السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يكونَ لَعَّانًا».


رواه مسلم برقم: (2597) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«لِصِدِّيقٍ»:
الصِّدِّيق: كثير الصِّدْق، ومنه قيل ليوسف بن يعقوب -عليهما السلام-: الصِّدِّيق، ولأبي بكر -رضي اللّه تعالى عنه-: الصِّدِّيق، قال علي -رضي اللّه عنه-: إنَّ اللّه -عز وجل- سمَّى أبا بكر صديقًا...، وقيل: إنَّ الصِّديق كثير التصديق، والقول الأول أَولى؛ لأن فِعِّيلًا إنَّما يأتي من فَعَلَ، مثل: السِّكِّيت من سَكَتَ، ونحوه. شمس العلوم، للحميري (6/ 3694-3695).

«لَعَّانًا»:
اللَّعَّان: كثيرُ اللعن عند كلِّ غَضَب، في صغير الأمور وكبيرها. العواصم والقواصم، لابن الوزير (8/ 96).


شرح الحديث


قوله: «لا يَنْبَغِي لِصدِّيقٍ أنْ يكونَ لعَّانًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا ينبغي» أي: لا يجوز «لصدِّيق» بكسرٍ فتشديد، أي: مُبالِغٍ في الصِّدق، والمراد به المؤمن؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} الحديد: 19؛ ولرواية: «لا ينبغي للمؤمن أن يكون ‌‌لعَّانًا» أي: كثير اللعن وهو الطَّرد، والمراد به هُنا: الدَّعاء بالبُعد عن رحمة الله -تعالى-، وإنما أَتى بصيغة المبالغة لأن الاحتراز عن قليله نادر الوقوع في المؤمنين. مرقاة المفاتيح(7/ 3028).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لا ينبغي لصدِّيق أن يكون ‌‌لعَّانًا» أي: لا ينبغي لمؤمن قوي الإيمان، بلغ فيه مبلغ الصِّدِّيق أن يكون كثير اللعن، فلعَّان صيغة مُبالغة، تدل على الكثرة، فكثرة اللعن من صفات ضعيف الإيمان، ولا يضر قوي الإيمان أنْ يصدر منه اللعن مرة ونحوها لمن يستحق اللعن. فتح المنعم(10/ 78).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «لا ينبغي لصدِّيق أن يكون ‌‌لعَّانًا...»:
كُله تعظيم لإثم اللعن وتَجَنُّبِهِ، وأنه ليس من أخلاق المؤمنين والصدِّيقين ولا الشهداء والشفعاء يوم القيامة، وأنَّ مَن تخلَّق به فليس من هذه الطبقات العزيزة الرفيعة؛ لأن اللعنة وإن كان أصلها في اللغة: الترك والإبعاد، فصار استعمالها في الدعاء: الإبعاد من رحمة الله، وليس هذه خُلق المؤمنين، الذين وصفهم الله بالرحمة بينهم والتعاون على البر، وأنهم كالجسد الواحد، وكالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وأن المسلم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث بعده: «إني لم أُبْعَث ‌‌لعَّانًا، وإنما بُعثت رحمة»، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة، وهي البعد من رحمة الله، وهي بمثابة المقاطعة والعداوة ومحبة الشر أجمعه له، وهو ضد الشفاعة والشهادة المقتضية للإشفاق والرحمة، وهي غاية ما يوده الكافر، وغاية مآله وعاقبة أمره، فكيف يجوز لمسلم وقَرَ الإيمان في قلبه، أن يحبه لأخيه، ويدعو عليه به؟! ولذا جاء في الحديث الآخر: «فكأنه قَتَلَه» قيل: لأن القاتل قَطَعَ منافعه الدنيوية وحياته فيها عنه، وهذا باللعنة سعى في قطع منافعه الأخروية وحياته في النعيم الدائم؛ بإبعاده من الجنة، وإلحاقه بأصحاب النار الْمُبْعَدِين؛ إذ هي مآل الملعونين، ودار المبعدين. إكمال المعلم (8/ 68، 69).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«لا ينبغي لصدِّيق أن يكون ‌‌لعَّانًا» الصدِّيق: من تكرر منه الصدق، واللعان: من تكرر منه اللعن، فلا تصلح هذه الحال لصاحب هذه الحال. كشف المشكل (3/ 584).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لعن المؤمن كبيرة من الكبائر؛ إذ قد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لعن المؤمن كَقَتْلِهِ».
وقوله: «لا ينبغي لصدِّيق أن يكون ‌‌لعَّانًا» صِدِّيق: فعيل: وهو الكثير الصدق والتصديق، كما قد تقرر في صفة أبي بكر -رضي الله عنه-، واللَّعَّان: الكثير اللعن، ومعنى هذا الحديث: أنَّ من كان صادقًا في أقواله وأفعاله، مصدِّقًا بمعنى اللعنة الشرعية، لم تكن كثرة اللعن مِن خُلقه؛ لأنه إذا لَعَنَ من لا يستحق اللعنة الشرعية، فقد دَعا عليه بأن يبعد من رحمة الله وجنَّته، ويدخل في ناره وسُخطه، والإكثار من هذا يناقض أوصاف الصدِّيقين، فإنَّ من أعظم صفاتهم الشفقة والرحمة للحيوان مطلقًا، وخصوصًا بني آدم، وخصوصًا المؤمن؛ فإن المؤمنين كالجسد الواحد، وكالبنيان لما تقدم، فكيف يليق أن يُدعى عليهم باللعنة التي معناها: الهلاك والخلود في نار الآخرة، فمَن كثر منه اللعن فقد سُلب منصب الصدِّيقِيَّة، ومَن سُلِبَه فقد سُلب منصب الشفاعة والشهادة الأخروية، كما قال: «لا يكون اللَّعَّانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة»، وإنما خصَّ اللَّعَّان بالذِّكْر ولم يقُل: اللاعن؛ لأنَّ الصِّدِّيق قد يلعن مَن أَمَرَه الشرع بِلَعْنِهِ، وقد يقع منه اللعن فَلْتَةً ونُدرة، ثم يُراجع؛ وذلك لا يخرجه عن الصدِّيقيَّة، ولا يُفهم مِن نِسْبَتِنَا الصديقيَّة لغير أبي بكر، مساواة غير أبي بكر لأبي بكر -رضي الله عنه- في صدِّيقيَّته؛ فإن ذلك باطل بما قد علم أن أبا بكر -رضي الله عنه- أفضل الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، على ما تقدَّم، لكن المؤمنون الذين ليسوا بِلَعَّانِين لهم حظ من تلك الصديقية، ثم هم متفاوتون فيها على حسب ما قُسِمَ لهم منها، والله -تعالى- أعلم. المفهم (6/ 579، 580).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لا ينبغي لصدِّيق» حُكْمٌ مرتَّب على الوصف المناسب؛ وذلك أن هذه الصفة تالية صفة النبوة، قال الله -تعالى-: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ النساء: 69، والأنبياء إنما بُعثوا رحمة للخلق، مقرِّبين البعيد والطريد إلى الله تعالى ورحمته، واللاعن طارد لهم، وطالبٌ لبُعْدهم منها، فاللعنة منافية لحاله. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3114).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: الزجر عن اللعن، وأنَّ مَن تخلَّق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة ... وإنما قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا ينبغي لصدِّيق أن يكون ‌لعَّانًا...» بصيغة التَّكثير، ولم يقل: لاعنًا واللَّاعِنُون؛ لأن هذا الذم في الحديث إنما هو لمن كَثُر منه اللعن، لا لِمَرَّة ونحوها؛ ولأنه يَخرج منه -أيضًا- اللعن المباح، وهو الذي وردَ الشرع به، وهو لعنة الله على الظالمين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الواصلة والواشمة، وشارب الخمر، وآكل الربا ومُوكله وكاتبه وشاهديه، والمصورين، ومن انتمى إلى غير أبيه، وتولى غير مَواليه، وغيَّر منار الأرض، وغيرهم ممن هو مشهور في الأحاديث الصحيحة. المنهاج شرح صحيح مسلم (16/ 148).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «لا ينبغي لصدِّيق أن يكون ‌‌لعَّانًا» أي: لا ينبغي لمن هذه صفته أن يجعل اللعنة شعارًا له. الفتوحات الربانية (7/ 52).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌لعَّانًا» وهو الذي يكثر اللعن على لسانه. شرح المصابيح (5/ 237).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
ولعل صيغة المبالغة فيها إيماء إلى أن الكامل من الناس قلَّ أن يخلو عن المنقصة في الكلية؛ لأن غلبة الحال قد تُحمل عليه أحيانًا. منحة العلام (10/ 269).
وقال محمد تقي العثماني -رحمه الله-:
ولعلَّ سبب هذا الحديث: ما أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان (4/ 294) رقم: (5154) عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بأبي بكر، وهو يلعن بعضَ رقيقه، فالتَفَتَ إليه، وقال: «لعَّانين وصِدِّيقين؟ ‌كَلَّا ‌وَرَبِّ ‌الكَعْبةِ» قال: فأَعْتَقَ أبو بكر -رضي الله عنه- يومئذٍ بعض رقيقه، ثم جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: لا أعُود (صححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2785)). تكملة فتح الملهم (5/313).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فينبغي بالمؤمن ألا يكون سبابًا ولا ‌لعَّانًا للمؤمنين، ويقتدي في ذلك بالنبي -عليه السلام-؛ لأن السب سبب الفرقة والبغضة، وقد منَّ الله على المؤمنين بما جمعهم عليه مِن الألفة والسلام، فقال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} آل عمران: 103 الآية، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} الحجرات: 10، فكما لا ‌ينبغي ‌سبُّ ‌أخيه ‌في ‌النسب، كذلك لا ينبغي سبُّ أخيه في الإسلام ولا مُلاحَاتِهِ، ألا ترى أن الله -تعالى- رفع معرفة ليلة القدر عن عباده، وحَرَمَهم عِلمها؛ عقوبة لِتَلاحِي الرَّجُلين بحضرة النبي -عليه السلام-. شرح صحيح البخاري (9/ 241).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فمَن لعَن مَن يستحق أن يُلعن فمُباح، ومَن لعن من لا يستحق اللعن فقد أثم، ومن ترك اللعن عند الغَضب، ولم يلعن مُسلمًا ولم يسبَّه، فذلك من عِزم الأمور. التمهيد(11/ 241).
وقال النووي -رحمه الله-:
اتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله -تعالى-، فلا يجوز أن يُبعد من رحمة الله -تعالى- من لا يُعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه، مسلمًا كان أو كافرًا أو دابة، إلا مِن عِلمنا بنصٍّ شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه، كأبي جهل وإبليس، وأما ‌اللعن ‌بالوصف فليس بحرام، كلعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصوِّرين، والظالمين والفاسقين والكافرين، ولعن مَن غيَّر مَنَار الأرض، ومن تولى غير مواليه، ومَن انتسب إلى غير أبيه، ومن أحدث في الإسلام حدثًا، أو آوى مُحْدِثًا، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف، لا على الأعيان، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (2/ 67).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فاللعنة خطرة؛ لأنه حُكم بأنه أبعد الملعون؛ وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله، ويطَّلع عليه رسوله إذا أَطْلَعه الله عليه، ويَقْرُب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر، كقولك: لا صحح الله جسمه، ولا سلَّمه الله، فإنه مذموم أيضًا. شرح سنن أبي داود (18/ 657).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان التحذير عن كثرة اللعن، وأنه ينافي صفة الإيمان...
2. ومنها: بيان أنَّ مرتبة الصديقين أرفع مراتب المؤمنين؛ حيث إنهم متَّصفون بالرحمة والشفقة على عباد الله، فلا يكونون لعَّانِين ولا طَعَّانين...
3. ومنها: ما قاله النووي -رحمه الله-: فيه: الزجر عن اللعن، وأنَّ مَن تخلَّق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة. البحر المحيط الثجاج (40/ 675-676).

اللَّعن سببٌ لحرمان الشفاعة والشهادة يوم القيامة.


إبلاغ عن خطأ