«نهى أنْ يُقْعُدَ بين الظِّلِّ والشَّمسِ».
رواه ابن ماجه برقم: (3722) واللفظ له، والحاكم برقم: (7714)، من حديث بريدة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (15421)، من حديث أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نَهى أنْ يجلسَ بينَ الضِّحِّ والظلِّ، وقال: مجلسُ الشيطانِ».
صحيح الجامع برقم: (6840، 6823)، سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم: (838).
غريب الحديث
«الظِّلّ»:
الظِّلُّ: ضد الضِّحِّ، وهو أعم من الفيءِ، فإنه يقال: ظِلُّ الليلِ، وظلُّ الجنةِ، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس: ظِلٌّ. المفردات، للراغب (ص 535).
وقال أبو بكر ابن الأنباري -رحمه الله-:
يقال لِمَا كانَ قبل طلوعِ الشمس: ظِلٌّ، ولِمَا كانَ بعد زوالِ الشمس: فيءٌ وظِلٌّ جميعًا، والظلُّ: معناه في اللغة: السّتر. الزاهر (2/ 68).
«الضِّحِّ»:
بالكَسْرِ: ضَوْءُ الشمسِ إذا اسْتَمْكَن مِن الأرضِ. النهاية، لابن الأثير (3/ 75).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
الضِّحُّ: الشمسُ، وقيل: ضوؤها عامَّة، وقيل: هو ضوؤها إذا استمكنَ من الأرض، وقيل: هو قرنُها يصيبُك، وقيل: كلُّ ما أصابته الشمسُ: ضِحُّ...، ومَن قال: الضِّيحُ في هذا المعنى فقد أخطأ عند أكثر أهل اللُّغَة، وإنَّما قُلنا: عندَ أكثرِ أهل اللغةِ؛ لأنَّ أبا زيدٍ قد حكاهُ، وإنَّما الضِّيحُ عند أهل اللغةِ: لغةً في الضِّحّ الذي هو الضَّوْءُ. المحكم والمحيط الأعظم (2/ 490).
شرح الحديث
قوله: «نَهَى أنْ يُقعدَ بينَ الظِّلِّ والشَّمسِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نَهى» نهي تنزيهٍ «أنْ يُقعد» بالبناء للمجهول «بين الظل والشمس». مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 86).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«نَهَى أنْ يقعدَ الرَّجُلُ بين الظلِّ والشمس»؛ لأنه ظلمٌ للبدن، حيث فاضَلَ بين أبعاضه، وهذا من كمال محبة الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام- للعدل، أنْ أَمَرَ به حتى في حق الإنسان مع نفسه. فيض القدير (6/ 342).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«نَهَى أنْ يقعد الرجلُ بين الظلِّ والشمس» يكون بعضه في هذا، وبعضه في هذا، والنوم بينهما أشد رَدَاءةً، والعلة لم تُذكر نصًّا (بل قد ذكرت نصًّا بأنه مجلس الشيطان)، ويتبع الناس عللًا تخمينية، والعلة حقيقة ما صرَّح به -صلى الله عليه وسلم-. التنوير (10/ 600).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ورَدَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- النهي عن الجلوس بين الظِّل والشمس...، بعض العلماء ذكر أنَّ مِن الحكمة في النهي هو أنَّ الدورة الدموية تنتقل من الظل البارد إلى الشمس الحارة، وهذا بلا شك يؤثر عليها تأثيرًا بالغًا أنْ تنتقل من حار إلى بارد، ومن بارد إلى حار، ثم إنه قد قال بعض العلماء أيضًا: إنَّ من المجرّب أنه يُحدث الزكام. فتاوى نور على الدرب (8/ 2).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: أنَّه لا ينبغي ولا يصلح أنْ يجلس الإنسان في ذلك المجلس لا ابتداءً ولا إذا كان عارضًا، وابتداءً أي: لا يأتي ويتعمَّد أنْ يجلس بين الشمس والظل، وإنما يكون كله في الشمس، أو كله في الظل؛ وذلك أنَّ الجسد عندما يكون على هيئة واحدة -إما حرارة أو برودة- فإنه يكون متوازنًا، وأما إذا كان بعضهُ في الظل وبعضه في الشمس؛ فإنه يتأثر بعضه فيحصل له برودة، وبعضه يحصل له حرارة، وهذا مضرٌّ، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أرشد إلى عدم فعل ذلك. شرح سنن أبي داود (548/ 20).
قوله في رواية أحمد: «نَهَى أنْ يجلسَ بينَ الضِّحِّ والظِّلِّ»:
قال المنذري -رحمه الله-:
الضَّحُّ بفتح الضَّاد المُعْجَمَة وبالحاءِ المُهْملَة، هو: ضوء الشَّمْس إذا استمكن من الأرض، وقال ابن الأعرابِي هو لون الشَّمْس. الترغيب والترهيب (4/ 29).
وقال الناجي -رحمه الله- معلقًا:
كذا وقع (بفتح الضاد) وهو خطأ بلا خلاف فيه، إنَّما هو عند أهل اللغة بكسرها على وزن الظِّل، ولعله أراد أنْ يكتب بالكسر، فسبق قلمه إلى العكس. عجالة الإملاء (ص: 483).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«نهى أنْ يجلس» مُغيَّر الصيغة «بين الضُّحِّ» بضم الضاد المعجمة (الصواب بالكسر كما سبق) وتشديد الحاء المهملة: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض، «والظِّلّ» وهو نظير... حديث: «نَهَى أنْ يقعد الرجلُ بين الظِّل والشمس». التنوير (11/ 12).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «بين الضِّحِّ» بكسر الضاد المعجمة، وتشديد الحاء: وهو في الأصل ضوء الشمس، والمراد: النهي عن الجلوس على وجهٍ يكون نصفه في الشمس، ونصفه في الظل، وقد جاء ما يدل على جوازه، فيُحمل النهي على التنزيه. حاشيته على مسند أحمد (3/487).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«نَهَى أنْ يجلس» الرجلُ أو المرأةُ «بين الضِّحِّ» ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض، «والظِّلّ» أي: يكون بعضه في الظل، وبعضه في الشمس. التيسير (2/ 479).
وقال الخادمي -رحمه الله-:
«نَهَى» عن «أنْ يجلس الرجل» وكذا المرأة مقايسة، أو مِن قبيل: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} النحل: 81، بين «الضِّحِّ» ضوء الشمس «والظل...»؛ لأنه مضرٌّ بالبدن من جهة الطب، لا من جهة أمر الدِّين، فيكون للتنزيه. بريقة محمودية (4/ 166).
قوله: «وقال: مجلسُ الشيطانِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وقال» أي: الناهي، وهو النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مجلس الشيطان» أي: ذلك، وقد نهى عن طاعة الشيطان، أو الدُّنُوّ من مجلسه. التنوير (11/ 13).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أضاف المجلس إلى «الشيطان» لأنه الباعث على الجلوس فيه، أو كَرِهَ ذلك المجلس؛ لوقوعه بين النقيضين، واحتوائه على اللَّوْنين؛ وذلك يُشْبِهُ من حيثُ الصورة مراصيد الشيطان بين الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، والذِّكْر والنسيان، مِن حيث المعنى، ومبنى القولين على الاحتمال، والحق الأبلج فيه وفيه أمثاله: التسليم لنبي الله -صلى الله عليه وسلم- في مقاله؛ فإنه يعلم ما لا يعلمُ غيره، ويرى ما لا يرى غيرُه. الميسر (3/ 1035).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: ذلك المجلس «مجلسُ الشيطانِ» الظاهر أنه على ظاهره، وقيل: إنما أضافه إليه؛ لأنه الباعث عليه؛ ليصيبه السوء، فهو عدوٌّ للبدنِ كما هو عدوٌّ للدينِ، ويدل عليه إطلاق قوله سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فاطر: 6، ويمكن أنْ تكون عداوته للبدنِ بناءً على استعانته بضعف البدَنِ على ضعفِ الدِّين. مرقاة المفاتيح (7/ 2983).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- معلقًا:
لا يخفى عليك أنَّ هذا القول يدل على أنَّ «مجلس الشيطان» هو هذا الموضع الذي هو مَجْمَعُ الظلِّ والشمس، وبرزخ بينهما، أمَّا إنْ كان كلُّه في الشمس فهو ليس كذلك، نعم قد يُكره ذلك أيضًا من جهة أنه إلقاء النفس في التَّعب والمشقة، لا من جهة أنه مكان الشيطان، حتى إنَّ الظاهر أنه لا يُكره الجلوس في شمسِ الشتاء، ويُكره فيما يكون بعضه في الشمس، وبعضه في الظل، بحكم هذا الحديث، فما ذكر في بعض الحواشي أنَّ الإضافة إلى الشيطان؛ لأنه الباعث عليه، والآمر به، ليصيبه السوء من التعب والمشقَّة، فليس بشيء، فهذا من الأسرار التي لا ينكشف إلا بنور النبوة، والسبيل في أمثاله التسليم والتفويض، وليس لأحد إلى درك كُنهه سبيل. لمعات التنقيح (8/ 74 - 75).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
وفي السنن أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «نَهَى أنْ يُجلس بين الشمس والظل، وقال: إنه مجلس الشيطان» وقد ذكروا في هذا معاني، مِن أحسنها: أنه لما كان الجلوس في مثل هذا الموضع فيه تشويهٌ بالخِلقة فيما يرى، كان يحبه الشيطان؛ لأن خِلقته في نفسه مشوَّهة، وهذا مستقِر في الأذهان؛ ولهذا قال تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} الصافات: 65...، فإنَّ النفوس مَغْرُوز فيها قُبح الشياطين، وحُسن خَلْقِ الملائكة، وإنْ لم يشاهَدوا. البداية والنهاية (1/ 145 - 146).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
«مجلسُ الشيطانِ» وقال أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: «حرفُ الظلِّ مقعدُ الشيطان»، وقال عبيد بن عمير -رحمه الله تعالى-: «حدُّ الظل والشمس مقاعد الشيطان»، وقال سعيد بن المسيب: «حرفُ الظِّل مقيلُ الشيطان» روى هذه الآثار ابن أبي شيبة. حسن التنبه لما ورد في التشبه (6/ 177).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
وهذا (أي: النهي) يُحتمل أنْ يكون أراد: كيلا يتأذَّى بحرارة الشمس. السنن الكبرى (3/ 335).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وقال: «مجلس الشيطان» فإنها تدل على أنَّ النهي تعبُّديّ، وليس كما قال البيهقي بعد أنْ ذكر حديث بريدة: يحتمل أنْ يكون أراد: كيلا يتأذى بحرارة الشمس، فإنَّ هذا التعليل لا علاقة له ظاهرة بمجلس الشيطان، والله أعلم. سلسلة الأحاديث الصحيحة (7/ 302).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قد جاء ما يشبه ذلك من حيث إنَّه لا بد من فعل أحد الأمرين، وألا يكون الإنسان بينهما، فقد جاء النهي عن أنْ يمشي الإنسان بالنعل الواحدة، وأنَّ الإنسان إذا انقطع شِسْعُهُ فإنه لا يمشي بالنعل الثانية حتى يصلحه، بل يخلع النعل الأخرى؛ وذلك حتى لا يختلف التوازن، فتكون رِجْلٌ لها وقاية، ورِجْلٌ ليس لها وقاية، ويشبه ذلك أيضًا: ما يتعلَّق بالقَزَعِ الذي هو حَلْقُ بعض الرأس، وترك بعضه، فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بحلقه كله، أو تركه كله، فهذان مثالان يشبهان ما جاء في الحديث...، وهو الجلوس بين الظل والشمس، وأنَّ الإنسان ينبغي أنْ يكون كله في الظل، أو كله في الشمس. شرح سنن أبي داود (548/ 20).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
النوم في الشمس يثير الداء الدفين، ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء...، وفي سنن ابن ماجه وغيره من حديث بريدة بن الحصيب أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «نَهَى أنْ يقعد الرَّجُل بين الظل والشمس» وهذا تنبيه على منع النوم بينهما. زاد المعاد (4/ 348 - 349).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الجلوس بين الشمس والظل منهيٌّ عنه، سواء في الصلاة أو غير الصلاة، حتى لو نُمْتَ وجعلتَ رأسك مثلًا في الشمس، ورِجْلَيك في الظلال أو بالعكس، فقد نُهي عليه، لكن لو فُرض أَنك قائم تصلي، والظل يمتد حتى كنت بين الظل والشمس، فالظاهر -إن شاء الله- أنَّه لا شيء فيه؛ لأنَّك لم تتعمَّد الجلوس بين الظل والشمس. لقاء الباب المفتوح (203/ 20).
وسُئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد -حفظه الله-:
إذا كان يصلي وصار بين الظل والشمس، فهل يتحرك أو يكمل صلاته؟
فأجاب: إذا كان يصلي وأثناء ذلك جاءت الشمس، أو جاء الظل، فإنْ كان مُطِيلًا للصلاة، ويقرأ كثيرًا في صلاته، فإنه يتقدَّم أو يتأخر حتى يكون كله في الظل أو كله في الشمس، وإذا كانت صلاته ليست طويلة، وإنما يصلي ركعتين ركعتين، ويخفف في صلاته، فإنه إذا أنهى الركعتين يتحول. شرح سنن أبي داود (548/ 26).
وقال عبد الله بن مانع الروقي -حفظه الله-:
مسألة: هل النهي عن الجلوس بين الشمس والظل للكراهة أو التحريم؟
الذي يظهر لي أنَّه يُكره كراهية شديدة، أو يحرم لأمور:
أولًا: نسبته إلى الشيطان...
ثانيًا: أنه يضُرُّ بالجسم، خصوصًا إذا اعتاده الإنسان...
ثالثًا: وأيضًا فهو منافي للعدل بين الجوارح، فإما أنْ يكون جميع البدن في الشمس، أو في الظِّل، وهذا من كمال الشريعة؛ ولهذا نُهي عن المشي في نعل واحدة، كما في الصحيحين...، وجاءت تسمية مشية الذي ينتعل بنعل واحدة أنَّها مشية الشيطان، كما أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار...، ووقفتُ على تقرير طبي نصه: أَمْرُ البدن لا يستقيم إلا إذا سار العضو على وتيرة واحدة في جميع أعضائه، ففي وضع الشمس هناك الأشعة الحمراء التي تسخن الأعضاء، والأشعة دون البنفسجية التي تُصْبِغُ الجلد وتُحَمِّرُه، فإذا حصل ذلك في جزءٍ من البدن دون الجزء الآخر، ودونما حاجة إلى ذلك، تُشَوِّشُ الدوران، واضطربت وظائف الأعضاء، وهذا ما يحصل عند الجلوس أو النوم بين الظل والشمس، فالحكمة من هذا أنه مُشابه للشيطان، وأنه خروج عن الاعتدال...
مسألة: هل هذا يشمل الجالس في مجلس يجب عليه الجلوس فيه، كالجالس لخطبة الجمعة؟
نعم، هذا يَشمل كل جلوس، سواء كان هذا الجلوس جلوسًا واجبًا، أو جلوسًا مستحبًا، أو جلوسًا مباحًا، فإنه يتحوَّل، ويكون هذا من الأمر الشرعي، فيتحول إذا قلصَ عنه الظل في مسجد مكشوف، أو في خارج المسجد، فيتحول قدر الاستطاعة. اللباب شرح فصول الآداب (ص 341 - 344).
وسُئل الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هل يُقاس المشي بين الظِّل والشمس على الجلوس بينهما؟
فأجاب: لا يقاس، فإنْ كان إنسانٌ يمشي بين الظِّل والشمس فلا يقاس عليه؛ لأنَّ هذا ليس جلوسًا، وإنَّما هو مرور ومشي، فإذا كان الطريق بين الظِّل والشمس، فلا يبتعد عنه الناس، ويذهبون يمينًا ويسارًا، ويتركونه خاليًا. شرح سنن أبي داود (548/ 27).
وينظر الرواية الأخرى: بيان معنى أن الجلوس بين الظل والشمس مجلس الشيطان .