رأى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رجلًا مُضطجِعًا على بطنِهِ، فقال: «إنَّ هذهِ ضِجْعَةٌ لا يحبُّها اللهُ».
رواه أحمد برقم: (8041)، والترمذي برقم: (2768)، وابن حبان برقم: (5549)، والحاكم برقم: (7709)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد برقم: (1187)، عن ابنِ طِخْفَةَ الغِفَارِيِّ أنَّ أباه أخبرهُ، أنَّه كان مِن أصحابِ الصُّفَّةِ، قال: بينا أنا نائمٌ في المسجدِ من آخر اللَّيلِ، أتاني آتٍ وأنا نائمٌ على بطني، فحرَّكني برجلهِ فقال: «قُم، هذه ضجعةٌ يُبغضها اللَّهُ» فرفعتُ رأسي، فإذا النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قائمٌ على رأسي. ورواه غير البخاري.
صحيح الجامع برقم: (2270)، مشكاة المصابيح برقم: (4718).
حديث طِخْفة في صحيح الأدب المفرد برقم: (1187).
غريب الحديث
«مُضطجعًا»:
اضْطَجَعَ اضْطِجَاعًا، فهو مضطجِعٌ: نامَ، وقيل: استلقى ووضعَ جنبهُ بالأرضِ. تاج العروس، للزبيدي (21/ 398).
قال الجوهري -رحمه الله-:
ضَجَعَ الرجل، أي: وضعَ جنبه بالأرض، يضجع ضجعًا وضجوعًا، فهو ضاجِعٌ، واضْطَجَعَ مثله. الصحاح (3/ 1248).
«ضِجْعَةٌ»:
الضِّجْعَة بالكسر: من الاضطجاع، وهو النوم، كالجِلسةِ من الجلوس، وبفتحها: المرَّة الواحدة. النهاية، لابن الأثير(3/ 74).
شرح الحديث
قوله: رأى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «رجلًا مُضْطَجِعًا على بطنهِ»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
قيل: الرَّجل المضطجع على البطن هو طِخْفَة بن قيس الغفاري على ما في حديثه. الأزهار، مخطوط، لوح(508).
قوله: «فقال: «إنَّ هذه ضِجْعَةٌ لا يحبُّها اللهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- له، على ما هو الظاهر، أو لغيره إعراضًا عنه، واعتراضًا عليه؛ لكونه غير قابل للنصيحة.
«إنَّ هذه» أي: هذا الاضطجاع، وتأنيثه لتأنيث خبره، وهو قوله: «ضِجْعَة» وهي بكسر أوله للنوع، «لا يحبُّها الله»؛ لأنَّ وضع الصدر والوجه اللَّذَين من أشرف الأعضاء على الأرض إذلال في غير السجود، أو هذه الضجعة رقدة اللواطة، فالتشبيه بهم مذموم...، وفي حديث: «إنَّما هي ضجعة أهل النار»...، فقال: «إنَّ هذه ضجعة يبغضها الله» هذا آكد وأبلغ من قوله السابق: «لا يحبها الله». مرقاة المفاتيح (7/ 2980 - 2981).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«إنَّ هذه ضِجْعة لا يحبها الله» -عز وجل-... الضِّجعة بكسر المعجمة، وسكون الجيم، وبالعين المهملة، الهيئة كالجِلْسَة...، يقال: "فلان حسن الضِّجعة" فهي بالكسر، الاضطجاع: وهو وضع الجَنْبِ بالأرض، وأما بالفتح (الضَّجْعَة) فالمرَّة، ولا يقال هنا (أي: في هذا الحديث) والله أعلم. فتح القريب المجيب (12/ 283).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«إنَّ هذه ضِجْعة لا يحبُّها الله» وفي رواية: «يبغضها الله»...هذا إذا كان بين الناس، فأما إذا كان في بيته، أو في خلوته، فلا حرج عليه. عارضة الأحوذي (10/ 212).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
الاضطجاع على البطن جاء فيه أحاديث تدل على كراهته، وأنَّها ضِجْعة أهل النار، فينبغي ألا يضطجع على بطنه، أمَّا التحريم ففيه نظر، لكن أقل أحواله الكراهة؛ لأنَّه تشبُّه بأهل النار؛ لأنَّهم يُسحبون على وجوههم نعوذ بالله، فينبغي للمؤمن ألا يتشبه بهم، بل يحذر ذلك. فتاوى نور على الدرب(ص: 2128).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فما دام فيها بغض من الله فالإنسان يبتعد عنها، لكن لو أنَّ الإنسان فعل ذلك وهو نائم لا يشعر، فهو معذورٌ، حتى الانبطاح (على البطن) حال اليقظة فنفس هذه الهيئة، هي التي نهى عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (6/ 572).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
اعلم أن للناس كلام طويل في محبة الله، هل حقيقة أو مجاز؟ فالحق أنها حقيقة لا يُعلم كنهها وكيفيتها. التحبير (4/ 273).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
كثرة النوم على الجانب الأيسر مضرٌّ بالقلب؛ بسبب ميل الأعضاء إليه، فتنصب إليه المواد، وأردأ النوم: النوم على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم، وأردأ منه أنْ ينام منبطحًا على وجهه، وفي المسند وسنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: «مر النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجل نائم في المسجد منْبَطِحٍ على وجهه، فضربه برِجْله، وقال: قُمْ أو اقعد؛ فإنَّها نومة جهنَّمِية» (ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الأدب المفرد برقم: (1188)). زاد المعاد (4/ 220-221).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وهو (أي: الاضطجاع) على أربعة أنحاء:
النوم على الشق الأيمن، وهو السُّنة، والنوم على الشق الأيسر، وهو مما يستحبه الأطباء؛ لأنه أسرع لهضم الطعام، فإنْ أراد السُّنة والهضم فليضطجع على الأيمن قليلًا، وينقلب على الأيسر.
والثالث: النوم مستلقيًا على القفا ووجهه إلى السماء، وهو مباح للرجال خصوصًا للمتعبدين، قال الحليمي في المنهاج: هو مكروه للنساء؛ لأنَّ عمر بن عبد العزيز رأى ابنته نائمة كذلك فنهاها، وفي معنى المرأة الأمرد.
والرابع: النوم على الوجه، وهو مكروه. شرح سنن أبي داود (19/ 239-240).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قيل: إنَّما لا يحبها الله تعالى؛ لأنَّها إعراض عن الملائكة والملأ الأعلى، وعن الجنة، فإنَّها في السماوات، وتوجُّه إلى النار وإلى جنود إبليس ومسكنه، فإنَّها تحت الأرضين.
قيل: النوم أنواع: نومٌ على الوجه، وهو نومُ الكفار والفُسَّاق متوجه النار، ونوم على اليمين مستقبل القبلة، وهو نوم المؤمنين المخلصين، ونوم على اليسار وهو نوم المترفين، أي: المتنعمين، ونوم على القفا متوجه الجنة والملائكة مترصدين للوحي والإلهام، وهو نومُ الأنبياء والأولياء. الأزهار، مخطوط، لوح (508).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث (أي: حديث طِخْفة): دليلٌ على أنَّه لا ينبغي للإنسان أنْ ينام على بطنه، لا سيّما في الأماكن التي يغشاها الناس؛ لأنَّ الناس إذا رأوه على هذا الحال فهي رؤية مكروهةٌ، لكن إذا كان في الإنسان وجعٌ في بطنه، وأراد أنْ ينام على هذه الكيفية؛ لأنه أريح له، فإنَّ هذا لا بأس به؛ لأن هذه حاجة.
وفي هذا دليل على جواز ركضِ الإنسان بالرِّجْل، يعني نخسه بِرِجله؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فَعَل ذلك وهو أشد الناس تواضعًا، ولا يُعَدُّ هذا من الكِبْر، اللهم إلا أنْ يكون في قلب الإنسان شيء مِن كِبْرٍ، فهذا شيء آخر، لكن مجرد أنْ تركض الرَّجُل برِجْلِك لا يُعتبر هذا كِبْرًا، إلا أنَّه ينبغي مراعاة الأحوال، إذا كنتَ تخشى أنَّ الرَّجُل الذي تركضه برِجْلِك يرى أنك مستهين به، وأنَّك محتقِرٌ له فلا تفعل؛ لأنَّ الشيء المباح إذا ترتب عليه محظور فإنَّه يُمنع. شرح رياض الصالحين (4/ 343).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فيه (الحديث): تجنب الاضطجاع على البطن، والنفرة من ذلك...، فيجوز الاستلقاء في المسجد، أي: النوم على القَفا، ووضع الظهر على الأرض، ومد الرِّجْل والاتّكاء؛ للأحاديث المشهورة. فتح القريب المجيب (12/ 283).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه (أي: حديث طِخْفة): جواز تحريك الشريف الفاضل المفضولَ بالرِّجْل بلا كراهة لمهمٍ أو انبساط...، (و) يحتمل أنْ يكون ذلك لدناءة فعله؛ زجرًا، وهذا أليق بكرمه وخلقه.
(و) فيه: تصريح بِبُغْضِ تلك الضِّجْعة زيادة في الكشف والبيان، ولولا هذه (الرواية) لم يتحقق ذلك من حديث أبي هريرة السابق. الأزهار، مخطوط، لوح (509).
وقال الشيخ عبد البسام -رحمه الله-:
(فيه) إثباتُ صفة البغض لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله بدون تشبيهٍ بصفة المخلوقين، ولا تحريفٍ بتفسير البغض بالعقاب. توضيح الأحكام(1/٣٣٩)
وللفائدة ينظر فتوى اللجنة الدائمة في حكم النوم على البطن.