«ما رأيتُ مِثلَ النَّارِ نامَ هاربُها، ولا مِثلَ الجَنّةِ نامَ طالبُها».
رواه الترمذي برقم: (2601)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه الطبراني في الأوسط، برقم: (1638)، بلفظ: «ما رأيتُ مثلَ الجنةِ نام طالبُها، وما رأيتُ مثلَ النار نامَ هاربُها»، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5622)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (953).
غريب الحديث
«هاربُها»:
الهرَبُ: الفرار، وقد هربَ، وهرَّبهُ غيره تهريبًا. الصحاح، للجوهري (1/ 237).
شرح الحديث
قوله: «ما رأيتُ مِثلَ النارِ نامَ هاربُها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما رأيتُ» فيه معنى التعجب، أي: ما علمتُ «مثلَ النار» أي: شدةً وهولًا، «نامَ هاربُها» مفعول ثانٍ، ويُمكن أن يكون رأيتُ بمعنى: أبصرتُ، فتكون الجملة صفةً أو حالًا، أي: صار غافلًا عنها، وينبغي للهارب من عذابِ النار أن يفرّ من كل الفجَّار. مرقاة المفاتيح (8/ 3350).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «نامَ هاربُها» الهارب: الذي يفرُّ؛ يعني: النار شديدة، والخائفون منها نائمون غافلون، وليس هذا طريق الهارب، بل طريق هارب النار: أن يهربَ من المعاصي إلى الطاعات. المفاتيح (5/ 325).
وقال منصور ناصف -رحمه الله-:
أي: «ما رأيتُ شيئًا» مؤلمًا عظيمًا خالدًا، وصاحبه ينام ولا يفر منه مثل النار. التاج الجامع للأصول (5/ 427).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه معنى التّعجب أي: ما أعجبَ حال النار الموصوفة بشدة الأهوال، وحال الهارب منها، مع نومه وشدَّة غفلته، والاسترسال في سَكرته! فيض القدير (5/ 446).
قوله: «ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها »:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«مَثل الجنةِ» الصافية في نعيمها، الصافية عن الكدورات، وخلودها المنزَّه عن الفناءِ والزوال، وفيه معنى التعجب، أي: ما أعجبَ حال هذه الجنّة الموصوفة بهذه الصفات، وحال طالبها الغافل عنها! الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3383).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولا مثل الجنة» أي: بهجةً وسرورًا، «نامَ طالبُها» يعني: ينبغي لطالبها أن يجدَّ كل الجد في الإتيان بالأوامر، طالبًا بذلك الامتثال لحضرة ذي الجلال؛ ليُمكنه الوصولُ إلى النعيم المقيم. شرح المصابيح (5/ 454).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها» فإنّ مَن عَرَف ما أعدَّ الله فيها للعاملين، لم يفتر عن عمله، ولا يلهيه عنه النومُ. التنوير (9/ 395).
وقال منصور ناصف -رحمه الله-:
«ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها» ولا رأيتُ نعيمًا واسعًا خالدًا يطلبه كلُّ إنسان ويتمنّاه وينام عنه، مثل الجنة. التاج الجامع للأصول (5/ 427).
وقال الشيخ محمود الخزندار -رحمه الله-:
ولذلك كان مما تعجَّب منه -صلى الله عليه وسلم- انفتاح أبواب الخير، وغفلة الإنسان عنها، ولاحقة الفتن للمرء وعدم فراره منها، «ما رأيتُ مثلَ النار، نام هاربها، ولا مثل الجنة، نام طالبها»، بينما يكون المهتمّ بآخرته شديد الحرص على اتقاء المنكرات، والمسارعة في الخيرات، وحال المهتمّ لأمر آخرته التخفُّف من العلائق والزهد بالصوارف. هذه أخلاقنا (ص: 280).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: حثٌّ على الطاعات، وعدم التكاسل، وهو كالتعجب ممَّن ينام وهو هارب أو طالب لمثل هذين الأمرين العظيمين. التنوير (9/ 395).
طريق الجنة لا يُدرك إلا بالمشقة والاجتهاد.