الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأجر والذِّكر، ما له؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا شيء له، ثم قال: إن الله لا يَقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِي به وجْهُهُ».


رواه النسائي برقم: (3140)، من حديث أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه-.
صحيح سنن النسائي برقم: (3140)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (52).


غريب الحديث


«غَزَا»:
غَزَا الشيء غَزْوًا: أراده وطلبه. لسان العرب، لابن منظور (15/ 123).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
غَزَا العدو يَغْزُوهم: سَارَ إلى قتالهم وانتهابهم. تاج العروس (39/ 158).

«يَلْتَمِسُ»:
تَلَمَّسَ الشيءَ: إِذا تطلَّبه. شمس العلوم، للحميري (9/ 6117).

«الذِّكر»:
الذِّكر بالكسر: الحِفظ للشيء. تاج العروس، للزبيدي (11/ 377).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: لِيُذْكَرَ بين الناس، ويُوصف بالشجاعة، والذِّكْر: الشَّرَف والفَخْرُ. النهاية (2/ 163).

«خالصًا»:
الإخلاص: في الطاعة ترك الرياء. مختار الصحاح (ص: 94).


شرح الحديث


قوله: «أرأيت رجلًا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أرأيتَ» أي: أخبرني. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/203).

قوله: «غزا يَلْتَمِسُ الأجر والذِّكر»:
قال المجددي -رحمه الله-:
‌‌
الغَزْو...: قصد القتال مع العَدو وخُصَّ في الشرع: بقتال الكفار. التعريفات الفقهية (ص: 157).
وقال المنذري -رحمه الله-:
قوله: «يلتمس الأجر والذِّكْرَ» يعني: يريد أجر الجهاد، ويريد مع ذلك أن يَذْكُره الناس بأنه غازٍ أو شِجِّيعٌ ونحو ذلك. الترغيب والترهيب (2/ 194).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يَلْتَمِس» أي: يطلب «الأجر» أي: الثواب من عند الله تعالى، «والذِّكرَ» أي: ذِكْر الناس له بالشجاعة.. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/ 203-204).

قوله: «ما له؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما له» أي: أيُّ شيء من الأجر له؟ هل يحصل له الأجر الذي أراده من الله تعالى، أم ليس له منه شيء؟ ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/ 203-204).

قوله: «لا شيء له»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا شيء له» أي: ليس له شيء من الأجر؛ لتشريكه في نيَّته. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/204).

قوله: «فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا شيء له»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأعادها ثلاث مرات» أي: أعاد المسألة الرجلُ السائلُ على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ للتأكُّد من هذا الأمر العظيم، «يقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا شيء له» أي: يجيبه -صلى الله عليه وسلم- بأنه لا شيء من الأجر الذي أَشْرَكَ معه قصدَ الذِّكْرَ بين الناس. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/204).

قوله: «إنَّ الله لا يَقْبَلُ مِن العمل»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الله تعالى لا يقبلُ» يُثِيْبُ ويكتب. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 360).

قوله: «إلا ما كان له خالصًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ما كان خالصًا» بأن لا يشرك العامل في عبادة ربه أحدًا. فيض القدير (2/ 275).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إلا ما كان خالصًا» غير مَشُوب برياءٍ ولا سُمعة. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 360).

قوله: «وابتُغِيَ به وجهُه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وابْتُغِيَ به وجهُهُ» ببناء الفعل للمفعول، أي: طلب بذلك العمل وجهَه -سبحانه وتعالى-. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/ 204).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فمن أراد بعمله الدنيا وزينتها دون الله والآخرة فحظُّه ما أراد، وليس له غيره. فيض القدير (2/ 275).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وابْتُغِيَ به وجهُه» قَصَدَ به فاعله ما أراده الله، فلا يكون خاليًا عن النية. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 360-361).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الرياء من أكبر الكبائر وأخبث السرائر شَهِدَتْ بمقْتِهِ الآيات والآثار، وتواترت بذمِّه القصص والأخبار، ومن استحيا من الناس ولم يستحي من الله فقد استهان به، وويل لمن أرضى الله بلسانه وأسخطه بجَنَانه. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 265).
قال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
قال بعض العارفين: هذا الحديث قَطَعَ ظهور العاملين ولم يبقَ لهم معه تعلُّق بعمل، وقد انكشف بالخبر والعيان أنَّ شرط العمل الإخلاص، وهذا الحديث من أقوى أدلة من قال: لا ثواب في عملٍ إلا إنْ خَلَصَ كله من الرياء، وأنه لا يُعتبر غلبة الباعث الذي عليه الإمام الغزالي. فيض القدير (2/275).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والحديث دليل على أن القتال في سبيل الله يُكتب أجره لمن قاتل؛ لتكون كلمةَ الله هي العليا، ومفهومه أن مَن خلا عن هذه الخصلة فليس في سبيل الله، وهو من مفهوم الشرط، ويبقى الكلام فيما إذا انضمَّ إليها قصد غيرها وهو المغنم مثلًا هل هو في سبيل الله أو لا؟
قال الطبري -رحمه الله-: إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضر ما حصل من غيره ضِمنًا، وبذلك قال الجمهور.
والحديث يحتمل: أنه لا يَخرج عن كونه في سبيل الله مع قصدِ التشريك؛ لأنه قد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويتأيَّد بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة:198، فإن ذلك لا ينافي فضيلة الحج، فكذلك في غيره، فعلى هذا العمدة الباعث على الفعل، فإن كان هو إعلاء كلمة الله لم يضرّه ما انضاف إليه ضِمنًا.
وبقي الكلام فيما إذا استوى القصدان فظاهر الحديث والآية أنه لا يضر إلا أنه أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيتَ رجلًا غَزَا يلتمس الأجرَ والذِّكْر ما له؟ قال: «لا شيء له» فأعادها ثلاثًا كل ذلك يقول: «لا شيء له»، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تعالى لا يُقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهُه».
قلتُ: فيكون هذا دليلًا على أنه إذا استوى الباعثان الأجر والذِّكْر مثلًا بطَل الأجر، ولعل بطلانه هنا لخصوصية طلب الذِّكر؛ لأنه انقلب عمله للرياء، والرياء مُبْطِل لما يشاركه بخلاف طلب المغنم فإنه لا ينافي الجهاد، بل إذا قصد بأخذ المغنم إغاظة المشركين والانتفاع به على الطاعة كان له أجر، فإنه تعالى يقول: {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} التوبة:120، والمراد النيل المأذون فيه شرعًا، وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبُه» قيل: القتال دليل على أنه لا ينافي قصد المغنم، القتال بل ما قاله إلا ليجتهد السامع في قتال المشركين، وفي البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «انْتَدَبَ الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسولي أن أُرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة».
ولا يخفى أن الأخبار هذه دليل على جواز تشريك النية؛ إذ الإخبار به يقتضي ذلك غالبًا، ثم إنه قد يقصُد المشركون لمجرد نهب أموالهم كما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمن معه في غزاة بدر لأخذ عِير المشركين، ولا ينافي ذلك أن تكون كلمة الله هي العليا، بل ذلك من إعلاء كلمة الله تعالى، وأقرَّهم الله تعالى على ذلك، بل قال تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} الأنفال:7، ولم يذمهم بذلك مع أن في هذا الإخبار إخبارًا لهم بمحبتهم للمال دون القتال، فإعلاء كلمة الله يدخل فيه إخافة المشركين، وأخذ أموالهم وقَطَع أشجارهم ونحوه.
وأما حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند أبي داود أن رجلًا قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضًا من الدنيا، فقال: «لا أجر له»، فأعاد عليه ثلاثًا كل ذلك يقول: «لا أجر له» فكأنه فهم -صلى الله عليه وسلم- أن الحامل هو العَرَض من الدنيا فأجابه بما أجاب، وإلا فإنه قد كان تشريكُ الجهاد بطلب الغنيمة أمرًا معروفًا في الصحابة، فإنه أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح أن عبد الله بن جحش -رضي الله عنه- قال يوم أحد: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا أُقاتله ويقاتلني ثم ارزقني عليه الصبر حتى أقتله وآخذ سلبه.
فهذا يدل على أن طلب العَرَض من الدنيا مع الجهاد كان أمرًا معلومًا جوازه للصحابة فيدعون الله بنيله. سبل السلام (2/ 464).
وقال المناوي -رحمه الله-:
نُوزعَ كثيرون في قولهم: لو أضاف إلى قصد إعلاء كلمة الله سببًا من الأسباب الدنيوية لم يضر، حيث وقع ضمنًا لا مقصودًا، وقول الآخرين: إذا كان أصل الباعث الإعلاء لا يضر العارض الطارئ. فيض القدير (2/ 275).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يمكن أن يحمل هذا على مَن قَصَدَ الأمرين معًا على حدٍّ واحد، فلا يخالف المرجح أولًا، فتصير المراتب خمسًا: أن يقصد الشيئين معًا، أو يقصد أحدهما صِرفًا، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضِمنًا، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضِمنًا، وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى، ودونه أن يقصدهما معًا فهو محذور أيضًا على ما دل عليه حديث أبي أمامة، والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفًا، وقد يحصل غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضًا.
قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصدُ إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه اهـ. فتح الباري (6/ 28-29).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
هذا يؤدي إلى أن التشريك في النية مُفْسِدٌ لها. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (2/ 244).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
وهذا الحديث يدل على أن المؤمن لا يُقبل منه عمل صالح إذا لم يَقصد به وجهَ ربه -عزَّ وجلَّ-، وهو معنى قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} الكهف:110. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/ 205).
قال العرافي -رحمه الله-:
وفي الحديث: اعتبار الإخلاص في الأعمال، وأنه لا يزكو منها إلا ما كان خالصًا لله تعالى. طرح التثريب في شرح التقريب (7/194).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفيه: بيان خطر الرياء والسمعة، وأنهما يُفسدان العمل الصالح إذ فيهما من الشرك المحبِط للعمل، كما قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} الفرقان: 23، والله تعالى أعلم.البحر المحيط الثجاج (3/345).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله-:
فإن خَالَطَ نيةَ الجهاد مثلاً نيةٌ غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نَقَصَ بذلك أجرُ جهادهم ولم يبطل بالكلية. تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص: 456).
وقال الهروي-رحمه الله-:
عن محمد بن الفضل بن سلمة قال: قلَّمَا جلسنا إلى فضيل إلا أتانا بهاتين الكلمتين: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، ولا يقبله إلا على السُّنة. ذم الكلام (ص.125).
وقال ابن تيمية-رحمه الله-:
وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان:
أحدهما: ألا نعبد إلا الله.
والثاني: ألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة.
وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، كما قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، قال الفضيل بن عياض: أَخْلَصُه وأَصْوَبُه. قالوا: يا أبا علي ما أَخْلَصُه وأَصْوَبُهُ؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة؛ وذلك تحقيق قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}. مجموع الفتاوى (1/ 333).
قال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
وفي الباب أحاديث عدة في إخلاص التوحيد والعمل، وبيان أن العمل ما لم يكن خالصًا لا يُقبل وهو شرك، وأعظم الأعمال التوحيد، ومن لم يخلص العبادة لله فعمله مردود عليه، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَمِلَ عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» أخرجه مسلم (8/223).
والعبادة تارة تكون بالجوارح -والإخلاص أمر قلبي لا يطَّلع عليه إلا الله- كالصلاة والصيام ونحو ذلك، وتارة تكون قلبية، والجوارح مُفْصِحة عن إرادة القلوب.
فإنَّ من الناس من قد يُخفي رياءه وشركه، ولا يحب أن يطلع على ذلك الناس، كالمنافق أظهر بجوارحه عبادة، وأشرك في قلبه ولم يُخْلِص.
ولكن ليس أحدٌ من الناس المنتسبين للإسلام يظهر الشرك ويبطن التوحيد، فهذا غير موجودٍ، ولا هو حقيقة، فإنَّ مَن أظهر بلسانه وعمله الشرك وترك الإخلاص فلا بد يقينًا أن يكون قلبه غير مخلص، وهذا لا مخالف فيه.
ويستثنى من ذلك: المكره بالقتل كما قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} النحل: 106، أما والمرء مختار راغب في العبادة فلا يعقل أن يُظهر لفظًا شركيًا وقلبه مخالف لفظه.
فالمظْهِر للإخلاص المبطِن خلافه منافق كالمنافقين في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمظْهِر الشرك مشرك من المشركين كالذين قاتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مشركي العرب وغيرهم. هذه مفاهيمنا (ص: 188).
وقال العراقي -رحمه الله-:
التشريك في النية مُفْسِدٌ لها، وقد ورد لكلٍّ مِن الاحتمالين ما يؤكده، فمِمَّا يؤكد هذا الاحتمال ما رواه النسائي من حديث أبي أمامة قال: «جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذِّكْرَ ما لَهُ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا شيء له» الحديث، وفيه: «إن الله لا يَقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتُغي به وجهه».
ويدل للاحتمال الأول ما رواه النسائي أيضًا من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن غزا في سبيل الله ولم يَنْوِ إلا عِقَالًا فله ما نواه». فإتيانه بصيغة الحصر يقتضي أنه إذا نوى مع العقال شيئًا آخر كان له ما نواه والله أعلم، وقد اختلف كلام أصحابنا في مواضع، وحاصل ما ذكروه: أنَّ مَن نوى مع الفرض ما هو حاصل، ولو لم ينوه، فإنه لا يضره. طرح التثريب في شرح التقريب(2/ 9).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وممن روي عنه هذا المعنى (أي الوارد في الحديث)، وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا: طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم... ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين. فإن خالط نيةَ الجهاد مثلًا نيةُ غير الرياء، مثل أخذه أجرةً للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم، ولم يبطل بالكليَّة، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ الغُزَاةَ إذا غنموا غنيمة تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجْرَهُم، فإن لم يغنموا شيئًا تَمَّ لهم أجرهم». وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أنَّ مَن أراد بجهاده عَرَضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غَرَضٌ في الجهاد إلا الدنيا. وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والْمُكَاري أجرهم على قدر ما يَخْلُصُ من نيَّتهم في غَزَاتهم، ولا يكون مثل مَن جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره. وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ، كأنه خرج لدِينه، فإن أُعطي شيئًا أخذه. وكذا روي عن عبد الله بن عمرو، قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقًا، فلا بأس بذلك، وأما إنْ أحدكم إن أُعطي درهمًا غَزَا، وإن مُنع درهمًا مكث، فلا خير في ذلك. وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى بأسًا. وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به إما عن نفسه، أو عن غيره، وقد روي عن مجاهد أنه قال في حجِّ الجَمَّال وحج الأجير وحج التاجر: هو تمام لا ينقص من أجورهم شيء، وهو محمول على أنَّ قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ودَفَعَه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟
في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجَّحَا أنَّ عَمَلَه لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيَّته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدَةً، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا». وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أُحَدِّثُ بحديثٍ وَلِي نية، فإذا أتيت على بعضه، تغيرت نِيَّتِي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات.
ولا يرد على هذا الجهاد، كما في مرسل عطاء الخراساني؛ فإن الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ، فيصير كالحج. فأما إذا عَمِلَ العمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك. جامع العلوم والحكم (1/ 81-84).


إبلاغ عن خطأ