«الإِمَامُ ضَامِنٌ، والمؤَذِّن مُؤْتَمَنٌ، اللهم أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، واغْفَرْ للمُؤَذِّنِينَ».
رواه أحمد برقم: (7169)، وأبو داود برقم: (517)، والترمذي برقم: (207)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (7818): «والمؤَذِّن أَمِيْنٌ»..
صحيح الجامع برقم: (2787)، إرواء الغليل برقم: (217).
غريب الحديث
«الإِمَامُ ضامن»:
«الإمام ضامن» تأويله: أنه يَحْفَظُ على القوم صلاتهم ويرعاها لهم، وليس مِن ضَمَانِ الغرامة في شيء، ويقال: إنه قد ضَمِنَ الدعاء لهم. غريب الحديث، للخطابي (1/ 636).
«مُؤْتَمَنٌ»:
مُؤْتَمَنُ القوم: الذي يثقون إليه، ويتخذونه أمينًا حافظًا، يقال: اؤْتُمنَ الرجل فهو مُؤْتَمَن، يعني أن المؤذن أَمِينُ الناس على صلاتهم وصيامهم. النهاية، لابن الأثير(1/ 71).
شرح الحديث
قوله: «الإِمامُ ضَامِنٌ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«والإمام ضَامِن» بمعنى أنه يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، وقيل: معناه: ضامِن الدعاء؛ يَعُمُّهم به ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يُوجب الغَرامة من هذا في شيء، وقد تأوَّله قوم على معنى أنه يتَحَمَّل القراءة عنهم في بعض الأحوال، وكذلك يتحمل القيام أيضًا إذا أدركه راكعًا. معالم السنن(1/ 156).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في معناه، فقيل: معنى قوله: «الإمام ضامن» أي: راعٍ، والضمان في اللغة: الرعاية، وهذا ضعيف؛ لأن الضمان في اللغة إنما يكون بمعنى الرعاية أو بمعنى الحفظ، وأما موقعه في الشرع واللغة فهو الالتزام، ويأتي أيضًا بمعنى الوعاء؛ لأن كل شيء جعلته في شيء فقد ضمنته إياه، فإذا عُرف معنى الضمان فإن ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التزام شروطها، وحفظ صلاته في نفسها؛ لأن صلاة المأموم تنبني على صلاة الإمام، فإن أفسد صلاتَه فسدت صلاةُ مَن ائْتَمَّ به، فكان غارمًا لها.
فإن قلنا: إنه بمعنى الوعاء، فقد دخلت صلاة المأموم في صلاة الإمام؛ لتَحَمُّل القراءة عنه والقيام، إلى حُسن الركوع والسجود والسهو، ولذلك لم تجز صلاة المتنفل خلف المفترض (والصواب صحة ذلك عند الجمهور)؛ لأن ضمان الواجب بما ليس بواجب محال، وهذه فائدة. المسالك (2/ 325).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«الإمامُ ضَامنٌ» قيل: معناه ضَمِنَ لهم دعاءً يَعُمُّ القوم، وقيل: ضَمِنَ أن يأتي بشروط الصلاة وأركانها، أي: حافظ يراعي أمور المأمومين من عدد الركعات، ويَحمل عنهم القيام والقراءة إذا أدركوه في الركوع، ويستحب له أن يدعو لهم في الصلاة بلفظ الجمع، فعلى هذا الإمام ضامن، أي: حافظ لصلاتهم، وليس هو من باب الضمان يعني الغرامة، ولا يلزمه إثم بالإمامة إذا فعل ما يقدر عليه، بل يحصل له ثواب من صلى معه. شرح سنن أبي داود (3/ 461).
وقال العيني -رحمه الله-:
«الإمام ضامن» بمعنى: يضمنها صحة وفسادًا، والفرض ليس مضمونًا في النَّفل. عمدة القاري (5/ 239).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
«الإمام ضَامن» أي: حافظ لصلاة المأمومين وراعٍ لها، فصلاة القوم في عُهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته؛ لأنه يَحفظ عليهم الأركان والسنن وأعداد الركعات، ويتولى السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء، ويتحمل القراءة عنهم، إما مطلقًا عند من لا يوجب القراءة على المأموم، أو إذا كانوا مسبوقين، ولهذا الضمان كان ثواب الأئمة أوفر إذا رعوا حقها، ووِزْرُهم أكثر إذا أَخَلُّوا بها. المنهل العذب المورود (4/ 177، 178).
قوله: «والمؤذِّنُ مُؤْتَمنٌ»:
قال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
وأمَّا أَمانة المؤذنين فقيل: لأَنهم أُمناء على مواقيت الصلاة، وقيل: أُمناء على حُرم الناس؛ لأنهم يُشرفون على المواضع العالية، وقيل: أُمناء في تبرعهم بالأذان. النفح الشذي (4/ 120).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
يعني: هم الذين يَعتمد الناس عليهم في الصلاة والصيام والإفطار وسائر الوظائف المؤقتة، أو لأنهم يرتقون على أمكنة عالية، فينبغي ألا يشرفوا على بيوت الناس؛ لكونهم أمناء. شرح المصابيح (1/ 405)
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «والمؤذن مؤتمن» يعني: أمين على صلاتهم وصيامهم؛ لأنهم يعتمدون عليه في دخول الأوقات وخروجها، وأيضًا هو يطَّلع على حُرم المسلمين؛ لارتقائه على المواضع المرتفعة، وعن هذا قالوا: يكره أذان الجاهل مواقيت الصلاة، وأذان الفاسق. شرح سنن أبي داود (2/ 468).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والمؤذن مؤتمن» أي: أمينٌ على صلاة الناس وصيامهم وسحورهم، وعلى حُرم الناس؛ لإشرافه على دُورهم، فعليه الاجتهاد في أداء الأمانة في ذلك. التيسير (1/ 425).
قوله: «اللهم أَرْشِدِ الأئمة، واغفر للمُؤَذِّنين»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اللهم أَرْشِدِ» بفتح الهمزة «الأئمة» جمع إمام، أي: إلى الصواب، واحفظهم من الخطأ فيما عليهم من أحكام الصلاة، وارزقهم على ذلك الثواب. شرح سنن أبي داود (3/ 462).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
قوله: «اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين» فإنهم إذا رَشَدوا بإجراء الأمور على وجوهها، صحت عبادتهم في نفسها، «واغفر للمؤذنين» يعني: ما قصَّروا فيه من مراعاة الوقت بتَقَدُّمٍ عليه أو تأخَّر عنه. المسالك (2/ 325).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وإنما خص الأئمة بالرشاد: ليكون أهدى لهم إلى التزام هذه الأشياء التي ذكرناها، والعمل بها والوقوف عندها، وإنما خص المؤذنين بالمغفرة: لأن تفريط المؤذن دون تفريط الإمام، والضرر الحاصل منه دون الضرر الحاصل من الإمام، فطَلَب له المغفرة لذلك، وبيان ذلك: أن ذنب الأئمة في التفريط بما يلزمهم من أحكام الصلاة متعلق بحقوق الآدميين ليس حقًّا لله -تعالى-، وما كان حقًا للآدميين فإنما يُطلب العفو عنه إذا رضي صاحب الحق، فحيث كان بهذه الحال دُعي لهم بالرشاد؛ لئلا يقعوا في هذه الورطة التي لا يجوز معها طلب المغفرة لهم قبل براءة الذمة من حق الغير؛ ولأن الدعاء بما يَعْصِمُ من ارتكاب الذنب أَولى من الدعاء بطلب المغفرة لمن ارتكبه. الشافي (1/ 451، 452).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «اللهم أرشد الأئمة» من الإرشاد، وهي الهداية إلى طريق الصواب، والرشد خلاف الغي، والأئمة أصله: أَأْمِمَة جمع إمام؛ فقُلبت الهمزة الثانية ألفًا فصار آمِمَة بالمد، ثم قُلبت ياء بعد إدغام الميم في الميم؛ لالتقاء الساكنين، ويجوز: أئمة بالهمزتين، وقرئ بها. وإنما قال في حق الأئمة: «أرشد» وفي حق المؤذنين: «اغفر»: لأن الإمام ضامن، فيحتاج إلى الإرشاد في طريق ضمانه؛ ليخرج عن عهدته بالسلامة، والمؤذن أمين فيحتاج إلى الغفران؛ لأنه قد يقع منه تقصير. شرح سنن أبي داود (2/ 468).
وقال القاري -رحمه الله-:
والمعنى: أَرْشِد الأئمة للعلم بما تكفَّلوه والقيام به والخروج عن عُهدته، واغفر للمؤذنين ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها، من جهة تقديمٍ على الوقت، أو تأخيرٍ عنه سهوًا. مرقاة المفاتيح (2/ 563).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«اللهم أرشد الأئمة» أي: دُلَّهم على إجراء الأحكام على وجهها، «واغفر للمؤذنين» ما فَرَط منهم في الأمانة التي حملوها. التيسير (1/ 425).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«اللهم أرشد الأئمة» لِيَفُوا بحق الضمان، «واغفر للمؤذنين» إن فَرَّطُوا في الأمانة. التنوير (4/ 502).
وقال العيني -رحمه الله-:
«الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين» ومن هذا أَخذ الشافعي أن الأذان أفضل من الإمامة، وعندنا (الأحناف) الإمامة أفضل؛ لأنها وظيفة النبي -صلى الله عليه وسلم-. عمدة القاري (5/ 113).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
لا يفهم من هذا الحديث تفضيل الأذان على الإمامة، أو تفضيل الإمامة على الأذان، بل المقصود بيان حالهما، والدعاء لهما بالرشاد والمغفرة والتوفيق للعلم وصلاح الحال فيما تحملوا من الخير، وفرَّطوا فيه شيئًا، فالإمام ضامن ومتكفِّل ومتحمل أمر صلاة المقتدين، فيحمل القراءة عنهم، ويحمل القيام إذا أدركوا في الركوع، ويحفظ عليهم أفعال الصلاة وأعداد الركعات، والمؤذن أمين في محافظة الأوقات في الصلاة والصيام، وللعلماء اختلاف في فضل أحدهما على الآخر في الثواب ذكرناه في أول الباب، ولا شك أنَّ منصب الإمامة أعلى وأجل وأعظم؛ لكونه خلافة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما الأذان فنوع من الخدمة والنصيحة للمسلمين، والله أعلم. لمعات التنقيح (2/ 426).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
أجر المأمومين ثابت بإصابة الإمام وخطئه.