«إنَّما الناسُ كالإِبِلِ المائةِ، لا تكادُ تجدُ فيها راحلةً».
رواه البخاري برقم: (6498) واللفظ له، ومسلم برقم: (2547)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ولفظ مسلم: «تجدون النَّاس كإبلٍ مائةٍ لا يجد الرَّجل فيها راحلةً».
غريب الحديث
«راحلة»:
الرَّاحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذَّكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركَبِهِ ورَحْلِهِ على النجابة وتمام الخَلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عُرفت. النهاية، لابن الأثير (2/ 209).
شرح الحديث
قوله: «إنما الناسُ كالإبلِ المائةِ» أو «كإبلِ مائةٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنما الناس» أي: في اختلاف حالاتهم وتغير صفاتهم «كالإبل المائة». مرقاة المفاتيح (8/ 3360).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» يعني: أن المرضي المنتجَب من الناس في عِزَّةِ وجوده كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل. النهاية (1/ 15).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كإبلٍ مائةٍ» بالتنوين فيهما على أنهما موصوف وصفة، أي: كإبلٍ معدودةٍ بالمائة، والمعنى: كمائة إبل، وورد في رواية البخاري: «كالإبل المائة» معرّفًا باللام، وهو الأوفق للاستعمال، واللام فيه للجنس. الكوكب الوهاج (24/ 255).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«كالإبل المائة»: قال ابن مالك: فيه النَّعت بالعدد، وقد حكى سيبويه عن بعض العرب: أخذوا من بني فلانٍ إبلًا مائةً. مصابيح الجامع (9/ 445).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
والإبل في تعارفهم اسم لمائة بعير، فمائة إبل هي عشرة آلاف. الذريعة (ص: 81).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
والذي يظهر -على تسليم قوله- لا يلزم ما قال: إن المراد عشرة آلاف، بل المائة الثانية للتأكيد. فتح الباري (11/ 335).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
الإبل المائة: هي الرّاعية، وإنما يجتمع منها في المرعى الواحد مائة، فتقام المائة مقام القطيع، يقال: لفلان إبل مائة، وهي أيضًا هُنَيْدَة (اسم للمائة من الإبل خاصة)، وإذا كان الإبل مائة ليست فيها راحلة تشابهت في المناظر؛ لأن الراحلة تتميز منها بالتمام وحسن المنظر. تأويل مشكل القرآن (ص: 303).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كإبل» أي: كمائة بعير، ولما كان مجرد لفظ «إبل» ليس مشهور الاستعمال في المائة ذكر المائة توضيحًا ورفعًا للإلباس. فتح الباري (11/ 335).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «إنما الناس كإبلٍ مائةٍ» على التوصيف بتنوين اللفظين معًا، والمراد الكمال في أي صفة أخذت، فالمسلمون في جنب الكفار كذلك، والعلماء في الجهلاء، والمقبولون في العوام كذلك إلى غير ذلك من الخلال الحسنة. الكوكب الدري (3/ 462).
قوله: «لا تَكَادُ تجدُ فيها راحلةً»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا تَكَاد» أي: لا تقرب أيها المخاطب، خطابًا عامًّا «تجد فيها» أي: في مائة من الإبل «راحلة» أي: ناقة شابة قوية مرتاضة تصلح للركوب. مرقاة المفاتيح (8/ 3360).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «لا يجد الرجل» الذي يريد الركوب «فيها» أي: في تلك المائة «راحلة» تصلح للركوب. الكوكب الوهاج (24/ 255).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والراحلة: اسم يقع على الجمل النَّجيب وعلى الناقة المختارة، والهاء للمبالغة، كما يقال: رجل داهية، وراوية، ويقال: جمل رحيل أي: قوي على السير، وقيل: سميت راحلة لأنها ترحل، أي: تُسْتَعْمَل في الرحيل والسير، وإنما هي مَرْحُولة، كقوله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} الحاقة: 21 أي: مرضية. كشف المشكل (2/ 487).
وقال النووي -رحمه الله-:
سُميت راحلة؛ لأنها تُرْحَل أي: يُجعل عليها الرَّحْل فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشة راضية أي: مَرْضِيَّة. المنهاج شرح صحيح مسلم(16/ 101).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«لا تَكَاد تجد فيها راحلة» هي المختارة القوية على الحمل والأسفار، يريد: أن الخير في الناس الذي تُرضى حاله وطريقته قليل. مصابيح الجامع (9/ 445).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقوله: «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» يريد -صلى الله عليه وسلم- أن الناس كثير والمَرْضِي منهم قليل، كما أن المائة من الإبل لا تكاد تُصَاب فيها الراحلة الواحدة، وهذا الحديث إنما يراد به القرون المذمومة في آخر الزمان، ولذلك ذكره البخاري في رفع الأمانة، ولم يُرِدْ به -صلى الله عليه وسلم- زمن أصحابه وتابعيهم؛ لأنه قد شهِد لهم بالفضل فقال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء بعدهم قوم يخونون ولا يُؤْتَمَنُون، ويَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهَدون، ويَنْذرون ولا يُوفون...» الحديث، فهؤلاء أراد بقوله: «الناس كإبل مائة» والله الموفق. شرح صحيح البخاري (10/ 207).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» في رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري: «تجدون الناس كإبلٍ مائةٍ لا يجد الرجل فيها راحلة»، فعلى أن الرواية بغير ألف ولام وبغير «تكاد» فالمعنى: لا تجد في مائة إبلٍ راحلةً تصلح للركوب؛ لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئًا سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس مَن يَصلح للصحبة؛ بأن يُعَاون رفِيْقَه ويلين جانبه، والرواية بإثبات «لا تكاد» أولى؛ لما فيها من زيادة المعنى ومطابقة الواقع، وإن كان معنى الأول يرجع إلى ذلك، ويحمل النفي المطلق على المبالغة، وعلى أن النادر لا حكم له. فتح الباري (11/ 335).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا يُتأوَّل على وجهين:
أحدهما: أن الناس في أحكام الدِّين سواء، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع منهم على وضيع، كالإبل المائة لا تكون فيها راحلة، وهي الذَّلُول التي تُرْحَلُ وتُركَبُ، جاءت فاعلة بمعنى مفعولة، أي: مَرْحُولة، يريد أنها كلها حمولة تصلح للحمل ولا تصلح للركوب والسير، والعرب تقول للمائة من الإبل: إبل، ويقال: لفلان إبل، أي: مائة من الإبل، وإبلان إذا كانت له مائتان.
والوجه الآخر: يقول: إن أكثر الناس أهل نقص وجهل، فلا تستكثر من صحبتهم، ولا تؤاخِ منهم إلا أهل الفضل وعددهم قليل بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة، ودليل ذلك: قوله -عز وجل-: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الأعراف: 187، وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} الأنعام: 111. أعلام الحديث(3/ 2255- 2256).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ويقع لي أن الذي يُنَاسِب التمثيل بالراحلة إنما هو الرَّجُل الكريم الجواد، الذي يتحمل كل الناس وأثقالهم؛ بما يتكلفه من القيام بحقوقهم، والغرامات عنهم، وكشف كُرَبِهِم، فهذا هو القليل الوجود، بل: قد يصدق عليه اسم المفقود، وهذا أشبه القولين، والله تعالى أعلم. المفهم (6/ 507).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والمراد من الحديث: أن المختار من الناس قليل، كما أن المختار من الإبل للرحلة عليه وتحميله للأثقال قليل، وفي هذا المعنى قول المتنبي:
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ *** وإن كثرت في عينِ مَن لم يجربِ. كشف المشكل (2/ 487).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
والمعنى: أَنك لا تكاد تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، فإنما يصلح للركوب ما كان وطئًا سهل القياد، وكذلك لا تجد في مائةٍ من الناس مَن يصلح للصحبة فيُعَاوُن صاحبه، ويَدْمُث (يسهل) له جانبه. الميسر (3/ 1123).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-
قد اختُلف في معنى الحديث، والصواب: أن معناه: أن المستقيم في دينه وخُلقه قليل في الناس، كما أن الراحلة قليلة في الإبل، فما كُلُّ بعير يصلح أن يكون راحلة، بل لا بد أن يُروَّض ويُعَوَّد على حمل الأثقال، وعلى الأسفار. توفيق الرب المنعم(7/ 271).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أن الناس قد يكون منهم الجمّ الغفير، فلا يوجد فيهم مَن يضْطَلِعُ (من الضلاعة وهي القُوة) بحمل أثقالهم كما تحمل الراحلة في الإبل المائة، فإنها تحمل الذَّنُوب والحَبْلَ والْمَحَالَة (وهي البَكْرَة العظيمة التي تَستقي بها الإبل) وغير ذلك مما تَرِدُ الإبل به. الإفصاح (4/ 42- 43).
الإيمان والاستقامة سبيل النجاة.