الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«ما تقولون في الزِّنا؟ قالوا: حرَّمَه الله ورسوله؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: لأَنْ يزني الرَّجلُ بعشْر نِسوة، أيسَرُ عليه مِن أن يزنيَ بامرأة جاره، قال: فقال: ما تقولون في السَّرِقة؟ قالوا: حرَّمها الله ورسوله؛ فهي حرام، قال: لَأَن يَسْرِق الرَّجُل من عشْرة أبيات، أيسَرُ عليه من أن يَسرق من جاره».


رواه أحمد برقم: (23854) والطبراني في الكبير برقم: (605) والبخاري في الأدب المفرد برقم: (103) والبزار برقم: (2115) من حديث المقداد بن الأسود -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5043)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2404).


شرح الحديث


قوله: «ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرَّمَه الله ورسوله؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: لَأَنْ يزني الرَّجُلُ بعشْر نسوة، أيسَرُ عليه مِن أن يزنيَ بامرأة جاره»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«لأن ‌يزني ‌الرَّجل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره» أي: أيسر عقوبة مِن زِنَاهُ فيها. السراج المنير (4/ 119).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لأنْ يَزْنِي الرَّجُل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره» وذلك لعِظَم حق الجار، فإفساد أهله أعظم عند الله، ومثله ابنته وأخته وكل ذي رحم له، فإنَّ زنية واحدةً بها كإثم عشر زنيات بغيرها. التنوير (9/21، 22).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الجار» هو المجاوِر في الْمَسْكَن. ذخيرة العقبى (31/ 305).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الزنا بحليلة الجار أعظم إثمًا من الزنا ببعيدة الدار؛ لِمَا اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظِ وصية الله تعالى ورسوله به.
وكذلك الزنا بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثمًا عند الله من الزنا بغيرها؛ ولهذا يقام له يوم القيامة، ويقال له: «خذ من حسناته ما شئتَ»، وكما تختلف درجاته بحسب الْمَزْنِي بها، فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل، فالزنا في رمضان ليلًا أو نهارًا أعظم إثمًا منه في غيره، وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثمًا منه فيما سواها.
وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من الحُرِّ أقبح منه من العبد؛ ولهذا كان حَدُّه على النصف مِن حَدِّه، ومن المحصن أقبح منه من البِكر، ومن الشيخ أقبح منه من الشاب؛ ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: «الشيخ الزاني»، ومِن العالِم أقبح منه من الجاهل؛ لعلمه بقبحه، وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة، ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز. إغاثة اللهفان (2/ 148).
وقال الذهبي -رحمه الله-:
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم عند الله تعالى؟ قال: «أنْ تجعل لله ندًّا وهو خلقك» فقلتُ: إنَّ ذلك لعظيم، ثم أيُّ؟ قال: «أنْ تقتل ولدك؛ خشيةَ أن يَطْعَمَ معك» قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: «أنْ تزني بِحَلِيْلَةِ جارك» يعني: زوجة جارك، فأنزل الله -عز وجل- تصديق ذلك: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ} الفرقان: 68-70، فانظر -رحمك الله- كيف قَرَنَ الزنا بزوجة الجار بالشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله -عز وجل- إلا بالحق، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. الكبائر (ص: 51).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
إنما كان الزنا بامرأة الجار أشد وأفظع من الزنا بغيرها؛ لأن الله تعالى جعل للجوار حقًّا، وأمر الجار بالإحسان إلى الجار، فمن زنى بامرأة جاره، فقد افْتَاتَ (اعتدى) على حقه، وأساء إليه بدل الإحسان؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قالها بالتكرار ثلاثًا؛ للتأكيد، أي: لا يؤمن إيمانًا كاملًا، أو هو في حق المستحِل، «قيل: ومَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يَأْمَنُ جارُه بوائقَه» جمع بائقة، وهي: الغائلة، أي: لا يأمن جاره غوائله وشرَّه، ولا شيء أقبح ولا أفظع من هتك العِرض، ويقال: مثل ذلك في السارق من جاره؛ لأنه افتيات على حقه، وإيذاء له. الفتح الرباني (16/ 71).
وقال الشيخ محمد علي الدرة -رحمه الله-:
«‌لأنْ ‌يزني ‌الرّجل بعشرِ نسوةٍ أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره»...، وهذا النكير يشمل الذكر والأنثى على السواء، كما أنَّ الترغيب في العفة والجزاء الحسن يشملهما. تفسير القرآن الكريم (5/ 332).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
كل المعاصي قبيحة، وبعضها أقبح من بعض، فإن الزنا مِن أقبح الذنوب، فإنه يُفسد الفَرْشَ، ويغيِّر الأنساب، وهو بالجارة أقبح، فقد روي في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ ذنب أعظم؟ قال: «أنْ تجعل لله ندًّا وهو خلقك»، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: «أنْ تقتل ولدك؛ من أجل أن يَطعم معك»، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: «أن تزاني حَلِيْلَةَ جارك»، وقد روى البخاري في تاريخه من حديث المقداد بن الأسود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لأنْ يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره؛ ولأن يسرق من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره»؛ وإنَّما كان هذا لأنه يضم إلى معصية الله -عز وجل- انتهاك حق الجار. صيد الخاطر (ص: 293).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
الزِّنا كبيرة، فإنْ كان بحليلة الجار أو بذاتِ رَحم أو لا بواحدة من هاتين، لكن يأتيه في شهر رمضان، أو في البلد المحرم، فهو فاحشة. المنهاج في شعب الإيمان(1/ 397).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- متعقبًا:
ورده الأذرعي بأنَّ الزنا فاحشة مطلقًا، كما أفاده قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} الإسراء: 32، فقصْرُه تسميته فاحشة على الزنا بحليلة الجار وما ذكره معه ممنوع. الزواجر(2/ 224).

قوله: «فقال: ما تقولون في السَّرِقة؟ قالوا: حرَّمها الله ورسوله؛ فهي حرام، قال: لَأَنْ يسرق الرجل من عشْرة أبيات، أيسَرُ عليه من أن يسرق من جاره»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«ولأنْ يسرق من عَشرة أَبيات أيْسر له» عقوبة «من أن يسرق من بيت جارِه»؛ إذ مِن حق الجار على الجار ألا يخونه.
ومقصود الحديث: التحذير من أذى الجار بفعل أو قول. السراج المنير (4/ 119).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولأنْ يسرق الرجل من عشرة أبيات» عشر سرقات «أيسر له» في العذاب والإثم «من أن يسرق من بيت جاره»؛ لعظم حق الجار. التنوير (9/ 22).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فأما أَذى الجار فمحرَّم؛ لأن الأذى بغير حقٍّ محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريمًا. البحر المحيط الثجاج (2/ 176).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه: تحذير عظيم من أذى الجار بفعل أو قول. التيسير (2/ 288).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

وصية جبريل بالجار.

- محبة الجار من دلائل الإيمان الصادق.


إبلاغ عن خطأ