«المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِصْ على مَا ينفعُكَ، واستعِن باللهِ، ولا تَعجزْ، وإن أصَابكَ شيءٌ فلا تقُل: لو أنِّي فعلتُ كانَ كذَا وكذَا، ولكن قُل: قَدَّر اللهُ، وما شاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ لو تَفتحُ عملَ الشَّيطانِ»
رواه مسلم برقم: (2664)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
شرح الحديث
قوله: «المُؤمنُ القَويُّ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «المؤمنُ القويُّ» القوَّة هنا: المحمودة يحتملُ أنها في الطاعة؛ من شدَّة البدنِ وصلابةِ الأسر، فيكون أكثرَ عملًا، وأطول قيامًا، وأكثر صيامًا وجهادًا وحجًّا، وقد تكونُ القوَّة هنا في المنةِ (أي: قوة القلب) وعزيمة النَّفس، فيكون أقدمَ على العدوِّ في الجِهاد، وأشدَّ عزيمةً في تغيير المناكرِ والصَّبر على إيذاء العدوِّ، واحتمال المكروهِ والمشاقِّ في ذات الله، أو تكون القوَّة بالمال والغِنى فيكون أكثرَ نفقةً في سبيل الخير، وأقلَّ مَيْلًا إلى طلبِ الدُّنيا، والحرص على جمع شيءٍ فيها، وكلُّ هذه الوجوه ظاهرةٌ في القوَّة. إكمال المعلم (8/ 157).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«المؤمنُ القويّ» أي: القويّ البدن والنَّفس، الماضي العزيمة، الذي يصلحُ للقيام بوظائف العباداتِ من الصَّوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروفِ، والنهيِ عن المُنكر، والصبر على ما يصيبُه في ذلك، وغير ذلك ممَّا يقوم به الدين، وتنهضُ به كلمةُ المسلمين. المفهم (6/ 682).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمراد بالقوَّة هنا: عزيمةُ النَّفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحبُ هذا الوصف أكثرَ إقدامًا على العدوِّ في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشدَّ عزيمةً في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاقِّ في ذات الله -تعالى-، وأرغبَ في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظةً عليها، ونحو ذلك. شرح صحيح مسلم (16/ 215).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني بـ «القويّ»: مَن صبرَ على مجالسةِ النّاس، وتحمَّل أذيَّتهم، وتعليمَهم الخير، وإرشادَهم إلى الهُدى، فهو «أحبُّ إلى الله من المؤمنِ» الذي يفرُّ من النّاس، ولا ينفعُ إلا نفسه. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 309).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «المؤمنُ القويُّ» أي: على أعمال البِرِّ ومشاقِّ الطاعة، والصَّبور على تحمُّل ما يصيبهُ من البلاءِ، والمتيقِّظ في الأمور، المُهتدي إلى التدبيرِ والمصلحة بالنظر إلى الأسبابِ، واستعمالِ الفِكر في العاقبة، ويؤيده ما روى أبو داود في كتاب القضاء عن عوف بن مالك أنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- قَضَى بين رَجُلينِ فقال المقضي عليه لما أدبر: "حسبي الله ونعم الوكيل"، فقال النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إن الله -تعالى- يلومُ على العجزِ، ولكن عليكَ بالكَيسِ» والكَيس بفتح الكاف هو التَّيقُظُ في الأمورِ. حاشية على سنن ابن ماجه (1/ 41 - 42).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«المؤمنُ القويُّ» قيل: أراد بالمؤمنِ القويِّ الذي قويَ في إيمانه، وصلُبَ في إيقانِه؛ بحيث لا يرى الأسبابَ، ووثِقَ بمسبِّبِ الأسبابِ، والمؤمن الضَّعيف بخلافه، وهو أدنى مراتبِ الإيمانِ. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3334).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-: معلقًا:
قوله: "لا يرى الأسبابَ" إن أرادَ أنه لا يعتمدُ على الأسباب فمسلَّمٌ، وإن أراد أنه لا يأخذُ بالأسبابِ أصلًا، فهذا لا مدحَ فيه؛ لأنه خلافُ هديِ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ فإنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يأخذُ بالأسبابِ، ويحثُّ عليه، وهو سيِّدُ المتوكِّلين، وبالجملة: فالواجب على العبد أن يأخذَ بالأسباب، ولا يعتمدَ عليها، بل يعتمدُ على الله -سبحانه وتعالى-، والله -تعالى- أعلم. مشارق الأنوار الوهاجة (2/ 477).
قوله: «خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضَّعيفِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«خيرٌ» أي أفضلُ منزلةً وأكثرُ أجرًا، «وأحبُّ» أي: أشدُّ محبوبيةً «إلى الله» أي: عند الله -سبحانه- «من المؤمنِ الضَّعيفِ». الكوكب الوهاج (24/ 577).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضَّعيف» الذي يفرُّ من النّاس ولا يخالطُهم؛ لعدم تحمُّل أذاهم، ولا ينفعُ إلا نفسَه. شرح المصابيح (5/ 435).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ» خيرٌ في تأثيره وآثاره، فهو ينفعُ ويُقتدى به، وأحبُّ إلى الله باعتبار الثَّواب. القول المفيد(2/ 366).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «من المؤمنِ الضعيفِ» فيه خيرٌ من حيث كان مؤمنًا، قائمًا بالصلوات، مكثّرًا لسَواد المسلمين... لكنه قد فاته الحظُّ الأكبرُ، والمقامُ الأفخرُ. المفهم (6/ 682).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من المؤمنِ الضَّعيف» وذلك في الإيمان أو فيما يقتضيه، لا في قوة البَدنِ. القول المفيد(2/ 366).
قوله: «وفي كلٍّ خيرٌ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وفي كلٍّ خيرٌ» التنوين عوضٌ عن المضاف إليه، والأصل: وفي كليهما خيرٌ، أي: في كلِّ واحد من المؤمن القويّ والمؤمن الضَّعيف خيرٌ بالإيمان، مع ما يأتي به الضَّعيف من العبادات، وكلمة «خيرٌ» استُعملت في أول الحديث بمعنى أخْيَر أفعل تفضيل، واستُعملت هنا بمعنى الوصف الأصليِّ بدون التفضيل. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (10/ 196).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«في كلٍّ خيرٌ» إلا أن المؤمن القويّ أحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف؛ وذلك لأن المؤمن القويّ ينفعُ نفسه وينفع غيره، وربما تعدَّت منفعته إلى أهله وقومه وأمَّة دهره، والمؤمن الضَّعيف قد يقتصر بنفعه على نفسه، وأخاف على ضعفه أيضًا أن يضعفَ على حفظ نفسه؛ ولأن المؤمن القويّ يعرضه أن يكسرَ حِزب الشَّيطان بقوله إذا قال، وبفعله إذا فعل، والمؤمنُ الضَّعيف أخافُ عليه في مواطن يضعفُ فيها؛ فيكون كاسرًا لحزب الحقِّ. الإفصاح(8/ 44).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وفي كلٍّ» بالتنوين: أي من المؤمن القويّ والمؤمن الضَّعيف «خيرٌ»؛ لاشتراكهما في أصل الإيمان، و«خيرٌ» هنا مصدر، وهو خلافُ الشر. دليل الفالحين (2/ 317).
قوله: «احرصْ على ما ينفعُكَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«احرصْ» أيها المؤمنُ «على» تحصيل «ما ينفعُك» في دِينكَ ودنياك، ولا تتكاسل عن الشُّغل فيهما. الكوكب الوهاج (24/ 577).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «احرصْ على ما ينفعُك» أي: استعمل الحِرص والاجتهادَ في تحصيل ما تنتفعُ به في أمر دِينك، ودُنياك التي تستعينُ بها على صيانة دِينِك، وصيانةِ عيالكَ، ومكارم أخلاقكَ، ولا تفرِّط في طلب ذلك. المفهم (6/ 682).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «احرص على ما ينفعُكَ» الحرصُ: بذل الجهد لنيلِ ما ينفعُ من أمر الدِّين أو الدُّنيا، وأفعالُ العباد بحسبِ السَّبْرِ والتقسيم لا تخلو من أربع حالات:
1 - نافعةٌ، وهذه مأمورٌ بها.
2 - ضارَّة، وهذه محذَّرٌ منها.
3 - فيها نفعٌ وضررٌ.
4 - لا نفعَ فيها ولا ضَرر، وهذه لا يتعلق بها أمر ولا نهيٌ، لكن الغالب ألا تقعَ إلا وسيلةً إلى ما فيه أمرٌ أو نهيٌ، فتأخذ حكم الغاية؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
فالأمر لا يخلو من نفع أو ضرر: إما لذاته أو لغيره.
ويؤخذ من الحديث: وجوبُ الابتعاد عن الضَّار؛ لأن الابتعادَ عنه انتفاعٌ وسلامةٌ؛ لقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «احرص على ما ينفعُك». القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 367 - 368).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
سعادةُ الإنسان في حرصه على ما ينفعُه في معاشه ومعاده، والحرصُ: هو بذل الجهدِ واستفراغ الوسعِ، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودًا، وكمالُه كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصًا، وأن يكون حرصُه على ما ينتفع به، فإنْ حَرِصَ على ما لا ينفعُه، أو فعلَ ما ينفعُه بغير حرصٍ فاته من الكمالِ بحسب ما فاته من ذلك، فالخيرُ كلُّه في الحرصِ على ما ينفعُ. شفاء العليل (1/ 61).
قوله: «واستعن بالله»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واستعن بالله» أي: على فِعلك؛ فإنه لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله. مرقاة المفاتيح (8/ 3318).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«واستعن بالله» أي: اطلب المِعونةَ منه، وتوكَّل عليه، ولا تعتمد على حركاتك ولا على أسبابكَ، بل الجأ في كل الأمورِ إليه وتوكَّل عليه، فمن أعانه أُعين. دليل الفالحين (2/ 317).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ثم أمره -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالحرصِ على طاعةِ الله، وطلبِ ما عندهُ، وعلى طلب الاستعانة به في كلِّ أموره؛ إذ حرصُ العبد بغير إعانةِ الله لا ينفعه.
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأكثرُ ما يجني عليه اجتهادُهُ. سبل السلام (2/ 690).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «واستعن بالله» الواو تقتضي الجمعَ، فتكون الاستعانة مقرونةً بالحِرص، والحرص سابقٌ على الفعل، فلا بُدَّ أن تكون الاستعانة مقارنةً للفعل من أوَّله، والاستعانة: طلبُ العونِ بلسان المقال، كقولك: اللهم أعنِّي، أو: لا حول ولا قوة إلا بالله، عند شروعك بالفعل، أو بلسانِ الحال، وهي: أن تَشعر بقلبكَ أنك محتاجٌ إلى ربك -عز وجل- أن يعينكَ على هذا الفعل، وأنه إن وَكَلكَ إلى نفسك وكلكَ إلى ضعفٍ وعجزٍ وعورةٍ. أو طلب العونِ بهما جميعًا، والغالب أن مَن استعان بلسان المقالِ، فقد استعانَ بلسان الحالِ.
ولو احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالمخلوق كحمل صندوقٍ مثلًا فهذا جائزٌ، ولكن لا تشعر نفسكَ أنها كاستعانتك بالخالقِ، وإنما عليك أن تشعرَ أنها كمعونةِ بعضِ أعضائكِ لبعضٍ، كما لو عجزتَ عن حمل شيءٍ بيدٍ واحدةٍ، فإنك تستعينُ على حمله باليد الأخرى، وعلى هذا فالاستعانةُ بالمخلوق فيما يقدرُ عليه كالاستعانةِ ببعض أعضائك، فلا تنافِي قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «استعِن باللهِ». القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 368 - 369).
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ومع إنهاءِ الاجتهاد نهايته، وإبلاغِ الحرص غايتهُ، فلا بُدَّ من الاستعانة بالله، والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمورِ إليه، فمَن سلك هذين الطَّريقين، حصل على خير الدَّارينِ. المفهم (6/ 682).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولما كان حرصُ الإنسان وفعلهُ إنما هو بمعونةِ الله ومشيئته وتوفيقهِ، أمره أن يستعين بالله؛ ليجتمع له مقام: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5؛ فإنَّ حرصهُ على ما ينفعه عبادةٌ لله، ولا تتمُّ إلا بمعونته، فأمره بأن يعبدهُ وأن يستعينَ به. شفاء العليل (1/ 61).
قوله: «ولا تَعجَزْ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لا» ناهية، والمعنى: لا تفعل فعلَ العاجزِ من التكاسل وعدم الحزمِ والعزيمةِ، وليس المعنى: لا يصيبُك عجزٌ؛ لأن العجز عن الشَّيء غير التعاجز، فالعجز بغيرِ اختيارِ الإنسان، ولا طاقة له به، فلا يتوجَّه عليه نهيٌ. القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 369 - 370).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«ولا تَعجزْ» ولا تَتعاجزْ عنه متَّكلًا على القَدَر؛ فتُنسب للتقصير، وتُلام على التفريط شرعًا وعادةً. المفهم (6/ 682).
وقال النووي -رحمه الله-:
«ولا تَعجَز» ولا تَكْسَل عن طلبِ الطاعة ولا عن طلبِ الإعانةِ. شرح صحيح مسلم (16/ 215).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«ولا تعجز» فإن العجزَ ينافي حرصهُ على ما ينفعهُ، وينافي استعانته بالله، فالحريصُ على ما ينفعُه، المستعين بالله ضدُّ العاجز، فهذا إرشادٌ له قبلَ وقوع المقدور إلى ما هو مِن أعظمِ أسباب حصوله، وهو الحرصُ عليه مع الاستعانةِ بمَن أزِمَّة الأمور بيديه، ومصدرُها منه، ومردُّها إليه. شفاء العليل (1/ 62).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ونهاهُ عن العجْز وهو التَّساهلُ في الطاعات، وقد استعاذَ منه -صلَّى الله عليه وسلَّم- بقوله: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحزنِ، ومن العجزِ والكسلِ». سبل السلام (2/ 690).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
قوله: «ولا تَعْجَز» العجزُ يكون بأمرين: الأول: هو تركُ العملِ وإهمالُ القيامِ بالأسباب الموصلةِ إلى المطلُوب، والوسائلِ المبلِّغة إلى المقصود، والرُّكون إلى الكسلِ والعجزِ.
الثاني: عدمُ الاستعانة بالله -تعالى-، والاتِّكال عليه بالإعانةِ على المهامِّ والمقاصدِ، وصرف همِّه وحده بالاعتماد على حولهِ وقوَّته وسعيهِ؛ فإنَّ حرص العبدِ بغير الاستعانةِ بالله -تعالى- لا ينفعُه، ولا يجديه شيئًا. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 495).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
العجزُ إنما يقعُ من سوءِ التدبيرِ وقلَّة العقلِ. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 599).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
والعجزُ: التثاقلُ عن المصالح حتى لا تحصلَ، أو تحصل لكن على غير الوجهِ المَرضيّ ... والعجز في أصله: معنى من المعاني مناقِض للقُدرة. المفهم (6/ 671).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل: هو (أي العجز) تركُ ما يجبُ فِعلهُ، والتسويفُ فيهِ، وتأخيرُه عن وقتهِ. إكمال المعلم (8/ 143).
قوله: «فإن أصابكَ شيءٌ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإن أصابكَ شيءٌ» أي: من المكروه الدِّينيّ أو الدُّنيويّ، وفي الرواية ... من طريق ابن عجلان عن الأعرج: «فإن غلبكَ أمرٌ». مشارق الأنوار الوهاجة (2/ 479).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإن أصابكَ» ووقعَ بك ونزل «شيءٌ» مما لا يوافقُك ويشقُّ تحمُّله عليكَ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/ 300).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وإن أصابكَ شيءٌ» يعني: بعد أن تبذلَ ما تستطعُ بعد الحرصِ والاستعانةِ بالله والثَّبات على الأمرِ. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 432).
قوله: «فلا تقُلْ: لو أنِّي فعلتُ كان كذَا وكذَا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلا تقل: لو أني فعلتُ كذَا وكذَا» «لو» شرطية، وجوابها مقدَّر: أي لَمَا أصابني ذلك الشيءُ... ويحتملُ أن تكون للتَّمني، فلا تحتاج إلى تقديرِ جوابٍ، والوجه الأوَّل أولى؛ لأنه يؤيده رواية مسلم بلفظ: «لو أني فعلتُ كذا لكانَ كذَا وكذا». مشارق الأنوار الوهاجة (2/ 479).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فلا تقُل: لو أنِّي فعلتُ كذا كانَ كَذا وكَذا» كناية عن مبهمٍ، والجملة جوابُ (لو)، فيكون فيه ركونٌ إلى العادات، وربطٌ للمسبّبات بأسبابها العاديَّة ٍوغفلةٌ عن حقائق الأمورِ وهو أن كلَّ شيءٍ بقدَرٍ. دليل الفالحين (2/ 317).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلا تقل: لو أني فعلتُ» أي: كذَا وكذَا «كانَ» أي: لصارَ «كذا وكذا»؛ فإنَّ هذا القول غيرُ سديدٍ، ومع هذا غير مُفيدٍ؛ فإنه قال -تعالى جل شأنه-: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} التوبة: 51، وقال -صلى الله تعالى عليه وسلم-: «ما أصابكَ لم يكن ليُخطئكَ، وما أخطأكَ لم يكنْ ليصيبَكَ»، وقد قال تعالى: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} آل عمران: 153. مرقاة المفاتيح (8/ 3318).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال بعضُ أهل العلم: معنى هذا الحديثِ والنهى عن قول هذا: إنما هو لمَن قاله معتقدًا ذلك حتمًا؛ فإنه لو فعلَ ذلك لم يصبه ذلك قطعًا، فأما مَن ردَّ ذلك إلى مشيئةِ الله، وأنه لن يصيبهُ فعلَ ذلك أولم يفعلهُ إلا ما شاءَ الله وقدَّرهُ، فليس من هذا، واستدلَّ بما ورد من قول النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- وأصحابه في هذا، مثلُ قول أبى بكر في الغار: "لو أن أحدهم رفعَ رأسه لرآنا"، وهذا لا حجةَ له فيه عندي؛ لأنه إنما أخبر عمَّا يُسْتَقبل، وليس فيه دعوى لردِّ قدَرٍ بقَدَرٍ، وكذلك ... قوله: «لولا حِدْثَانُ قومِك بالكفرِ لأَتْمَمْتُ البيتَ على قواعدِ إبراهيمَ» و «ولو كنتُ راجمًا أحدًا بغير بيِّنة لرجمتُ هذه»، و«لولا أن أشقَّ على أمَّتى لأمرتهم بالسِّواك» وشبه هذا كله مما يُستقبل مما لا اعتراض فيه على قَدَر، ولا كراهة في قوله جملةً؛ لأنه إنما أخبر عمَّا يعتقدُ أنه كان يفعله، لولا المانع له، وما في قدرته فعلهُ، وما انقضى وذهبَ ليس في القدرةِ ولا في الإمكان فعلُهُ بعدُ ...
والذى عندي... أن النَّهي فيه على وجهه عمومًا، لكن على طريقِ النَّدب والتنزيه، ويدل عليه قوله: «فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشَّيطان». إكمال المعلم (8/ 157 - 158).
وقال النووي -رحمه الله-: معلقًا على كلام القاضي عياض.
قلت: وقد جاء من استعمال (لو) في الماضي قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ ما سُقتُ الهدْيَ» وغير ذلك، فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاقِ ذلك فيما لا فائدةَ فيه، فيكون نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، فأما مَن قاله تأسفًا على ما فاتَ من طاعةِ الله -تعالى- أو ما هو متعذِّر عليه من ذلك ونحو هذا، فلا بأسَ به، وعليه يُحملُ أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (16/ 216).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الذي يتعينُ بعد وقوعِ المقدور: التَّسليمُ لأمر الله، والرِّضا بما قدره الله -تعالى-، والإعراضُ عن الالتفات لما مضى وفاتِ. المفهم (6/ 683).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن فاتهُ ما لم يقدَّر له، فله حالتان: حالةُ عجزٍ، وهي مفتاحُ عمل الشَّيطان، فيلقيه العجزُ إلى (لو)، ولا فائدة في (لو) هاهنا، بل هي مفتاحُ اللوم والجزعِ والسخطِ والأسفِ والحزنِ، وذلك كله من عمل الشَّيطان، فنهاه -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن افتتاح عمله بهذا المِفتاح، وأَمَرَهُ بالحالة الثانية، وهي النظرُ إلى القدَر وملاحظتُه، وأنه لو قُدِّر له لم يفُتهُ، ولم يغلبهُ عليه أحدٌ، فلم يبقَ له هاهنا أنفعُ من شُهود القدَر ومشيئةِ الرب النافذة، التي توجبُ وجودَ المقدور، وإذا انتفت امتنع وجودُه؛ فلهذا قال: «فإن غلبكَ أمرٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا، ولكن قل: قَدر الله وما شاءَ فعلَ» فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبِه، وحالة فواتِه؛ فلهذا كان هذا الحديثُ مما لا يستغني عنه العبدُ أبدًا، بل هو أشدُّ شيءٍ إليه ضرورةً، وهو يتضمن إثبات القَدَر والكسبِ والاختيارِ، والقيام بالعبودية ظاهرًا وباطنًا في حالتَي حصول المطلوبِ وعدمهِ، وبالله التوفيق. شفاء العليل (1/ 62).
قوله: «ولكنْ قُل: قدَّر اللهُ، وما شاءَ فعَلَ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ولكن قُل: قدر الله وما شاءَ فعلَ» تربيةٌ نفسيةٌ عظيمة، ورضًا بالقدر ما فوقه شيءٌ، «قل: قدَّر اللهُ» «قدَّر» تُروى بوجهين: الأول: بتشديد الدال وفتح القاف يكون المعنى: قدَّر اللهُ؛ أي: قل: قدَّر اللهُ ذلك وليس بإرادتك «وما شاءَ فعلَ»، الوجه الثاني -وهو أولى-: «قدَرُ اللهِ» أي: هذا «قدَرُ اللهِ»، هذا الذي وقع «قدَرُ اللهِ» وليس باختياري، «وما شاءَ فعلَ» هذه جملة شرطية؛ فإنَّ «ما» هنا اسم شرط، وفعل الشرط: «شاء»، وجواب الشرط: «فَعلَ» أي: أيُّ شيءٍ يشاؤه الله فلا بُدَّ أن يفعلهُ. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 432).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولكن قُل» أي: بلسانِ القالِ أو لسان الحالِ: «قدَّر اللهُ» بتشديد الدال أي: «قل: قدَّرَ اللهُ»، ويجوز تخفيفها، أي: «قل: قَدرُ اللهِ» كذا وكذا، أي: وقع ذلك بمُقتضى قضائه وعلى وُفق قدرِه، «وما شاء» أي: الله فِعْلَه «فَعَل»؛ فإنه {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} البروج: 16، ولا رادَّ لقضائه ولا معقِّب لحُكمه. مرقاة المفاتيح (8/ 3318).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولكن» اصبر على ما أصابكَ، و«قُل:» هذا الذي أصابَني «قدرُ الله» أي ما قدَّره الله عليَّ أزلًا، «وما شاءَ» الله -سبحانه- وأرادَ «فعلَ» بعباده، لا يُسألُ عما يفعلُ، ولا رادَّ لقضائه. الكوكب الوهاج(24/ 578).
قوله: «فإن لو تفتح عمل الشَّيطان»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي الحديث: «إنَّ لو تفتحُ عمل الشَّيطان» ويروى: «إن لوًّا فتحُ عملِ الشَّيطان» والأول أصوبُ، وهي رواية الجمهور، ومعناه: إن قولَها واعتبار معناها يُفضي بالعبدِ إلى التكذيب بالقَدَر، أو عدم الرِّضا بصنع الله؛ لأن القَدَر إذا ظهر بما يكره العبدُ قال: لو فعلتُ كذا لم يكن هذا، وقد مرَّ في علمِ الله أنه لا يفعلُ إلا الذي فَعل، ولا يكونُ إلا الذي كان. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (3/ 461).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فإن لو تفتحُ عمل الشَّيطان» أي: تَفتحُ عليكَ الوساوسَ والأحزانَ والندمَ والهمومَ، حتى تقول: «لو أني فعلتُ لكانَ كذا»، فلا تقل هكذا، والأمر انتهى، ولا يمكن أن يتغيَّر عمَّا وقع، وهذا أمرٌ مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظ، قبل أن تُخلق السماواتُ والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عمِلت. شرح رياض الصالحين (2/ 84).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن لو» أي: كلمة الشرط أو (إنْ) «تفتحُ عملَ الشَّيطان»، قال الشاطبي -رحمه الله-: ولم ولو وليت، تورثُ القلب انفلاقًا. مرقاة المفاتيح (8/ 3318 - 3319).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فإن افتكر فيما فاته من ذلك وقال: «لو أني فعلتُ كذا لكان كذا» جاءته وساوس الشَّيطان، ولا تزالُ به حتى تفضي به إلى الخُسران؛ لتعارض توهم التدبير سابق المقاديرِ، وهذا هو عمل الشَّيطان الذي نهى عنه النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بقوله: «فلا تقل: لو؛ فإن لو تفتحُ عملَ الشَّيطان». المفهم (6/ 683).
وقال القرطبي -رحمه الله-أيضًا:
«فإن لو تفتح عمل الشَّيطان» فمحمولٌ على مَن يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجِّرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} آل عمران : 168، ثم رد الله قولهم، وبين لهم عجزهم، فقال: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}... فالواجبُ عند وقوعِ المقدورِ التَّسليمُ لأمر الله، وترك الاعتراضِ على الله، والإعراضُ عن الالتفات إلى ما فات، فيجوز النطق بـ "لو" عند السلامة من تلك الآفاتِ، والله -تعالى- أعلم. المفهم (4/ 638 - 639).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
و(لو) تستعمل على وجهين:
أحدهما: على وجه الحزن على الماضي والجزع من المقدور، فهذا هو الذي نهى عنه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} آل عمران: 156.
وهذا هو الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «وإن أصابك شيء فلا تُقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» أي: تفتح عليك الحزن والجَزع، وذلك يضرُّ ولا ينفع بل اعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيْبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} التغابن: 11، قالوا: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
والوجه الثاني: أن يقال (لو) لبيان علم نافع، كقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} الأنبياء: 22.
ولبيان محبة الخير وإرادته، كقوله: لو أن لي مثل ما لِفلان لعملتُ مثل ما يعمل، ونحوه جائز.
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وددتُ لو أن موسى صبر؛ لِيَقُصَّ الله علينا مِن خبرهما» هو من هذا الباب، كقوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} القلم: 9؛ فإن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أَحَبَّ أَنْ يَقُصَّ اللَّهُ خبرهُما، فذكرها لبيان محبته للصبر المترتب عليه، فعرفه ما يكون؛ لِمَا في ذلك من المنفعة، ولم يكن في ذلك جزع ولا حزن، ولا تَرْكٌ لِمَا يجب من الصبر على المقدور. الفتاوى الكبرى(5/٧٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(لو) تستعملُ على عدَّة أوجه:
الوجه الأول: أن تُستعملَ في الاعتراض على الشَّرعِ، وهذا محرم، قال الله تعالى: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} آل عمران: 168...، وهذا مُحرمٌ وقد يصل إلى الكُفر.
الثاني: أن تُستعمل في الاعتراض على القَدر، وهذا محرَّمٌ أيضًا، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} آل عمران: 156، أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا، فهم يعترضون على قدَرِ الله.
الثالث: أن تُستعمل للنَّدم والتحسُّر، وهذا محرَّم أيضًا؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهيٌّ عنه؛ لأن الندم يُكْسِب النَّفس حُزنًا وانقباضًا، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط...
الرابع: أن تُستعمل في الاحتجاج بالقدَر على المعصية: كقول المشركين: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} الأنعام: 148، وقولهم: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} الزخرف: 20، وهذا باطلٌ.
الخامس: أن تُستعمل في التَّمني، وحكمه: حسب المُتمنَّى: إن كان خيرًا فخيرٌ، وإن كان شرًا فشرٌّ..
السادس: أن تُستعمل في الخبرِ المحض، وهذا جائزٌ، مثل: لو حضرتَ الدرس لاستفدتَ، ومنه قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرت ما سُقت الهديَ ولأحللتُ معكُم». القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 361 - 363).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدلُّ على أن من المؤمنين القويّ والضَّعيف... والقوَّةُ في الإيمانِ أن يعملَ المؤمن بعزائم الشرعِ في مواطنها، وألا يجبُنَ على الأخذ برُخَص الشَّرع في مواطنها، وألا يتركَ المسلمين من يده؛ حفاظًا لدينهم، ومُهتمًّا بهم، ذكرهم وأُنثاهم، عالِمهم وجاهِلهم، مُهتمًّا بتدبير العامَّة، عالمًا بأسرار الخاصَّة، إن كان ذا أمر، وإلا قال لكل ذي لبٍّ: إنه يصلحُ أن يكون ذا إمرةٍ، وأما المؤمنُ الضَّعيف فعلى ضدِّ ذلك؛ قانعًا بأن يسلمَ بنفسه. الإفصاح(8/ 44).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فتضمن هذا الحديث الشريف أصولًا عظيمة من أصول الإيمان:
أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة، وأنه يحب حقيقة.
الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القويّ ويحب المؤمن القويّ، وهو وِتْرٌ يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين.
ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحبُّ بعضهم أكثر من بعض. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر(1/ 61).
وللفائدة ينظر فتوى الشيخ بن عثيمين -رحمه الله- في حكم قول لو أني فعلت كذا أو لعنة الله على المرض.