«يخرجُ قومٌ من النارِ بعد ما مسَّهُم منها سَفْعٌ، فيدخلون الجنةَ، فيُسَمِّيهم أهلُ الجنة: الجهَنَّميِّين».
رواه البخاري برقم: (6559)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له برقم: (6566)، من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-: «يخرج قومٌ مِنَ النار بشفاعة محمد -صلى الله عليه وسلم- فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ».
وفي لفظ له برقم: (7450): «لَيُصِيبَنَّ أَقوامًا سَفْعٌ مِنَ النارِ؛ بِذُنُوبٍ أَصابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ: الجَهَنَّمِيُّونَ»، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«سَفْعٌ»:
أصل السَّفْعِ: الأخذ بالناصية. غريب الحديث، لأبي عبيد (4/ 106).
وقال الصاحب ابن عباد -رحمه الله-:
سَفَعَتْهُ النار والسموم سَفْعًا: لَفَحَتْهُ، والسُّفْعُ: السُّودُ، وبه سُمِّيت الأثافي (وهي الأحجار الثلاثة التي يوضع عليها القِدْر): سُفْعًا، والسَّفَع: سُفْعَةُ سوادٍ في الخدين من المرأة الشاحبة. المحيط في اللغة (1/ 370).
«الجهَنميِّين»:
جمع: جَهَنَّميّ، وهو منسوبٌ إلى جهنم. المفاتيح، للمظهري (5/ 525).
شرح الحديث
قوله: «يخرجُ قومٌ من النارِ بعد ما مسَّهُم منها سَفْعٌ»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«يُخرَجُ قومٌ» على المجهول والمعلوم، قاله النووي فيما شرح للبخاري. الأزهار مخطوط لوح (458).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «بعد ما مسهم منها سَفْعٌ» يعني: النار، أي: سَوادٌ مِن لَفْحِهَا. مطالع الأنوار (5/ 533).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: علامة تُغيِّر ألوانهم، يقال: سَفَعْتُ الشيء إذا جعلتُ عليه علامة، يريد أثرًا من النار. النهاية (2/ 374).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
السَّفْعُ: الأخذ، وقيل: العلامة، وقيل: الأثر. الأزهار مخطوط لوح (458).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«سَفْعٌ» بمهملتين وفاء: حرارة النار، والسَّوَافِع: لَوَافِحُ السموم. اللامع الصبيح (16/ 63).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«سَفْعٌ» بمهملتين بينهما فاء ساكنة: سَواد فيه زُرقة أو صُفرة، يقال: سَفَعَتْهُ النار إذا لَفَحَتْهُ فغيَّرت لَونه. التوشيح (8/ 3886).
قوله في رواية أخرى: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«ليصيبن أقوامًا سَفْعٌ من النار» اللام جواب قَسَم مُقدَّر.
... قوله: «ليصيبن أقوامًا سَفْعٌ من النار» مجمل من وجهين:
أحدهما: في القوم أنهم من أمَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- أو من غيرهم.
والثاني: في السَّفْعِ أنه أصابهم في النار أو خارجًا منها، والرواية الثانية تبين أنهم كانوا داخلين، والثالثة أنهم من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- لا غير؛ فلذلك أوردهما الشيخ (البغوي). الأزهار مخطوط لوح (458).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-:
قوله: «بذنوب أَصابوها» أي: أن إصابتهم بسفع النار جزاء على ما اقترفوه من الذنوب عقوبة لهم». شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 195).
قوله: «فيدخلون الجنةَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فيَدخلون» بفتح الياء وضم الخاء «الجنة». شرح سنن أبي داود (18/ 331).
قوله: «فيُسَمِّيهم أهلُ الجنة: الجهَنَّميِّين» وفي لفظ: «يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فيسمِّيهم أهل الجنة الجهنميين» بالتحتيَّتين بعد الميم، ولأبي ذر بتحتية واحدة. إرشاد الساري (9/ 322).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الجهنميون: جمع: جهنَّمِي، وهو منسوب إلى جهنم، وحقه في الإعراب أن يكون بالياء؛ لأنه المفعول الثاني لقوله: «يسمَّون» لكن الرواية بالواو. المفاتيح (5/ 525).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ويسمَّون الجَهَنَّميين» بفتح الجيم، وللبخاري: «فيُسميهم أهل الجنة الجهنميين» وهذِه التسمية بالجهنميين للتَّمْييز عمن لم يدخل النار، لا لاحتقارهم والازدراء بهم، فإنَّ مثل هذا لا يحصل في دار النعيم. شرح سنن أبي داود (18/ 331).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
«فيُسميهم أهل الجنة الجهنميين» ثم يُزيل الله العلامة التي عليهم، كما جاء في بعض الروايات. الحلل الإبريزية (4/ 272).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله (في رواية عمران): «يُسَمُّون الجهنميِّين» ليست التسمية بها تنقيصًا لهم، بل استذكارًا؛ ليزيدوا فرحًا على فرحٍ، وابتهاجًا على ابتهاج؛ ولأن يكون ذلك عَلَمًا؛ لكونهم عتقاء الله تعالى. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3538).
وقال الكاندهلوي -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: وقد ورد في المشكاة برواية الخدري مرفوعًا: «يقول أهل الجنة: هؤلاء عُتقاء الرحمن» الحديث، فلا يبعد أنْ يكون التسمية بالجهنَّميين أولًا، ثم بالعتقاء، أو يكون أحدهما اسمًا، والثاني لقبًا. تحقيقه للكوكب الدري على جامع الترمذي (3/ 325).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فيسميهم أهل الجنة الجهنَّميين» سيأتي في الثامن عشر من هذا الباب من حديث عمران بن حصين بلفظ: «يخرج قومٌ من النار بشفاعة محمد، فيدخلون الجنة، ويُسَمَّون الجهنميين» وثبتت هذه الزيادة في رواية حميد عن أنس عند المصنف (البخاري) في التوحيد، وزاد جابر في حديثه: «فيُكتب في رِقابهم: عتقاء الله، فيُسَمَّون فيها الجهنميين» أخرجه ابن حبان والبيهقي، وأصله في مسلم، وللنسائي من رواية عمرو بن أبي عمرو عن أنس: «فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الله: هؤلاء عتقاء الله»، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد وزاد: «فيَدْعُون الله، فيَذهب عنهم هذا الاسم»، وفي حديث حذيفة عند البيهقي في البعث من رواية حماد بن أبي سليمان عن ربعي عنه (أي: حذيفة): «يُقال لهم: الجهنميون فذكر لي أنهم استعفوا الله من ذلك الاسم فأعفاهم»، وزعم بعض الشراح أن هذه التسمية ليست تنقيصًا لهم؛ بل للاستذكار لنعمة الله؛ ليزدادوا بذلك شكرًا كذا قال، وسؤالهم إذهاب ذلك الاسم عنهم يخدش في ذلك. فتح الباري (11/429- 430).
وقال الشيخ العباد -حفظه الله-:
«ويُسَمَّون الجهنميين» أي: أنهم كانوا في جهنم، أو جاءوا من جهنم، وهذا ليس ذمًّا لهم، وإنما نُسبوا إليها لأنهم كانوا فيها، ثم خرجوا منها، فيكون هذا الذي حصل لهم نعمة عظيمة، ومنَّة كبيرة، حيث انتقلوا من العذاب الذي في جهنم إلى النعيم الذي في الجنة. شرح سنن أبي داود (537/ 5).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
(في رواية عمران) «الجهنميين» نسبة إلى جهنم، وكأنَّ هذا الاسم يكون مدحًا لهم؛ حيث أُخرجوا من عذاب الله، وقد ثبت أنه يُخرج الله أقوامًا منها، لا بشفاعة، وأنهم يُسَمَّون عتقاء الله، وكأنَّ هذا الاسم يختص بمن يشفع لهم المصطفي -صلى الله عليه وسلم- بالإخراج منها. التنوير (9/ 214).
قوله في الرواية الأخرى: «يخرج قومٌ مِنَ النار بشفاعة محمد -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بشفاعة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-» وفي هذا رد على بعض المعتزلة من الخوارج الذين منعوا الخروج من النار بالشفاعة، وتعلقوا مذاهبهم في تخليد المذْنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} المدثر: 48، وبقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر: 18، وأجاب أهل السنة بأن هذِه الآيات في حق الكفار؛ جمعًا بين الأدلة، فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في إخراج من استوجب النار. شرح سنن أبي داود (18/ 330- 331).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فقد تواترت الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن أنه يَخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حُجة على الطائفتين الوعيدية الذين يقولون: مَن دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل مِن أهل التوحيد النار أحد أم لا؟ كما يقول ذلك طوائف من الشيعة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره.
وأما ما يُذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد فلا نَعرف قائلًا مشهورًا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول. الإيمان الأوسط (ص: 331- 334).
وقال الشيخ العباد -حفظه الله-:
وهذا الحديث من أدلة شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لأهل الكبائر من أُمَّته، كما يخرجون بشفاعة الشافعين الذين هم غير النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّ هذه الشفاعة ليست من خصائصه -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (537/ 5).
وقال الذهبي -رحمه الله-:
فشفاعته لأهل الكبائر من أمَّته، وشفاعته نائلةٌ من مات يشهد أن لا إله إلا الله. فمن ردَّ شفاعته وردَّ أحاديثها جهلًا منه فهو ضالٌ جاهل قد ظن أنها أخبار آحاد، وليس الأمر كذلك، بل هي من المتواتر القطعي، مع ما في القرآن من ذلك... فشفاعات نبينا -صلى الله عليه وسلم- سبعة:
فأولها: شفاعته الكبرى العامة في الخلائق، الخاصة به حين يرغب الخلق إليه، فيشفع في أهل الموقف؛ ليُقضى بينهم، وذلك هو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
الثانية: شفاعته إذ يسجد ويحمد ربه، ثم يقول: «أُمَّتي، فيقول الله له: أَدْخِلْ مِن أمَّتك مَن لا حِسَاب عليه الجنة من الباب الأيمن» والحديث في الصحيح.
الثالثة: شفاعته في دخول سائر أهل الجنة الجنة، كما خرجه مسلم من طريق أنس.
الرابعة: شفاعته في مَن دخل النار من أهل الكبائر. قال: «فيَحُدّ لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة» إلى أن قال في الثالثة: «يا رب، ما بقي في النار إلا مَن حَبَسه القرآن ووجب عليه الخلود».
الخامسة: شفاعته في بعض أهل النار حتى يخفف من عذابه كما في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر عمه أبا طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتي، فيُجعل في ضَحْضَاحٍ من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه».
وفي حديث العباس: «قال: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات النار، فأخرجتُه إلى ضحضاح» رواه مسلم.
السادسة: شفاعته في قوم استوجبوا دخول النار بذنوبهم، فيشفع فيهم، فلا يدخلون النار ويدخلون الجنة.
السابعة: يشفع في رفع درجات أقوام وزيادة نعيمهم، كما في حديث أم سلمة أنه -صلى الله عليه وسلم- دعا لأبي سلمة لما قُبض، فقال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين» وذكر الحديث، أخرجه مسلم. إثبات الشفاعة (ص: 20- 22).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فقد أخبرنا (أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-) في الذين أُدخلوا جهنم وإنْ كانوا لم يُولدوا فيها بما قد أطلق عليهم أنْ سُمُّوا جهنَّميين، وفي ذلك ما قد دل أنه جائز أنْ يُقال للرجل بعد انتقاله من الموضع الذي قد كان صار من أهله بإيطانه إياه (اتخاذه وطنًا): أنه من أهل الموضع الأول الذي كان به، وانتقل عنه، كما قد يقال لمن قد سكن مصر من أهل المدينة: إنه مدني، ولمن سكنها من الكوفة: إنه كوفي، كما سُمي الجهنميون في ذلك بذلك الاسم بعد أنْ صاروا من أهل الجنة، وأُخرجوا من جهنم إليها، وفيما ذكرنا من هذا كفاية عما سواه مما يُحتج به عندنا في هذا الباب. شرح مشكل الآثار (14/ 340).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه (أي: حديث عمران): إشارة إلى طول تعذيبهم في جهنم، حتى أُطلق عليهم هذا الاسم، وأَيِسَ من خروجهم، فيُخرجون بشفاعته. التيسير (2/ 318).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه (أي: حديث أنس): إخراج مَن دخل النار إرغامًا للمعتزلة والخوارج. الأزهار مخطوط لوح (458).