الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«يُوشِكُ الأُممُ أن تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: ومِن قِلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِن صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ في قلوبكم الوَهْنَ، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْنُ؟ قال: حبُّ الدنيا، وكراهيَّةُ الموت».


رواه أحمد برقم: (22397) وأبو داود برقم: (4297) واللفظ له، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (9887) عن ثوبان -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (8183)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (958).


غريب الحديث


«تدَاعَى»:
يقال: ‌تَدَاعَى عليهم العَدُوُّ مِن كلِّ جانبٍ: أي: أَقْبَل. العين، للفراهيدي (2/ 221).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: اجتَمَعوا، ودعا بعضهم بعضًا. النهاية (2/ 120).

«الأَكَلَة»:
‌الأكلة:...جمع آكِل. مجمع بحار الأنوار، للفتني (2/ 177).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ولو رُوي «الأكَلَة» بفتحتين، على أنَّه جمع آكل، اسم فاعل؛ لكان له وجهٌ وجيهٌ. مرقاة المفاتيح (8/ 3366).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
قلتُ: قد رُوي بفتحتين أيضًا، كما عرفت، والمعنى: كما يَدعُو أَكَلة الطعام بعضهم بعضًا. عون المعبود (11/ 272).

«قَصْعَتِها»:
‌‌القَصْعَة: الصَّحْفة، أو الضخمة منها، تُشْبِع العَشَرة. تاج العروس، للزبيدي (22/ 17).
قال الصفدي -رحمه الله:
القَصْعة تُشْبِع العَشَرة، والصَّحفة تُشْبِع الخمسة، والمِئْكلة للرَّجُلين والثلاثة، والصّحيفة للرّجُل الواحد، وتجمع ‌القَصْعَة على قِصاع، مثل: كَلْبَة وكِلاب. تصحيح التصحيف (ص: 423).

«غُثاءٌ»:
الغُثَاءُ: ما عَلَا السَّيل مِن الزَّبَد. تحفة الأريب، لأبي حيان (ص: 242).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
الغين والثاء والحرف المعتل: كلمة تدلُّ على ارتفاع شيء دنيء فوق شيء (خير منه)، من ذلك الغثاء: غُثاء السَّيل. معجم مقاييس اللغة (4/ 413).

«الوَهْنَ»:
‌الوَهْنُ: الضَّعف في العمل، وفي الأشياء. العين، للفراهيدي (4/ 92).
قال الحربي -رحمه الله-:
الوهْنُ: الضَّعْفُ، قال زكريا -عليه السلام-: {رَبِّ إِنِّيْ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّيْ} مريم: 4، أي: ضَعُفَ. غريب الحديث (3/ 1056).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «يُوشِك الأُمَم أنْ تَدَاعَى عليكم»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يوشَك» أي: يَقْرُبُ «أن تَداعَى عليكم» أصله: تتداعى، فحُذفت تاء الاستقبال؛ يعني: سيجتمع أعداؤكم على محاربتكم، ويغلبوا عليكم، تَدَاعَى القوم: إذا أَقْبَلُوا على شيء، وتَدَاعَت الحِيْطَان: إذا تساقطت. المفاتيح (5/ 335).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
تداعِي الأمم: اجتماعُها، ودعا بعضها بعضًا حتى ‌تصير ‌العرب بين الأمم كالقصعة والأَكَلَة. التذكرة (ص: 1161).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أن تَدَاعى» على بناء المفعول أو الفاعل، أي: تدعو بعضها بعضًا، «عليكم» أي: لِحَرْبِكم وقِتَالكم. فتح الودود (4/234، 235).

قوله: «كما تَدَاعَى الأَكَلَة إلى قَصْعَتِها»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
يريد أنَّ فِرَقَ الكُفر وأممَ الضلالة يُوشك أن تَتَدَاعى عليكم بعضهم بعضًا؛ ليُقَاتلوكم، ويَكْسِروا شَوكتكم، ويغلبوا على ما مَلَكْتُمُوه مِن الديار والأموال، كما أن الفئة الآكِلة يتداعى بعضهم بعضًا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير ما بأس ولا مانع، فيأكلونها عفوًا صفوًا فيُفرغوا ما في صحفتكم من غير تعب ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأس يمنعهم، والرواية في «الآكلة» بالمد على نعتِ الفئة أو الجماعة، أو نحو ذلك، كذا رُوي لنا عن كتاب أبي داود. الميسر (3/ 1125).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«الأَكَلَة» بفتح الهمزة والكاف: جمع آكِلٍ بالمدِّ، كذا قال بعضهم: إنَّه الرواية، مثل: كَمَلَةٌ، جمع كامل، وبَرَرَةٌ جمع بَارّ، ولعله مُطَّرِدٌ في جمع "فاعل"، «إلى قَصعتها» بفتح القاف، فيقال: القصعة لا تُكسر، والجِراب لا يُفتح، والمراد أن الأُمَم يدعو بعضهم بعضًا إلى هذه الأمَّة، كما يدعو الآكلون بعضهم بعضًا إلى الأكل من القصعة الموضوعة؛ لأكل ما فيها. شرح سنن أبي داود (17/ 101).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
والضمير في «قصعتها» للأكلة. الأزهار مخطوط لوح (440).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«الأَكَلَة» جمع آكل، ككَاتِبٍ وكَتَبَة، «على قصعتها» أي: على الطعام الذي يحيط به الأكلة ويتناولونه، ويكون شأن المسلمين مثل ذلك الطعام الذي تَداعى عليه أَكَلَتُه. شرح سنن أبي داود (483/ 19).
وقال الشيخ عمر الأشقر -رحمه الله-:
قد وقع هذا عبر التاريخ أكثر من مرة: عندما تداعت الأمم الصليبية إلى غزو هذه الأمَّة، ومرة أخرى عند اجتياح التتار العالم الإسلامي، ولكن هذه النبوءة تحققت في القرن الأخير بصورة أوضح، فقد اتفق الصليبيون واليهود والملاحدة على هدم الخلافة الإسلامية، ثم جزَّؤوا الديار التي كانت تحكمها، وتقاسموا ديار المسلمين فيما بينهم، وأعطوا فلسطين لليهود، وأصبح المسلمون أضيع مِن الأيتام على مأدبة اللئام، ولا تزال قوى الشر إلى اليوم متداعية لتدمير هذه الأمة، وامتصاص خيراتها، ونهب ثرواتها، وإذلال رجالها، والأمَّة الإسلامية خانعة ذليلة، لم تُغْنِ عنها كثرتها، غثاء ‌كغثاء ‌السيل، وعِلَّتها كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «الوَهْن؛ حب الدنيا، وكراهية الموت». القيامة الصغرى (ص: 185).

قوله: «فقال قائل: ومِن قِلَّةٍ نحن يومئذ؟»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ومِن قِلَّةٍ» خبر مبتدأ محذوف، و«نحن يومئذ» مبتدأ وخبر، صفة لها، أي: ذلك التداعي لأجل قِلَّةٍ نحن عليها يومئذ؟. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3394).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال قائل» من الحاضرين: «ومِن قِلَّة» أهل الإسلام «نحن يومئذ؟». شرح سنن أبي داود (17/ 101).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقال قائل: ومِن قِلَّةٍ نحن» يتداعى علينا «يومئذ؟». شرح المصابيح (5/ 468).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فقال قائل: ومِن قِلَّةٍ نحن يومئذ؟» كأنه قال على طريق الاستفهام، أي: ذلك مِن قِلَّةٍ نحن عليها يومئذ؟ ويحتمل أن يكون «مِن» بمعنى "في"، فيكون خبرًا لـ«نحن»، و«يومئذ» متعلق بالخبر. لمعات التنقيح (8/ 565).

قوله: «قال: بل أنتم يومئذ كثيرٌ، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاء السَّيْل»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«ولكنكم غثاء كغثاء السيل» الغُثاء: بالضم والمد، وبالتشديد أيضًا: ما يحتمله السيل مِن القماش، شبَّههم بذلك؛ لقلة غنائهم، ودناءة قَدْرهم، وخفة أحلامهم. الميسر (3/ 1125).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الغثاء» بالمد: ما يَحْمِلُه السَّيْلُ، وكذلك الغُثَّاء بالتشديد، والجمع: الأغثاء، والمعنى: ولكنكم تكونون متفرقين، ضعيفي الحال، خفيفي العقل، دنِيِّي القَدْر، كغثاء السيل. تحفة الأبرار (3/ 313).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
«كغثاء السيل» ما يَقذف به على جانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش. التذكرة (ص1161).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ولكنكم غثاء»... يعني: لا يكون لكم قوة وشجاعة، بل تخافون من الأعداء. المفاتيح (5/334، 335).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولكنكم يومئذ غثاء»... كقوله تعالى: {غُثَاءً أَحْوَى} الأعلى: 5، وهو ما يبقى فوق السيل، يحمله مِن الزَّبَد والوَسخ والبزورات والهشيم، فشبَّه -صلى الله عليه وسلم- أراذل الناس، وسقَطَهم الذين يكونون في ذلك الزمان بغثاء السيل، الذي يحمله إذا جرى مما لا ينتفع به، كما لا يُنتفع بأراذل ذلك الزمان. شرح سنن أبي داود (17/ 101).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ولكنكم غثاء» الغثاء ممدودًا كغُراب، وزنًا. لمعات التنقيح (8/ 565).
‌وقال علي الحمد الصالحي -رحمه الله-:
«كغثاء ‌السيل» لأن الغثاء المعروف لا يكون منه أي: مقاومة أو دفاع، ولا وزن له ولا قيمة. البيان - مقدمة لكشف الشبهات (ص: 6).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وحيث كان الناس في هذا الزمان بالعكس (أي: بعكس قِلَّة الأولين) فهم كثرة كاثرة، ولكنهم غثاء كغثاء السيل، كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان شأنهم أنهم يخافون من الكفار، والكفار لا يخافون منهم. شرح سنن أبي داود (289/ 12).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
‌
«كغُثاء ‌السيل» يجري بهم التيار قهرًا، لا يملكون تقدمًا ولا تأخرًا، لو هبَّت الريح لمزَّقَتهم، ولو استقبلهم أصغر العِيْدَان لفَرَّقَهم. الضياء اللامع (2/ 301).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
لماذا المسلمون اليوم هم كما أخبرهم نبيهم -صلى الله عليه وآله وسلم-، هم «غثاء كغثاء السيل»؟ الأمر في فهمي وعلمي الذي قدِّر لي يعود إلى أمرين اثنين: أحدهما: يتعلق بالعلم، والآخر: يتعلق بالعمل.
فقد انحرف المسلمون عن كلٍّ من الأمرين المذكورَين: عن العلم النافع، وعن العمل الصالح، فينبغي أن نعلَم علمًا يقينيًّا حقيقة العلم النافع، وحقيقة العمل الصالح؛ لأن هذه المعرفة هي التي ستجعل المسلمين خلاف ذلك الوصف المذكور في حديث الرسول -عليه السلام- آنفًا، وهذه المعرفة ستجعلهم يتمثَّلون بالحديث الآخر الصحيح الذي قال فيه -صلى الله عليه وآله وسلم-: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائر الجسد بالسهر والحمى». جامع تراث الألباني (1/ 485).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«قال لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء ‌كغثاء ‌السيل» يعني: هذه الكثرة لا قيمة لها، والسبب في ذلك: هو عدم القيام بما أوجب الله -عز وجل- على المسلمين من إظهار الدين، فتغلَّب عليهم الأعداء، وأصاب المسلمين مِن أعدائهم الذلُّ بعد أن كان الكفار يهابون المسلمين، وهذا الحديث منطبق تمامًا على هذا الزمان، والمسلمون اليوم عددهم كثير جدًّا، ولكنهم مشتغلون بالدنيا، وحريصون على الدنيا، وخائفون من الموت، فصاروا يخافون من أعدائهم، وأعداؤهم لا يخافون منهم.
لكن لا يعني هذا أنه ما حصل إلا في هذا الزمان، فقد يكون حصل في الماضي، وكذلك يحصل في المستقبل، لكنَّ المشاهَد الْمُعَايَن اليوم أنه حاصل. شرح سنن أبي داود (483/ 19).

قوله: «وَلَيَنْزِعَنَّ الله من صدور عدوِّكم المهابة منكم»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولينزعنَّ» أي: واللَّه ليُخْرِجَنَّ «اللَّه مِن صدور عدوكم المهابة» يعني: الإجلال والتعظيم والخوف الذي كان في قلوب العدو «منكم»، والرعب الذي كان يصدع قلوبهم ويُرْهِبها. شرح سنن أبي داود (17/ 102).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«المهابة» أي: الخوف والرعب «منكم» أي: مِن جهتكم. مرقاة المفاتيح (8/ 3366).

قوله: «وَلَيَقْذِفَنَّ الله في قلوبكم الوَهْنَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وليقذفنَّ» اللَّه تعالى «في قلوبكم الوهن» وهو: الضعف، يعني: ضعف القلب، والجبن عن قتال الكفار، والفشل. شرح سنن أبي داود (17/ 102).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وليقذفنَّ» أي: لَيَرْمِيَنَّ «في قلوبكم الوهن» أي: الضَّعف. شرح المصابيح (5/ 468).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
أراد بـ«الوهن» ما يُوجِبُه؛ ولذلك فُسِّر بحب الدنيا، وكراهة الموت، والله أعلم. تحفة الأبرار (3/ 313).

قوله: «فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْنُ؟ قال: حبُّ الدنيا، وكراهيَّةُ الموت»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
قول القائل: «وما الوهن؟» سؤال عن نوع الوهن، أو كأنه أراد: مِن أيِّ وجه يكون ذلك الوهن؟ فقال: «حُبُّ الدنيا» يريد: أن حب البقاء في الدنيا، وكراهية الموت يدعوهم إلى إعطاء الدَّنيَّة في الدِّين، واحتمال الذل عن العدو، نسأل الله العافية، فقد ابتُلينا به، وكنا نحن المعنِيِّين بذلك. الميسر (3/ 1125).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال قائل» من الحاضرين، يحتمل أن يكون هو القائل الأول، أو غيره: «وما الوهن؟» أي: وما سبب هذا الوهن الذي يحصل للمسلمين؟ «قال»: سببه «حب الدنيا، وكراهية الموت»؛ لأن مَن أحب الدنيا، وركن إلى مساكنها وملابسها وشهواتها، كَرِهَ مفارقة ذلك، وكان ذلك سببَ كراهية حلول الموت بساحته؛ فإنه قاطع للذاته، مُفَرِّق بينه وبين أحبابه، فجُبِنَ بذلك عن القتال المؤدِّي إلى إزهاق روحه، ومتى قَلَّلَّ مِن الدنيا، واستعمل فيها الخشونة هان عليه الموت، فأحبَّ لقاء اللَّه. شرح سنن أبي داود (17/ 102).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: حب الدنيا، وكراهة الموت» وهما متلازمان، فكأنهما شيء واحد، يدعوهم إلى إعطاء الدَّنِيَّة في الدِّين مِن العدو المبين. مرقاة المفاتيح (8/ 3366).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟» ليس السؤال عن نفس الوهن، بل عن سببه وموجبه، «قال: حبُّ الدنيا، وكراهية الموت»؛ فإنهما يدعوانكم إلى احتمال الذلِّ مِن العدو، ووقوع الوهن في قلوبكم. شرح المصابيح (5/ 468).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
فليس يخفى على كل مسلم عاقل: أنَّ حُبَّ الدنيا رأس كل خطيئة، وأنه سبب كل معصية وبليَّة، كيف لا! وهو الذي يحمل الناس على الشحِّ بالمال والنفس التي تجاهدها بالإنفاق بالمال العزيز لديها، وبالنفس التي هي أعز من المال؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: «اتقوا الشُّحَّ؛ فإن الشُحَّ أهلك من كان قبلكم، حَمَلَهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم». جامع تراث الألباني (2/ 90).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هذا الوهن الذي ورد في الحديث إنما نشأ عن الجهل الذي صاروا به غثاء ‌كغثاء ‌السيل، ما عندهم بصيرة بما يجب عليهم؛ بسبب هذا الجهل الذي صاروا به بهذه المثابة.
فقد سيطر الوهن عليهم، واستقر في قلوبهم، ولا يستطيعون الحراك إلى المقامات العالية، والجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته؛ لأن حبهم للدنيا وشهواتها من مآكل ومشارب وملابس ومساكن وغير ذلك أقعدهم عن طلب المعالي، وعن الجهاد في سبيل الله؛ فيخشون أن تفوتهم هذه الأشياء، وكذلك أوجب لهم البخل، حتى لا تُصرف الأموال إلا في هذه الشهوات، وأفقدهم هذا الجهل القيادة الصالحة المؤثرة العظيمة التي لا يهمها إلا إعلاء كلمة الله، والجهاد في سبيل الله، وسيادة المسلمين، وحفظ كيانهم من عدوهم، وإعداد العدة بكل طريق، وبكل وسيلة لحفظ دِين المسلمين، وصيانته وإعلائه، وحفظ بلاد المسلمين ونفوسهم وذرياتهم عن عدوهم. مجموع الفتاوى (5/106، 107).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
في هذا الحديث: بيان مرض من الأمراض التي ستصيب المسلمين، ويكون ذلك سببًا أو سنة كونية شرعية في آن واحد، أن يتسلط على المسلمين الأعداء، وأن يهجموا عليهم من كل صَوْبٍ، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، أقول: في هذا الحديث بيان مرض من الأمراض التي تؤدي بالمسلمين إلى هذا الوضع الْمَشِين، ألا وهو: «حبُّ الدنيا، وكراهة الموت»، وهذا له عُلقة بما قلت آنفًا من أنه لا بد من "التصفية والتربية"، والشطر الثاني من هذه الكلمة يعني: أنه لا بد من تربية المسلمين اليوم تربية على أساس ألا يُفْتَنوا كما فُتِن الذين مِن قبلهم بالدنيا...جامع تراث الألباني (2/107، 108).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: خبر عن ضعف هذه الأمَّة وعجزهم، وقوة الكفار وشوكتهم، وإبطال شوكة المسلمين، وأنَّ ذلك يكون بسبب حبهم الدنيا، وكراهة الموت، وإعراضهم عن الجهاد والقتال مع الكفار. الأزهار مخطوط لوح (440).  


إبلاغ عن خطأ