة» خاصَمها، يدخل في عمومها الخصومة في حق، والخصومة في باطل، لكن الإثم في الباطل أكثر من الإعانة في الحق، والإثم في الحق لا لكونه حقًّا؛ بل لكونه أعان في الحق بغير حق، كما سيأتي، ومن الإعانة بغير حق: ما رواه الطبراني في الكبير عن أوس بن شرحبيل أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَن مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام» (ضعيف جدًّا كما في الضعيفة)، «بظلم» أي: بغير حق، كما بينه في رواية الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ولفظه: «مَن أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع»، وروى الطبراني من رواية رجاء بن صبيح السقطي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن حَالَتْ شفاعتُه دون حدٍّ مِن حُدود الله فقد ضادَّ الله في مُلكه، ومَن أعان على خصومة لا يَعلم أحقٌّ أو باطل فهو في سخط حتى ينزع، ومَن مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فقد باء بغضب من الله» أي: لزِمه غضب الله. شرح سنن أبي داود (14/ 666- 667).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مَن أعان على خُصومة بظلم» لفظ رواية الحاكم: «بغير حق». فيض القدير (6/ 72).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن أعان على خصومة بظلم» أي: واقعة بسبب ظلم، أو حال كونها على ظلم. التنوير (10/ 118).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن أعان على خصومة بظلم» بأن لقَّن مُدَّعِيها كيفية الدعوى، أو كان شاهدًا أو كاتبًا له وثيقة الدعوى، أو كان واسطة له عند القاضي، «أو» قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو الراوي عنه: مَن «يعين» الظالم «على ظلمـه» -بالشك من الراوي، أو ممن دونه- كأن يُعِيْنَ الغاصبَ أو السارق مثلًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (13/ 371).
قوله: «لم يزلْ في سَخَطِ اللهِ حتى يَنزِعَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«لم يزل في سَخط الله» أي: غضبه الشديد «حتى ينزع» أي: يُقْلِع عما هو عليه من الإعانة، وهذا وعيد شديد يفيد أنَّ ذَا كبيرة؛ ولذلك عدَّه الذهبي من الكبائر. فيض القدير (6/ 72).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لم يزل في سخط الله» غَضَبِه؛ لما أتاه من إعانة الظلم، «حتى ينزع» يُقلع عما هو عليه من الإعانة...، ويدخل فيه: شاهد الزور وغيره من الراشي على باطل. التنوير (10/ 119).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «لم يزل في سخط الله» هذا ذَمٌ شديدٌ له شرطان:
أحدهما: أن تكون المخاصمة في باطل.
والثاني: أن يعلم أنه باطل، فإن اختلّ أحد الشرطين فلا وعيد، وإن كان الأَولى ترك المخاصمة ما وجد إليه سبيلًا...
وأما ما ورد في الحديث الصحيح بلفظ: «انصر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا» فقد ورد تفسيره في آخر الحديث أنَّ نَصْرَ الظالم كفُّه عن الظلم. نيل الأوطار (8/ 312).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لم يزل في سخط الله تعالى حتى ينزع» أي: حتى ينتهي عن مخاصمته، يقال: نَزَعَ عن الأمر نُزوعًا: إذا انتهى عنه. شرح المصابيح (4/ 216).
وقال السندي -رحمه الله-:
«حتى ينزِع» أي: يترك ذلك بالتوبة. كفاية الحاجة (2/ 52).
قوله: «فقد باءَ بغضبٍ من الله -عزَّ وجلَّ-»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقد باء بغضبٍ من الله» أي: لَزِمَهُ غضب الله. شرح سنن أبي داود (14/ 667).
وقال السندي -رحمه الله-:
«باء» أي: صار ملْتَبِسًا بغضبٍ عظيم من الله العظيم. فتح الودود (3/ 638).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فقد باء بغضب من الله» أي: انقلب ورجع بغضب لازمٍ له. نيل الأوطار (8/ 312).
وقال الشوكاني -رحمه الله-أيضًا:
وفي الحديث: دليل على أنه ينبغي للحاكم إذا رأى مخاصِمًا أو مُعِيْنًا على خصومة بتلك الصفة أن يزجره ويردعه؛ لينتهي عن غَيِّهِ. نيل الأوطار (8/ 312).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فيه: وعيد لمن أعان على خصومةٍ بظلم، يعني: أنه ساعد الخصم الظالم، كأنْ ينوب عنه، أو يشهد له شهادة زُور، أو غير ذلك من الأشياء التي فيها إعانة للظالم في الخصومة؛ من أجل الوصول إلى شيء لا يستحقه، فإنَّ مَن فعل ذلك فإنه يبوء بغضب من الله. شرح سنن أبي داود (408/ 8).