«عليكم بالصِّدْقِ؛ فإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهدِي إلى الجنةِ، وما يزالُ الرَّجلُ يَصْدُقُ ويتحرَّى الصِّدْقَ، حتَّى يُكْتبَ عند اللهِ صدِّيقًا، وإيَّاكمْ والكذِبَ؛ فإنَّ الكذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وما يزالُ الرَّجلُ يَكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ، حتَّى يُكْتبَ عندَ اللهِ كذَّابًا».
رواه البخاري برقم: (6094) ومسلم برقم: (2607) واللفظ له، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«البِرّ»:
البر: الاتّساع في الإحسان والزيادة منه...، البِر: اسم جامع للخير كله. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (1/ 166).
وقال الفيروز أبادي -رحمه الله-:
البِر: الصِّلة، والجنَّة، والخير، والاتّساع في الإحسان. القاموس المحيط (ص: 348).
«صدِّيقًا»:
الصِّدِّيق: الكثير الصِّدق، وهو فعيل من أبنية المُبالغة. كشف المشكل، لابن الجوزي (1/ 309).
قال ابن فارس-رحمه الله-:
الصِّدِّيقُ: الملازم للصدق. مقاييس اللغة (3/ 339).
«الفُجُور»:
الانحرافُ عن الحق، والانبعاث في المعاصي والمناهي، وأصله المفارقة لأمر الله تعالى. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 62).
وقال الراغب -رحمه الله-:
«الفجور»: شَقُّ سِترِ الدّيانة، يقال: فجرَ فجورًا فهو فاجرٌ، وجمعه: فُجَّار وفَجَرة...، وسُمِّي الكاذب فاجرًا؛ لكون الكذب بعض الفجور. المفردات في غريب القرآن (ص: 626).
شرح الحديث
قوله: «عليكم بالصِّدْقِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«عليكم» مِن ألفاظ الإغراء المصرِّحة بالإلزام، فحقٌّ على كل مَن فهم عن الله تعالى أنْ يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمَن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار، وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك كله بقوله عند ذكر أحوال الثلاثة التائبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة: 119. المفهم (6/ 591).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عليكم بالصدق» عام للأقوال والأفعال، وإنْ كان في الأول أشهر، فإنه يقال: صَدَقَ في فعله، ومِكْيَالٌ صادق إذا كان وافيًا ونحوه. التنوير(7/ 300).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عليكم بالصدق» أي: الزموا الصدق، وهو الإخبار على وفق ما في الواقع. مرقاة المفاتيح (7/ 3029).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «عليكم بالصدق»...والمقصود الإغراء، والحث عليه. البدر التمام (10/ 346).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «عليكم بالصدق» يسميه أهل النحو بالإغراء، أي: الحث بشدة، الصدق في العقيدة، الصدق في القول، الصدق في العمل، فهو شامل لهذه الأقسام الثلاثة.
الصدق في العقيدة: هو إخلاص العبادة لله وحده، والبُعد عن الشرك خفيِّه وجليِّه، وكذلك اتِّباع السلف بما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات.
الصدق في الفعل: أنْ يكون مطابقًا لما جاءت به الشريعة.
الصدق في القول: أنْ يكون مطابقًا للواقع، إذا حدَّث عن شيء حدَّث عن أمر واقع لا يتغير. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 418).
قوله: «فإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى الْبِرِّ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«إنَّ الصدق يهدي» بفتح أوله من الهداية، وهي الدلالة الموصلة إلى المطلوب...، قوله: «إلى البِر» بكسر الموحدة، أصله التوسع في فعل الخير، وهو: اسم جامع للخيرات كلها، ويطلق على العمل الخالص الدائم. فتح الباري (10/ 508).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنَّ الصدق» أي: على وجه ملازمته ومداومته «يهدي» أي: صاحبه «إلى البِر» بكسر الباء، وهو جامع الخيرات من اكتساب الحسنات، واجتناب السيئات، ويطلق على العمل الخالص الدائم المستمر معه إلى الموت. مرقاة المفاتيح (7/ 3029).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: معناه: أنَّ الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، والبر: اسم جامع للخير كله. شرح صحيح مسلم (16/ 160).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الصدق هو الأصل الذي يهدي إلى البر كله، وكذلك هي الحقيقة؛ فإنَّ الرجل إذا تحرّى الصدق لم يعصِ أبدًا؛ لأنه إنْ أراد أن يشرب أو يزني أو يؤذي خاف أنْ يقال له: زنيت، أو شربت، فإنْ سكت جرَّ الريبة، وإنْ قال: لا، كذب، وإنْ قال: نعم، فسقَ وسقطت منزلته، وذهبت حُرمته. عارضة الأحوذي (8/ 143)).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فالصدق مستلزم للبِر، كما أنَّ الكذب مستلزم للفجور، فإذا وُجد الملزوم وهو تحرِّي الصدق وُجد اللازم وهو البر، وإذا انتفى اللازم وهو البر انتفى الملزوم وهو الصدق، وإذا وُجد الكذب وهو الملزوم وُجد الفجور وهو اللازم، وإذا انتفى اللازم وهو الفجور، انتفى الملزوم وهو الكذب؛ فلهذا استدل بعدم بر الرجل على كذبه، وبعدم فجوره على صدقه. مجموع الفتاوى (15/ 358)
قوله: «وإنَّ البِرَّ يهدِي إلى الجنَّةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإنَّ البر يهدي» أي: يوصل صاحبه «إلى الجنة» أي: مراتبها العالية، ودرجاتها الغالية. مرقاة المفاتيح (7/ 3029).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وإنَّ البر يهدي إلى الجنة» يعني: أنَّ الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذمة؛ وذلك سبب لدخول الجنة بفضل الله. فيض القدير (3/ 6).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«البر يهدي» -بفتح أوله- يوصل صاحبه «إلى الجنة» يعني: أنَّ الصدق الذي هو بِر، يدعو إلى ما يكون بِرًّا مثله؛ وذلك يدعو إلى دخول الجنة، فهو سبب لدخولها، ومصداقه: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} الانفطار: 13. شرح الموطأ (4/ 649).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإنَّ البر يهدي إلى الجنة» يدل عليها، ويوصل إلى حلولها، وهي غاية كل مطلوب، وقد وقع نيلها بسبب الصدق، فهو السبب الأول، وسبب السبب. التنوير (7/ 300).
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
فحقٌّ على كل مَن فهم هذا عن الله ورسوله أنْ يحترص على الصدق ويلازمه في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال. شرح سنن أبي داود (19/ 131).
قوله: «وما يَزَالُ الرَّجلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حتَّى يُكْتَبَ عندَ اللهِ صِدِّيقًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وما يزالُ الرجل يصدقُ، ويتحرّى الصدق» «ما يزال» هذه من أفعال الاستمرار؛ يعني: أنه إذا استمر يصدُق ويتحرَّى الصدق، حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا، وقوله: «يصدق» أي: يقول الصدق اليقين، «يتحرَّى الصدق» أي: يلتمس الصدق فيما يغلب على ظنه؛ لأن التحرِّي هو سلوك الطرق التي تُوصل إلى غاية الظن، «حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا» أي: يُكتب من الصدِّيقين عند الله -عز وجل-.
واعلم أنَّ الصدوق يكون مقبولًا عند الناس معتبرًا بينهم، لا يحتاجون إلى تفكير في قوله، بل يقبلونه ولا يردون شيئًا منه؛ لأنه معروف بالصدق، وهذا من الجزاء العاجل. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 418).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وما يزال الرجل» أي: الشخص «يصدُق» أي: في قوله وفعله «ويتحرّى الصدق» أي: يبالغ ويجتهد فيه «حتى يُكتب» أي: يُثبت «عند الله صدِّيقًا» بكسر الصاد، وتشديد الدال، أي: مبالغًا في الصدق...
وفي الحديث: إشعار بحسن خاتمته، وإشارة إلى أنَّ الصدِّيق يكون مأمون العاقبة، وقيل: المراد بالكتابة الحكم عليه بذلك، وإظهاره للملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في الأرض. مرقاة المفاتيح (7/ 3030).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وإنَّ الرجل ليصدُق» أي: يتكرر صدقه في أخباره، فالفعل المضارع «يصدق» يدل على التجدُّد والحدوث. فتح المنعم(10/ 94).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«يتحرَّى الصدق» يقصد إليه ويتوخاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب، حتى يكون الصدق غالب حاله، فيُكتب من جملة الصدِّيقين، ويُثبت في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب، وأصل الكَتْب: الضم والجمع. المفهم (6/ 593).
وقال النووي -رحمه الله-:
«... حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا»... قال العلماء: هذا فيه حث على تحرّي الصدق، وهو قصده والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه؛ فإنه إذا تساهل فيه كثر منه، فعُرف به، وكتبه الله؛ لمبالغته صدِّيقًا إنْ اعتاده...، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما بأن يكتبه في ذلك؛ ليشتهر بحظه من الصفتين في الملأ الأعلى، وإما بأن يُلقي ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، كما يُوضع له القبول والبغضاء، وإلا فقدرُ الله تعالى وكتابُه السابق قد سبق بكل ذلك، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (16/ 160 - 161).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا» مبالغة من الصدق في القول والفعل، وهي أعلى مراتب العباد عند الله، بعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ومنه سمي أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-. فتح القريب المجيب (11/ 687).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا» الظاهر أنَّ المراد كتابته في ديوان الأعمال في الملأ الأعلى، ويحتمل أنْ يكون المراد الحكم بالصدِّيقية، وإثبات الصفة له والمقصود إظهار ذلك في الناس، وإعلامهم له بهذه الصفة، وبهذا الاسم في قلوبهم، وعلى لسانهم، على قياس قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} مريم: 96. لمعات التنقيح (8/ 146 - 147).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا» فيكون من رفقاء النبيِّين، كما قال الله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء: 69، ولو لم يكن للصدق إلا هذا الشرف لكفاه. التنوير (7/ 300).
قوله: «وإيَّاكُم والكَذِبَ»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «وإياكم والكذب» تحذير، أي: وأحذركم الكذب. الأزهار مخطوط لوح (415).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إياكم والكذب» بالنصب على التحذير، وبفتح الكاف، وكسر الذال، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الذال، وهو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بينهما عند أهل السُّنة، والإثم في العمد. شرح سنن أبي داود (19/ 130).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وإياكم والكذب»: «إياكم» للتحذير، أي: احذروا الكذب، والكذب: هو الإخبار بما يخالف الواقع، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل، فإذا قال لك قائل: ما اليوم؟ فقلتَ: يوم الخميس، أو يوم الثلاثاء، وهو يوم الأربعاء فهذا كذب؛ لأنه لا يطابق الواقع؛ لأن اليوم يوم الأربعاء، والمنافق كاذب؛ لأن ظاهره يدل على أنه مسلم وهو كافر، فهو كاذب بفعله. شرح رياض الصالحين (1/ 295 - 296).
قوله: «فإنَّ الكذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
و«الكذب» يوصل إلى «الفجور» وأصله: الميل عن القَصد، وقيل: الانبعاث في المعاصي، ومنه قيل للفاجر: كاذب، وللمكذب بالحق: فاجر. إكمال المعلم (8/ 82).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنَّ الكذب يهدي إلى الفُجور»: بضم الفاء، أي: الميل عن الصدق والحق، والانبعاث في المعاصي، وهو أظهر للمقابلة بالبر. مرقاة المفاتيح (7/ 3030).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور» ذكر الهداية هنا على طريق المشاكلة؛ لأنه الإرشاد إلى طريق الصواب، قاله الجوهري. الكوثر الجاري (9/ 466)
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «يهدي إلى الفجور» أي: يقود إليه، ويدل عليه، والفجور اسم جامع للشر...، والكذب من صفات المنافقين، كما في الحديث الصحيح: «إنَّ المنافق إذا حدَّث كذبَ». التحبير (6/ 387).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإنَّ الكذب يهدي» من الهداية؛ أي: يُفضي ويوصل صاحبه «إلى الفجور» أي: إلى القبائح، قيل: لعل الكذب بخاصّته يفضي بالإنسان إلى القبائح، والصدق بخلافه، ويحتمل أنَّ المراد بالفجور هو نفس ذلك الكذب؛ يعني: الذنب يُكتب به؛ أي: فإنَّ الكذب يهدي بالإنسان ويوصله إلى المعاصي؛ فإنَّ الذنب يُكتب عليه بسببِه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/ 181).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور» والفجور هو الانحراف والميل عن الحق والهدى...، والكذب هو من جملة الفجور، والفجور واسع؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} الانفطار: 13-14، الفجار يكون عندهم كذب، وعندهم أمور أخرى من أنواع الفجور. شرح سنن أبي داود (567/ 19).
قوله: «وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«وإنَّ الفجور يهدي» أي: يجُرُّ «إلى النار» أي: إلى دخولها إن لم يتب، ولم يحصل عفوٌ. السراج المنير(2/ 168).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «يهدي إلى النار» أي: الفجور يوصل إلى النار؛ لأن المعاصي يقود بعضها بعضًا، وهي سبب الهلاك والورود إلى النار، قال تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} الانفطار: 14. منحة العلام (10/ 315).
وقال الشيخ مرزوق الزهراني -حفظه الله-:
قوله: «وإنَّ الفجور يهدي إلى النار»؛ لأن الفجور جِماع أعمال الشَرِّ، سواء فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين الناس، وثمرة ذلك كله النار. شرح مسند الدارمي (5/ 144).
قوله: «وما يَزَالُ الرَّجلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الكَذِبَ، حتَّى يُكْتَبَ عندَ اللهِ كَذَّابًا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بالكتابة: الحكم عليه بذلك وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في قلوب أهل الأرض، وقد ذكره مالك بلاغًا عن ابن مسعود، وزاد فيه زيادة مفيدة، ولفظه: «لا يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب، فيُنْكَت في قلبه نكتة سوداء حتى يسودَّ قلبه، فيُكتب عند الله من الكاذبين». فتح الباري (10/ 508).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» يعني: لا يزال يتكرر الكذب منه حتى يغلب عليه، وهذه الصفة ليست صفة المؤمنين، بل هي من صفات المنافقين وعلاماتهم ... وأخبر -عليه السلام- في حديث سمرة بعقوبة الكاذب الذي يبلغ كذبه الآفاق، أنه "يُشَقُّ شِدْقُه في النار، إلى يوم القيامة"، فعُوقب في موضع المعصية، وهو فمه الذي كذب به. شرح صحيح البخاري (9/ 281).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الرجل الصادق البار يظهر على وجهه من نور صدقه، وبهجة وجهه سِيْمَا يُعرف بها، وكذلك الكاذب الفاجر، وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا الأثر فيه، حتى إن الرجل يكون في صغره جميل الوجه، فإذا كان من أهل الفجور مصرًّا على ذلك يظهر عليه في آخر عمره مِن قُبح الوجه ما أثره باطنه، وبالعكس. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (6/ 489).
قال ابن القيم -رحمه الله-:
أول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده، ثم يسري إلى الجوارح فيفسد عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله، فيعمّ الكذبُ أقواله وأعماله وأحواله، فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم يتداركه الله بدواء الصدق يقلع تلك المادة من أصلها، ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها، أصلها الكذب؛ فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب، والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته؛ فما استُجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب. الفوائد لابن القيم (ص:197 - 198).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
1. الحرص على تحرِّي الصدق، والاعتناء بالاتصاف به.
2. التحذير من الكذب، والحرص على اجتنابه، والابتعاد عن الاتصاف به.
3. الإِشارة إلى أنَّ الأخلاق الكريمة يمكن اكتسابها.
4. وأنَّ الأخلاق السيئة يمكن اكتسابها كذلك.
5. وأنَّ الأخلاق الصالحة تهدي إلى الجنة
6. وأنَّ الأخلاق السيئة تسوق إلى النار. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 287).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- جزاء ترك الكذب ولو في المزاح.
- ويلٌ لمن يكذب لِيُضحِكَ القوم.