السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«يَخْرُجُ من النار أربعة، فيُعرضون على الله، فَيَلْتَفِتُ أحدُهم، فيقول: أي ربِّ، إذ أخرجتني منها فلا تُعِدْنِي فيها، فيُنجِّيه الله منها».


رواه مسلم برقم: (192) واللفظ له، وأحمد برقم: (14041)، ولفظه: «فَيُعْرَضُونَ على اللهِ، ثم يُؤْمَرُ بهم إلى النَّارِ فَيَلْتَفِتُ أحدُهم...»، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
وراه ابن حبان برقم (632) بلفظ: «يخرج رَجلان من النار، فيُعْرَضَان على الله، ثم يُؤمر بهما إلى النار، فَيَلْتَفِتُ أحدُهما فيقول: يا ربِّ، ‌ما ‌كان ‌هذا ‌رجائي، قال: وما كان رجاؤك؟ قال: كان رجائي إذا أخرجتني منها ألا تُعيدني، فيرحمه الله، فيدخله الجنة».
التعليقات الحسان برقم: (631).
قال محققو المسند (21/ 435): إسناده صحيح على شرط مسلم. 


شرح الحديث


قوله: «يَخْرُجُ من النار أربعة»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«يَخرج من النار أربعة» أي: أربعة رجال. شرح المصابيح (6/ 82).
وقال ابن الملك (والد السابق شارح المصابيح) -رحمه الله-:
«يَخرج من النار أربعة» وهم الآخرون خروجًا منها. مبارق الأزهار (2/649).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«يخرج» على المجهول والمعلوم، والمجهول أقوى. الأزهار مخطوط لوح (458).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال: «يَخرج» بالبناء للفاعل، و«أربعةٌ» فاعله، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و«أربعة» نائب فاعله «من النار أربعة»، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، ولفظه: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يخرج رجلان من النار، فيُعْرَضَان على الله، ثم يؤمَر بهما إلى النار، فيَلتفت أحدهما، فيقول: يا رب ما كان هذا رجائي، قال: وما رجاؤك؟ قال: كان رجائي إذ أخرجتَني منها ألا تعيدني، فيرحمه الله، فيدخله الجنة».
وأخرجه البغوي في شرح السنة من رواية حماد بن سلمة عن ثابت وأبي عمران الجوني عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يخرج قومٌ من النار -قال أبو عمران: أربعة، وقال ثابت: رجلان- فيُعْرَضون على ربهم» الحديث، فتبين بهذه الرواية أن الذي وقع عند المصنف هنا بلفظ أربعة، هو رواية أبي عمران.
(و) لم يذكر في هذا الحديث مآل غير هذا الرجل الواحد الذي أدخله الله الجنة، هل دخلوا الجنة أم لا؟
وقد أخرج الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ رَجُلَين ممن دخل النار اشتد صياحهما، فقال الرب -عز وجل-: أخرجوهما، فلما أُخرجا قال لهما: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعَلْنَا ذلك لترحمنا، قال: إنَّ رحمتي لكُمَا أن تَنْطَلِقَا فتُلْقِيَا أنفسكما حيث كنتما من النار، فينطلقان، فيُلقي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه بردًا وسلامًا، ويقوم الآخر، فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب -عز وجل-: ما منعك أن تلقي نفسك، كما أَلقى صاحبك؟ فيقول: يا رب إني لأرجو ألا تعيدني فيها بعدما أخرجتني، فيقول له الرب: لك رجاؤك، فيَدخلان جميعًا الجنة برحمة الله» قال أبو عيسى: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأنه عن رشدين بن سعد، ورشدين بن سعد هو ضعيف عند أهل الحديث، عن ابن أنعم، وهو الإفريقي، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث. انتهى.
فلو صح هذا الحديث لتَبَيَّن أن الرجل الآخر أيضًا دخل الجنة، إلا أنه ضعيف، كما قال الترمذي، فالله تعالى أعلم بأحوال عباده. البحر المحيط الثجاج (5/ 297- 298).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌يخرج ‌من ‌النار ‌أربعة» لعل هذا الخروج -والله أعلم- بعد الورود المعنى بقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} مريم: 71.
وقيل: معنى الورود الدخول فيها وهي خامدة، فيَعْبُرها المؤمنون، وتنهار بغيرهم، وإليه الإشارة بقوله في الحديث الذي يليه: «يَخْلُصُ المؤمنون من النار، فيُحبَسُون على قَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار، فيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا».الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3539).

قوله: «فيُعْرَضُونَ على الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيعرضون على الله» -سبحانه وتعالى-؛ إظهارًا لمنِّه وفضله عليهم. الكوكب الوهاج (5/ 40).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فيُعْرَضُون على الله» ببناء الفعل للمفعول، يقال: عَرَضْتُ الشيء على فلان: إذا أَرَيْتُهُ إيَّاه. البحر المحيط الثجاج (5/ 297- 298).

قوله: «ثم يُؤْمَرُ بهم إلى النَّارِ»:
قال شبير العثماني -رحمه الله-:
قوله: «فيعرضون على الله تعالى» إلخ، وفي المشكاة من رواية المؤلف (مسلم): «فيُعْرضون على الله تعالى، ثم يؤمر بهم إلى النار» يعني: يُقال لهم: انطلقوا فأَلْقُوا أنفسكم حيث كنتم من النار، والله أعلم. فتح الملهم (2/355-356).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ثم يؤمر بهم إلى النار» لعل ذلك لإظهار الامتنان والامتحان، وذكر حال أحدهم وترك أحوال الآخرين مقايسة، والظاهر: أنَّ ذكر الأربعة على سبيل التمثيل والتقدير، والمراد الجماعة (كذا قال وهو خروج عن الظاهر بلا مبرر ولا دليل). لمعات التنقيح (9/ 87).

قوله: «فيلتفت أحدهم، فيقول: أي رب، إذ أخرجتني منها فلا تُعِدْنِي فيها، فينجيه الله منها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيلتفت أحدهم» إلى جهة النار «فيقول: أي رب» أي: يا رب، «إذ أخرجتني منها» أي: من النار، و«إذ» ظرف لما مضى من الزمان، مُضمَّن معنى الشرط، فهي بمعنى إذا التي للاستقبال متعلق بجوابه، وهو قوله: «فلا تُعِدْنِي فيها» أي: في النار، أي: فلا تُعِدْنِي فيها وقت إخراجك إياي منها، وهو بالجزم بـ(لا) الدعائية، «فينجيه الله منها» أي: فيخلصه الله تعالى منها، رُوي بالتخفيف من الإنجاء، وبالتشديد من التنجية. الكوكب الوهاج (5/ 40).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فيَلتفت أحدهم» أي: بعد أن يؤمر به إلى النار امتحانًا، كما بيَّنَتْه رواية ابن حبان المذكورة، «فيقول: أي» حرف نداء «رب، إذ» تعليلية، فهو تعليل مقدم على المعلَّل، وهو قوله: «فلا تُعِدْنِي» أي: لأنك «أخرجتني منها، فلا تُعِدْنِي فيها» بضم التاء، من الإعادة «فينجيه» من الإنجاء، أو من التنجية، «الله منها» أي: بعد إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (5/ 298).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «ربِّ إذ أخرجتني منها» وهذا كلام موفق؛ لأنه اعترف لربه باستحقاقه بالمكث فيها، لكنه قال: إذا أخرجتني يا رب أنت منها فلا تعدني فيها، فإنك أهلٌ لأنْ تُتْبعُ النِّعمةَ النعمة، وتُنْقِذَ مِن السوء إلى الراحة، فلا تُعِدْنِي فيها، فأَعُود في العذاب من الراحة بعد عَرْضِي إليك، فأنجاه الله منها، وإنما أَنْطَقَ الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث ذاكرًا له لأمَّته؛ ليعرِّفهم سوء نتائج العجز، ومرارة إضاعة انتهاز الفُرص في مواطن العناية؛ لئلا يعجز أحد عن تناول فائدة، وقد بقي في قوسِ حيلته مَنْزَع، ولا سيما عند الفُرص التي تَذهب كما تذهب الرياح. الإفصاح (5/ 354- 355).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فذَكَرَ من الأربعة واحدًا وحكم عليه بالنجاة، وترك الثلاثة اعتمادًا على المذكور؛ لأن العلة متَّحدة في الإخراج من النار والنجاة منها؛ ولأن الكافر لا خروج له ألبتة فيدخل مرة أخرى؛ ولهذا قال: «حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة» ونحوه في الأسلوب، وهو أن يُراد أشياء ويُذكر بعضُها ويُترك بعضها. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3539).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا الحديث يفيد: أنَّ حُسن الظن بالله -عز وجل- خير متعلق.
وينبه على أن المنْعِم بالنعمة لا يعقبها بضدها، ويحث الكرماء على إتمام ما أنعموا به.
وفيه من الفقه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما ذكره تنبيهًا به على عجز هؤلاء الثلاثة، وعدم معرفتهم بالله -عز وجل-؛ فإنه حيث أخرجهم من النار وعَرَضَهم لأنْ يَسْأَلُوه، فلما عُرِضُوا عليه سبحانه، وقَدَرُوا على أن يسألوه كان كل منهم به الخذلان وعدم التوفيق، ما إنه لَمَّا عُرِضَ على ربه لم يغتنم ذلك الوقت، فيسأل الله -عز وجل- فيه بغير واسطة، ولكنهم لعجزهم، وركة طباعهم وخذلانهم لم يفطنوا إلى أن الله -سبحانه وتعالى- لم يُخرجهم من النار ويعرضهم عليه، ثم يعيدهم إليها لغير معنى، وإنما أراد -سبحانه وتعالى- تذكيرهم وتعرضهم لأن يسألوه، ويقربهم لأن يطلبوا منه العفو والإقالة، فلما أبت شِقْوَتُهم، والظُّلْمَةُ التي في قلوبهم مِن شؤم اكتسابهم إلا العيّ والخذلان والحَصَر، وعدم الفِطْنة، أُعيدوا إلى النار، ما عدا ذلك المتيقظ منهم، قال: «ربِّ إذا أَخَّرْتَني منها فلا تُعِدْنِي فيها». الإفصاح (5/ 354- 355).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على جواز بقاء الامتحان في الآخرة، أي: استقرار الثواب والعقاب، كما قال الخطابي والبيهقي. الأزهار مخطوط لوح (458).
وقال الشيخ محمد صديق حسن -رحمه الله-:
وفيه: ردٌّ على مَذهب الخوارج؛ لأنَّ الحديث دلَّ على خروج جماعة من النار، بعدما دخلوا فيها بسبب الذنوب. السراج الوهاج (1/ 211).


إبلاغ عن خطأ