الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«مَلْعُونٌ مَن سَبَّ أباه، مَلْعُونٌ مَن سبَّ أمَّه، مَلْعُونٌ مَن ذَبح لغير الله، مَلْعُونٌ مَن غَيَّر تُخُوْمَ الأرضِ، مَلْعُونٌ من كَمَّه أَعمَى عن الطريق، مَلْعُونٌ مَن وقع على بهيمة، مَلْعُونٌ من عَمل عَمَل قوم لوط، قالها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرارًا ثلاثًا في اللوطية».


رواه أحمد برقم: (2914)، وفي لفظ له -أيضًا- برقم: (2816): «وَلَعَنَ الله مَن تَوَلَّى غير مَوَالِيْهِ»، وفي لفظ له برقم: (2916): «لَعَنَ الله مَن عَقَّ وَالِدَيْهِ»، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (5891)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2421).


غريب الحديث


«تُخُوُم»:
أي: معالمها وحدودها، واحدها: تُخْمٌ. النهاية، لابن الأثير (1/ 183).

«كَمَّه»:
عَمَّى عليه الطريق ولم يُوقِفْهُ عليه. غريب الحديث لإبراهيم الحربي (2/ 483)
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
الكَمَهُ في التفسير: العَمَى الذي يُولَدُ به الإنسان. كَمِهَ بَصَرُهُ بالكسر، كَمَهًا وهو أَكْمَه، إذا اعْتَرَتْهُ ظُلْمَةٌ تَطْمِسُ عليه. لسان العرب(13/ 536)

«مَوَالِيْهِ»:
يقال للمُعْتِق: مولى، وللمُعْتَق: مولى، وللحليف: مولى، وعصبة الرجل: مواليه، واحدهم مولى. الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، للأزهري (ص: 184).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
المَولى، له مواضع في كلام العرب:
منها: المَولى في الدِّين... وَالْمولى: العَصَبة... وَالْمولى: الحليف... والمَوْلى: المُعْتَق؛ انْتسب بنَسبك، ولهذا قيل للمُعْتِقين: المَوالِي.
... وَالْمولى: مولى النِّعمة، وهو المُعْتِق أَنعم على عَبْده بعِتْقه. وَالْمولى: المُعْتَق. تهذيب اللغة(15/ 323).

«عَقَّ»:
يقال: عقَّ والده يَعُقُّه عُقُوقًا فهو عاقٌّ، إذا آذاه وعصاه، وخرج عليه، وهو ضد البِر به، وأصله من العَقِّ: الشَّقُّ والقَطْعُ. النهاية، لابن الأثير(3/ 277).


شرح الحديث


قوله: «ملعون من سَبَّ أباه»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ملعون من سبَّ أباه» كيف وهو مأمور بألّا يقول له: (أُفٍّ)، ومأمور بأن يقول: {رَبِّ ارْحَمْهُمَا} الإسراء: 24، وسواء سبَّه بالمباشرة أو بالتسبيب كما سلف: «يَسُبّ أبا الرجل فيَسُبّ الرجلُ أباه»، وكذلك قوله: «ملعون مَن سبَّ أمه». التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 569).

قوله: «ملعون من سبَّ أمه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: صريحًا، أو تسبُبًا؛ بأن لَعَنَ والدَ أحدٍ فيسب والده، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 108، فالنهي عن السبب احتراز عن التسبب. مرقاة المفاتيح (6/ 2647).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
لأنه من أكبر كفران النعم، وأسوأ جزاء لإحسانه. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (3/ 331).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما استحق لاعِنُ أبويه لعنة الله لمقابلته نعمة الأبوين بالكفران، وانتهائه إلى غاية العقوق والعصيان، كيف لا وقد قرن الله بِرَّهما بعبادته، وإن كانا كافِرَين بتوحيده وشريعته؟ المفهم (5/ 244).

قوله: «مَلْعُونٌ مَن ذَبح لغير الله»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ملعونٌ مَن ذبح لغير الله» كالأصنام وأشباهها، ومِن ذلك الذبح للعمارات، والذبح على قبور الأولياء، وهو أعظم من الذبح للعمارات، وهل محرم؟ إذا كان أُهلَّ به لغير الله فلا كلام في حُرمته، وإنْ ذَبَحه على القبر تعظيمًا للولي فهو إهلال لغير الله، وإن أُهلَّ لله؛ لأن قصدَه تعظيم غيره بالذبح. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 569).
قال المظهري -رحمه الله-:
«مَن ذَبَحَ لغير الله» أي: ذبح باسم غير الله، كقول الكفار عند الذبح: باسم الصنم. شرح المصابيح (4/ 493).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من ذبح لغير الله» عام يشمل من ذبح بعيرًا، أو بقرة، أو دجاجة، أو غيرها. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 222).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما الذبح لغير الله فالمراد به: أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمَنْ ذبح للصنم، أو الصليب، أو لموسى، أو لعيسى -صلى الله عليهما- أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا، أو نصرانيًا، أو يهوديًا، نصَّ عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا، فإنْ قَصَدَ مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا، وذكر الشيخ إبراهيم المروزي مِن أصحابنا أن ما يُذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه أفتى أهل بُخَارَةَ بتحريمه؛ لأنه مما أهلَّ به لغير الله تعالى، قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارًا بقدومه، فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجِب التحريم، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (13/ 141).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
ما قاله الرافعي -رحمه الله- من أن هذا الذبح مثل العقيقة لا يوجِب التحريم هو الأظهر عندي، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (33/ 496).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
لهذا الذبح صورتان:
إحداهما: أن يُذبح باسم غير الله مِن صنم أو صليب، أو نبي أو ولي، أو صاحب ضريح أو غير ذلك.
والثانية: أن يُذبح باسم الله، ولكن يُقصد به التقرب إلى غير الله، وعلامة التقرب إلى ذلك الغير: ألا يكون المقصود من الذبح إطعامه، بل يكون المقصود طلب رضاه، ويأكله الآخرون، ومثال ذلك: مَن يذبح الحيوان على قبور المشايخ باسم الله؛ يريد بذلك رضاهم، ويُطْعِمه الفقراء، فهذا الحيوان وإن كان قد ذُبح باسم الله ولكنه ذُبح لغير الله، وهو حرام؛ لورود اللعن عليه، وشرك؛ لأن التقرب بذبح الحيوان عبادة، وعبادة غير الله شرك لا شك فيه. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (3/ 331).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لغير الله» يشمل كلَّ مَن سِوى الله حتى لو ذبح لنبي، أو ملك، أو جنيٍّ، أو غيرهم. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 222).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وأما لعن مَن ذبح لغير الله فإن كان كافرًا يَذبح للأصنام فلا خفاء بحاله، وهي التي أُهِلَّ بها لغير الله، والتي قال الله تعالى فيها: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام: 121 على ما تقدم.
وأما إن كان مسلمًا فيتناوله عموم هذا اللعن، ثم لا تحلُّ ذبيحته؛ لأنه لم يقصد بها الإباحة الشرعية، وقد تقدم أنها شرط في الذَّكاة، ويُتصور ذبح المسلم لغير الله فيما إذا ذبح عابثًا، أو مجربًا لآلة الذبح، أو للَّهْو، ولم يقصد الإباحة، وما أشبه هذا. المفهم (5/ 244).

قوله: «ملعونٌ من غَيَّر تُخوُم الأرضِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
أي: علامات حدودها، وظلم غيره فيها، ودخوله في ملكه، مثل قوله في الحديث الآخر: «تخوم الأرض»، وقد جاء في الوعيد في ذلك وتطويقه من سبع أرضين ما تقدم، كما قال في الحديث الآخر: «من سرق مَنَارَ الأرض»، قال أبو عبيد: وقد يكون ذلك في تغيير حدود الحرم التي حدَّ إبراهيم. إكمال المعلم (6/ 435).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«تُخُوم الأرض» أي: مَعَالمها وحدودها، والمراد تغيير حدود الحرم التي حدَّها إبراهيم، أو هو عامٌّ في كُل حدٍّ ليس لأحد أن يزوي من حدِّ غيره شيئًا. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 378).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أي: رَفَعَهَا وجعلها في أرضه، أو رَفَعَها لقطع شيء من أرض الجار إلى أرضه. شرح المصابيح (4/ 493).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
ويحتمل: أن يكون المراد غيَّر منارَ الأرض، ورَفَعَها وطمس علامات الطرق ونَصْبَها؛ ليضل الناس الطريق فيقطع. لمعات التنقيح (7/ 157).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وقد يكون أيضًا مِن الأعلام في الطُّرق التي يهتدي بها المسافرون، فلا يحل لأحد تغييرها، فيؤُول إلى إضلال الناس عن طريقهم ومقاصدهم، ومنار الطريق: أعلامها. الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 275).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
والمغَيِّر لها: إنْ أضافها إلى ملكه فهو غاصب، وإن لم يُضفها إلى ملكه فهو مُتَعدٍّ ظالم مفسِد لملك الغير. المفهم (5/ 245).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحاصل: أن هذا دليل على أن تغيير منار الأرض مِن كبائر الذنوب، ولهذا قَرَنَه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشرك وبالعقوق وبالإحداث، مما يدل على أن أمره عظيم، وأنه يجب على المرء أن يحذر منه، وأن يخاف الله- سبحانه وتعالى-؛ حتى لا يقع فيه. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 223).

قوله: «ملعونٌ مَن كَمَّهَ أعمى عن الطريق»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن كَمَّهَ أعمى عن طريق» بتشديد «كَمَّهَ»، أي: أَضَلَّه عنه، أو دَلَّهُ على غير مقصده. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 378).
وقال إبراهيم الحربي -رحمه الله-:
قوله: «مَن كَمَّهَ أعمى» أي: عمَّى عليه الطريق، ولم يُوقِفْه عليه. غريب الحديث (2/ 483).

قوله: «ملعونٌ مَن وقع على بهيمة»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وقع على بهيمة» أي: جامَعَها. فيض القدير (6/ 4).
وقال البغوي -رحمه الله-:
وقد اختلف أهل العلم في عقوبة من أتى بهيمة، فذهب أكثرهم إلى أنه يُعزَّر، قاله عطاء، والنخعي، والحَكَم، وهو قول مالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي، وأظْهَرُ قولَي الشافعي.
والقول الآخر: أنه زنا، يُرجم إن كان الفاعلُ محصنًا، وإن لم يكن محصنًا يُجلد مائة، يروى ذلك عن الحسن، وقال الزهري: يُجلد مائة أُحْصِن أو لم يُحْصن.
وقال إسحاق بن راهويه: يُقتل إن تعمد ذلك وهو يعلم ما جاء فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن درأ عنه إمامٌ القتل فلا ينبغي أن يدرأ عنه جلد مائة. شرح السنة (10/ 310).

قوله: «ملعون من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن عَمِلَ بعمل قوم لوط» من إتيان الذكور شهوة من دون النساء. وأُخِذَ من اقتصاره على اللعنة، وعدم ذكره القتل أن كلًّا منهما لا يُقتل، وعليه الجمهور، وذهب البعض إلى قتلهما؛ تمسكًا بخبر: «اقتلوا الفاعل والمفعول به»، وخبر: «مَن وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة» وفي كلٍّ مقال. فيض القدير (6/ 4).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الذَّكَر مِن الإنسان خُلق للفاعلية، والأنثى للمفعولية، ووضع فيهما الشهوة لتكثير النسل؛ بقاءً لنوع الإنسان، فإذا عكس كان إبطالًا لتلك الحكمة، وإليه أشار قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} الأعراف: 81، أي: لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داعٍ آخر، ولا ذم أعظم منه؛ لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا داعي لهم من جهة العقل ألبتة كطلب النسل والتخلي إلى العبادة ونحوه، والله أعلم بالصواب. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2526).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ومَن تأمل قوله سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} الإسراء: 32، وقوله في اللواط: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} الأعراف: 80.
تبيَّن له تفاوت ما بينهما، وأنه سبحانه نكَّر الفاحشة في الزنا، أي: هو فاحشة من الفواحش، وعرَّفها في اللواط؛ وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد، أي أتأتون الخصلة التي استقر فُحْشُها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنيَّة عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها، وهذا نظير قول فرعون لموسى: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} الشعراء: 19، أي: الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد.
ثم أكد سبحانه شأن فُحشها بأنها لم يعملها أحد من العالَمين قبلهم، فقال: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} الأعراف: 81، ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع أشد نفرة، وهو إتيان الرجل رجلًا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى، فقال: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} الأعراف: 81.
ثم نبَّه على استغنائهم عن ذلك، وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة، لا الحاجة التي لأجلها مالَ الذكر إلى الأنثى، ومِن قضاء الوطر ولذة الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها، وتذكر بَعْلَها، وحصولَ النَّسلِ الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات، وتحصين المرأة وقضاء وطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب، وقيام الرجال على النساء، وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والمؤمنين، ومكاثرة النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنبياء بأمَّته إلى غير ذلك من مصالح النكاح، والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، وتُرْبِي عليه بما لا يمكن حصر فساده، ولا يعلم تفصيله إلا الله.
ثم أكَّد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركَّبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون الذكور، فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ولهذا قَلَب الله سبحانه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، وكذلك قُلبوا هم، ونُكِّسوا في العذاب على رؤوسهم...، فتأمل هل جاء مثل ذلك أو قريب منه في الزنا؟ الجواب الكافي (ص: 170-171).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
لا خلاف بين الأمَّة أن عمل قوم لوط أعظم من الزنا. شرح صحيح البخاري (8/ 430).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولما كانت مَفسدة اللواط من أعظم المفاسد؛ كانت عقوبته في الدنيا والآخرة مِن أعظم العقوبات. الجواب الكافي (ص: 168).
وقال البغوي -رحمه الله-:
اختلف أهلُ العلم في حدِّ اللوطي، فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنا، إن كان مُحْصنًا يُرجم، وإن لم يكن مُحصنًا يُجلد مائة، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وقتادة، والنخعي، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وهو أظهر قولي الشافعي، ويحكى أيضًا عن أبي يوسف، ومحمد.
وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة، محْصَنًا كان أو غير محصن؛ لأن التمكين من الدُّبر لا يحصِّنها، فلا يلزمها به حد المحصنات، وذهب قوم إلى أن اللوطي يُرجم محصنًا كان أو غير محصن، رواه سعيد بن جبير، ومجاهد، عن ابن عباس، وروي ذلك عن الشعبي، وبه قال الزهري، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، وروى حماد، عن إبراهيم، قال: لو كان أحد يستقيم أن يُرجَم مرتين لرُجم اللوطي، والقول الآخر للشافعي أنه يُقتل الفاعل والمفعول به، كما جاء في الحديث.
وعند أبي حنيفة: يُعَزَّر، ولا يُحَدُّ، وقد روي عن جابر، وأبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في اللّواطَة: «أنه يُقتل الفاعل والمفعول به»، وقد قيل في كيفية قتلهما: هدم البناء عليهما، وقيل: رميهما من شاهق، كما فُعل بقوم لوط. شرح السنة (10/ 309-310).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أَطْبَقَ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قَتْلِه، لم يختلف منهم فيه رَجُلان، وإنما اختَلفت أقوالهم في صفة قَتله، فظنَّ الناس أن ذلك اختلافًا منهم في قَتْله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع. الجواب الكافي (ص: 170).

قوله: «قالها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرارًا ثلاثًا في اللُّوطِيَّة»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله «ثلاثًا» أي: كرَّر هذا اللفظ ثلاث مرات؛ لقبح هذا العمل وفظاعته، نعوذ بالله من ذلك. الفتح الرباني (19/ 295).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لعن الله مَن عملِ عملَ قوم لوط، لعن الله من عملِ عملَ قوم لوط، لعن الله من عملِ عملَ قوم لوط» ولم يَجِئْ عنه لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية، وأكده ثلاث مرات. الجواب الكافي (ص: 170).

قوله في لفظ: «ولعن الله مَن تولَّى غير مَوَالِيْهِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن تولى غير مواليه» أي: اتخذ غيرهم موالي ليتصل بهم ويَرثونه، ويحتمل: وليّ المملوك والأعم منه؛ كمن كان حليفًا لقوم فاتخذ غيرهم حلفًا، وخلع حِلْفَ غيرهم. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 187).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من تولى غير مواليه» أي اتخذ غيرهم وليًا يرثه ويَعْقِل عنه، وزاد في رواية تقييده بغير إذنهم، قال جمع: ولا مفهوم له بل ذُكر تأكيدًا للتحريم. فيض القدير (6/ 111).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
في هذا الحديث إنما يريد به المُعْتَق؛ وذلك إذا نَسب نفسه إلى غير مُعْتِقِه، وجعل نفسه مولى له وتَرَك ولاء صاحبه. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 153).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
التولي لغير المولى يكون بوجوه، منها: أن يكون الرجل حليفًا لقوم فيَخلع؛ ليعقده مع آخرين، فهذا حرام في الإسلام، وما كان مِن حِلْفٍ في الجاهلية فقد قرَّرته الملَّة واوثقته. عارضة الأحوذي (8/ 288).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويحتمل: أن يكون قول: «مَن تولى» شاملًا للمعنى الأعم من الموالاة، وأنَّ منها مطلق النصرة والإعانة والإرث، ويكون قوله: «بغير إذن مواليه» يتعلق بمفهومه بما عدا الميراث، ودليل إخراجه حديث: «إنما الولاء لِمَن أَعْتَقَ» والعلم عند الله تعالى. فتح الباري (12/ 43).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو تَوَلَّى غير مواليه» أي: انْتَسَب بولائه إلى غيرهم حتى صار وَلاؤُهُ معروفًا بذلك الغير. مرشد ذوي الحجا (15/ 548).

قوله في لفظ: «لَعَنَ اللهُ مَن عقَّ والديه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عقَّ والديه» إذا قَطَعَهما. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (32/ 345).
وقال المازري-رحمه الله-:
العُقُوق: قَطْعُ البِرِّ الواجب، قال الهروي وغيره: أصل العَقِّ: القطعُ والشَّقُّ، وقيل للذبيحة: عقيقة؛ لأنها يُشَقُّ حُلْقُومها. المعلم بفوائد مسلم (1/ 302).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
(أي:) عصيانهما، وهو مِن عقَّ والِده إذا آذاه أو عَصَاه، وخرج عليه، وهو ضد البِرِّ، وأصله مِن العَقِّ والقطع. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 29).
قال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«عقَّ والديه» أي: أَصْلَيْهِ، فيشمل الأجداد والجدَّات. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 144).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وعقوق الوالدين: عصيان أمرهما، وترك خِدْمَتِهِما. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 505).


إبلاغ عن خطأ