قبَّل رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- الحسنَ بنَ عليٍّ، وعندهُ الأقرعُ بنُ حابسٍ التَّمِيمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشَرةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظرَ إليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: «مَن لا يَرحَم لا يُرحَم».
رواه البخاري برقم: (5997)، ومسلم برقم: (2318)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية للبخاري برقم: (7376)، «لا يرحمُ اللهُ مَن لا يَرحمُ الناسَ».
وفي رواية عند مسلم برقم: (2319)، من حديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه-: «مَن لا يَرحمُ الناسَ لا يرحمُه الله».
شرح الحديث
قوله: «قبَّلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الحسنَ بنَ عليٍّ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قبَّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحسنَ بن عليٍّ -بفتح الحاء- ابن بنته فاطمة -رضي الله عنهم- ...
وفي الحديث: أن تقبيلَ الولدِ وغيره من المِحارم وغيرهم، إنما يكون للشفقة والرَّحمة، لا للذَّة والشَّهوة، وكذا الضَّمُّ والشَّمُّ والمُعانقة. إرشاد الساري (9/ 18).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المؤلف: رحمةُ الولدِ الصغير ومعانقتهِ وتقبيله والرِّفقُ به من الأعمال التي يرضاها الله ويُجازي عليها، ألا ترى قوله -عليه السلام- للأقرعِ بن حابسٍ حين ذكر عند النبيِّ أن له عشرةً من الولد ما قبَّل منهم أحدًا: «مَن لا يَرحَم لا يُرحَم»؟ فدلَّ على أن تقبيلَ الولد الصغيرِ وحَمْلَه والتَّحفِّي به مما يستحقُ به رحمةَ الله، ألا ترى حمل النبي -عليه السلام- أُمَامةَ ابنة أبي العاص على عُنقه في الصَّلاة، والصَّلاة أفضلُ الأعمال عند الله، وقد أمر -عليه السلام- بلزومِ الخُشوع فيها والإقبالِ عليها، ولم يكن حملُه لها مما يضادُّ الخشوعَ المأمور به فيها، وكرِه أن يشقَّ عليها لو تركها ولم يحملْها في الصَّلاة، وفي فعله -عليه السلام- ذلك أعظمُ الأسوة لنا، فينبغِي الاقتداءُ به في رحمته صغارَ الولد وكبارَهم، والرِّفق بهم، ويجوزُ تقبيلُ الولد الصَّغيرِ في سائرِ جسدِه. شرح صحيح البخاري (9/ 211 - 212).
قوله: «وعنده الأقرعُ بنُ حابسٍ التَّميمي جالسًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وعنده الأقرعُ بن حابِس التَّميمي» حال كونه «جالسًا» ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر «جالسٌ» بالرفع، وكان الأقرعُ من المؤلفةِ وحسُنَ إسلامه. إرشاد الساري (9/ 17).
قوله: «فقالَ الأقرعُ: إنَّ لي عشَرةً من الولدِ ما قبَّلت منهم أحدًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال الأقرع: إنَّ لي عَشَرةً من الوَلدِ» بفتحتين، ويجوزُ ضمُّ أوله وسكون ثانيه، بمعنى الأولاد «ما قبَّلتُ منهم أحدًا» أي: في مدَّةِ عُمري أبدًا. مرقاة المفاتيح (7/ 2963 - 2964).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ما قبَّلتُ أحدًا منهم»؛ وذلك لما في أهلِ الباديةِ من الغِلظِ والجَفاءِ، كما في الحديث: «مَن بَدا فقد جَفَا». دليل الفالحين (3/ 8).
وقال عبد الرحمن المبار كفوري -رحمه الله-:
«ما قبَّلتُ منهم أحدًا» إما للاستكبارِ أو للاستِحقارِ. تحفة الأحوذي (6/ 33).
قوله: «فنظرَ إليه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثمَّ قال»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فنظرَ إليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: نَظرَ تَعجُّبٍ، أو نظرَ غَضَبٍ. مرقاة المفاتيح (7/ 2964).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فنَظرَ إليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-» متعجِّبًا من تلك الغِلظةِ الناشئِ عنها عدمُ الشَّفقةِ على الأولادِ، الناشِئِ عنها عدمُ تقبِيلهم وحملِهم وشمِّهم. دليل الفالحين (3/ 10).
قوله: «مَن لا يَرحَمُ لا يُرحَم»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله «مَن لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ» هو بالرَّفع فيهما على الخبرِ... ويجوز أن تكون شرطيَّة، فيُقرأ بالجزم فيهما، قال السهيلي: جَعْلهُ على الخبر أشبهُ بسياقِ الكلامِ؛ لأنه سيقَ للرد على مَن قال: «إن لي عشرةً من الولدِ...» أي: الذي يفعلُ هذا الفعلَ لا يُرحم، ولو كانت شرطيَّةً لكان في الكلام بعضُ انقطاع؛ لأن الشَّرط وجوابه كلامٌ مستأنفٌ، قلت: وهو أولى من جهةٍ أخرى؛ لأنه يصيِرُ من نوعِ ضربِ المَثَل، ورجَّح بعضُهم كونها موصولة؛ لكون الشرط إذا أعقبه نفيٌ يُنْفَى غالبًا ب،(لم)، وهذا لا يقتضي ترجيحًا إذا كان المقام لائقًا بكونها شرطية، وأجاز بعض شُرَّاح المشارق الرفعَ في الجُزءين، والجزمَ فيهما، والرفعَ في الأولى والجزمَ في الثاني، وبالعكس، فيحصل أربعةُ أوجه، واستبعد الثالث، ووجه بأنه يكونُ في الثاني بمعنى النَّهي أي: لا ترحموا مَن لا يَرحمُ الناسَ، وأما الرابعُ فظاهر وتقديره: مَن لا يكن من أهل الرَّحمةِ فإنه لا يُرحم، ومثله قول الشاعر:
فقلتُ له احمل فوقَ طوقِك إنها *** مطوقةٌ مَن يأتها لا يضيرُها. فتح الباري (10/ 429).
وقال النووي -رحمه الله-:
«مَن لا يَرحَم لا يُرحَم» وفي رواية: «مَن لا يَرحمُ الناسَ لا يرحمُه الله» قال العلماء: هذا عامٌّ يتناولُ رحمةَ الأطفالِ وغيرهم. شرح صحيح مسلم (15/ 77).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«مَن لا يَرحَم لا يُرحَم» كلامٌ عامُّ، ليس هو راجعٌ لخصوص رحمة الولدِ، إنما هو على عموم الرَّحمة المشروعة، كما قال في الحديث الآخر: «مَن لا يَرحمُ الناسَ لا يرحمُه الله» وكما قال: «إنما يرحمُ الله من عباده الرُّحماءَ» «ارحمُوا مَن في الأرض يرحمُكم مَن في السَّماءِ»، ومن الرَّحمة واجبة: وهي كفُّ الأذى عن المسلمين، وإغاثةُ الملهوفِ، وفكُّ العاني، وإحياءُ المضطرِّ، واستنقاذُ الغريقِ، والواقع في هلكته وتسميته، ومن ذلك: سدُّ خُلَّةِ الضعفاءِ والفقراءِ من الواجبات، فهذا كله مَن لم يؤدِ حقَّ الله فيه عاقَبهُ الله ومنَعَهُ رحمتَه، إذا أنفذَ عليه وعيدَه، إن شاءَ عفَا عنه وسمحَ له بفضلِ رحمتِه وسعتِها. إكمال المعلم (7/ 282 - 283).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«مَن لا يَرحَم لا يُرحَم» بالجزم فيهما شرطًا وجوابه، ولمسلم: «مَن لا يَرحمُ الناسَ لا يرحمُه الله»، وحكمةُ هذه الرَّحمة: تسخيرُ القويِّ للضَّعيف، والكبيرِ للصغيرِ، والغنيِّ للفقيرِ؛ حتى يحفظ نوعهُ وتتم مصلحتُه، وذلك تدبيرُ اللطيفِ الخبيرِ، فمَن خلَق الله في قلبه الرَّحمة الحاملةَ على الرِّفق فذلك علامة على رحمةِ الله له في تلك الحال والمآلِ، ومَن سَلبَ الله الرَّحمةَ من قلبه، وابتلاه بنقيضِ ذلك من القسوةِ والغلظةِ؛ فلم يرفق بضعيفٍ ولا رحم صغيرًا، فذلك علَمٌ على شقوتهِ في تلك الحالِ والمآلِ. شرح سنن أبي داود (19/ 559).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «مَن لا يَرحَم لا يُرحَم» ووقع في حديث جرير في رواية لمسلم «مَن لا يَرحمُ الناسَ لا يرحمُه الله» وهو عند الطبراني بلفظ «مَن لا يرحمُ مَن في الأرضِ لا يرحمُه مَن في السَّماء» وله من حديث ابن مسعود رفعه: «ارحم مَن في الأرضِ يرحمك مَن في السَّماء» ورواته ثقات، وهو في حديث عبد الله بن عمر، وعند أبي داود والترمذي والحاكم بلفظ: «ارحمُوا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السَّماء»، وهذا الحديث قد اشتهر بالمسلسلِ بالأوَّليَّة. فتح الباري (10/ 440).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وأما الرَّحمة في حقه تعالى فهي صفةٌ ثابتةٌ لله تعالى، نُثبتُها ونعتقدُها، لا نمثِّلها ولا نُكيِّفها ولا نعطِّلها، أثرُها الإنعامُ على عبادهِ والإحسانُ إليهم، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11. الكوكب الوهاج (23/ 138).
قوله في لفظ: «لا يرحمُ الله مَن لا يَرحمُ الناسَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«لا يرحمُ اللهُ» في الآخرة «مَن لا يَرحمُ الناسَ» مِن مؤمنٍ وكافرٍ، و «يَرحم» بفتح أوَّله في الموضعين. إرشاد الساري (10/ 360).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مَن لا يَرحمُ الناسَ» خُصُّوا بالذِّكر اهتمامًا بهم، وإلا فالرَّحمة مطلوبةٌ لسائرِ المخلوقاتِ حتى الدَّواب والبهائِم، ففي كلِّ كبدٍ رطْبةٍ أجرٌ. دليل الفالحين (3/ 11).
قوله: «مَن لا يَرحمُ الناسَ لا يرحمُه الله»:
قال أبو البقاء العكبري -رحمه الله-:
«مَن لا يَرحمُ الناسَ لا يرحمُه اللهُ» الجيَّد أن تكون «مَن» بمعنى الذي فيُرفعُ الفعلانِ، وإن جُعلت شرطًا فجُزِمَ الفعلانِ جازَ. إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص: 97).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن لا يَرحمُ الناسَ» صغارَهم وكبارَهم وكذا كلَّ الحيوانات «لا يرحمُه اللهُ» -عزَّ وجلّ- في الآخرةِ؛ جزاءً على عمله. الكوكب الوهاج (23/ 141).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن لا يَرحمُ الناسَ» في غير ما نُهِي (عن) الرَّحمة فيه، كالمحدودِ؛ لنهي الله عن ذلك: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} النور: 2، «لا يرحمُه الله»؛ فإنما يرحمُ اللهُ من عباده الرحماءَ. التنوير (10/ 427).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
الذي لا يرحمُ الناس لا يرحمُه الله -عز وجل-، والمراد بالناس: الناس الذين هم أهلٌ للرحمة، كالمؤمنين وأهل الذمَّةِ ومن شابههُم، وأما الكفَّار الحربيُّون فإنهم لا يُرحمونَ، بل يُقتلونَ؛ لأن الله –تعالى- قال في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح : 29، وقال تعالى للنبي -صلى الله عليه وسلم-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} التحريم : 9، ذكر الله –تعالى- هذه الآية في سورتين من القرآن الكريم بهذا اللفظ نفسه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} التحريم : 9، ذكرها الله في سورة التوبة، وفي سورة التحريم، وقال تعالى: {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} التوبة : 120، وكذلك أيضًا رحمةُ الدوابِّ والبهائمِ؛ فإنها من علامات رحمة الله -عز وجلَّ- للإنسان؛ لأنه إذا رقَّ قلبُ المرء رَحِمَ كلَّ شيءٍ ذي روح، وإذا رحمَ كلَّ شيءٍ ذي رُوحٍ رحمه الله، قيل: يا رسول الله؛ ألَنَا في البهائم أجرٌ؟ قال: «نعم، في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجرٌ».شرح رياض الصالحين (2/ 554).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما تقبيلُ الرَّجُلِ خدَّ ولده الصغير، وأخيه، وقُبْلَة غير خدِّه من أطرافه ونحوها على وجهِ الشَّفقة والرَّحمة واللطف، ومحبَّة القرابة فسُنَّة، والأحاديث فيه كثيرةٌ صحيحةٌ مشهورةٌ، وسواءٌ الولد الذكرُ والأنثى، وكذلك قُبلته ولدَ صديقهِ وغيره من صغار الأطفالِ على هذا الوجه، وأما التَّقبيل بالشهوةِ فحرامٌ بالاتفاق وسواءٌ في ذلك الولدُ وغيرهُ، بل النَّظر إليه بالشَّهوة حرامٌ بالاتفاق على القريب والأجنبيِّ. الأذكار (ص:262).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المؤلف: في هذه الأحاديث الحضُّ على استعمال الرَّحمة للخَلْق كلهم كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم والرفق بها. وأن ذلك مما يَغْفر الله به الذنوب ويكفِّر به الخطايا، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرَّحمة، ويستعملها في أبناء جنسه وفي كل حيوان، فلم يخلقه الله عبثًا، وكل أحد مسئول عما اسْتُرْعِيَهُ وملكه من إنسان أو بهيمة لا تَقدر على النطق وتَبْيِين ما بها من الضُّر، وكذلك ينبغي أن يرحم كل بهيمة وإن كانت في غير ملكه، ألا ترى أن الذي سقى الكلب الذى وجده بالفلاة لم يكن له ملكًا فغفر الله له بتكلفه النزول في البئر وإخراجه الماء في خُفِّه وسقيه إياه، وكذلك كل ما في معنى السقي من الإطعام، ألا ترى قوله -عليه السلام-: «ما من مسلم غَرَسَ غَرْسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة»؟ مما يدخل في معنى سقي البهائم وإطعامها: التخفيف عنها في أحمالها وتكليفها ما تطيق حمله، فذلك مِن رحمتها والإحسان إليها، ومن ذلك: ترك التعدي في ضربها وأذاها، وتسخيرها في الليل وفي غير أوقات السخرة، وقد نُهينا في العبيد أن نكلفهم الخدمة في الليل؛ فإن لهم الليل ولِوَالِيْهم النهار، والدواب وجميع البهائم داخلون في هذا المعنى. شرح صحيح البخاري (9/ 219 - 220)
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فمَن خَلَقَ الله تعالى في قلبه هذه الرَّحمة الحاملة له على الرفق، وكشف ضر المبتلى، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل، ومَن سَلَبَ الله ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مبتلى، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك عَلَمًا على شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، وقال: «لا يرحمُ الله من عباده إلا الرحماء» وقال: «لا تنزع الرَّحمة إلا من شقي» وقال: «مَن لا يَرحَم لا يُرحَم». المفهم (6/ 109).
وقال السفيري -رحمه الله-:
فنَدَبَ -صلى الله عليه وسلم- إلى الرَّحمة والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإذا كان كافر فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب الناس مِن رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه والرَّحمة على عباده رحمه الله برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه، وأظله بظله؛ إذ كل ذلك من رحمته. المجالس الوعظية (2/ 50 - 51)
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفِقه: أن تقبيلَ الولدِ سُنَّة، على أن يكون ذلك رحمةً؛ لأنه في مقام رحمةٍ لا يقدر على البطشِ، ولا على إطعامِ نفسه، ولا على أن يستغني ساعةً عن كل ما يقومُ بمصالحه، ولو قد قبَّله ليطيبَ قلب أمِّه، كانَ له بذلك أجرٌ. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 177).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفي هذه الأحاديث: ما يدل على جواز تقبيل الصغير على جهة الرَّحمة والشفقة، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأَنَفة. وهذه القُبلة هي على الفم، ويُكره مثل ذلك في الكبار؛ إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول، ولا يدل على شفقة. المفهم (6/ 110).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قال العلماء: ويستحب حمل الصغير وتقبيله، وقد ورد في الحديث أن «مَن قَبَّلَ صغيرًا فله عشر حسنات» وإنما استحب تقبيل الصغير؛ للرحمة والشفقة؛ ولأنه هِبة من الله تعالى، والإنسان إذا وهبه غيره شيئًا قبَّله لا سيما الهِبَة من الْمَلِك. فتح القريب المجيب (9/ 687).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قال أبو الليث السمرقندي: ويقال: القُبْلة على خمسة أوجه: قُبلة المودة، وقُبلة الرَّحمة، وقُبلة الشفقة، وقُبلة الشهوة، وقُبلة التحية، فأما قُبلة المودة فهي قُبلة الوالدين للولد على الخد، وأما قُبلة الرَّحمة فهي قُبلة الولد للوالدين على رأسهما، وأما قُبلة التحية فهي قُبلة المؤمنين فيما بينهم على اليد وعلى الوجه، وأما قُبلة الشهوة فهي قُبلة الزوج لزوجته على الفم أ. هـ. فتح القريب المجيب (9/ 687).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرَّحمة في معاملة الصغار ونحوهم، وأنه ينبغي للإنسان أن يُقَبِّل أبناءه، وأبناء بناته، وأبناء أبنائه، يُقَبِّلهم رحمةً بهم، واقتداء برسل الله -صلى الله عليه وسلم-، أما ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان... فهذا خلاف السنة وخلاف الرَّحمة. شرح رياض الصالحين (2/ 551 - 552).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
والرَّحمة التي يتصف بها العبد نوعان:
النوع الأول: رحمة غريزية، قد جَبَلَ الله بعض العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرَّحمة والحنان على الخلق.
والنوع الثاني: رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبه على هذا الوصف، فيعلم العبدُ أن هذا الوصف من أجلِّ مكارم الأخلاق وأكملها، فيجاهد نفسه على الاتصاف به، ويَعلم ما رتب الله عليه من الثواب، وما في فَواته من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك. بهجة قلوب الأبرار (ص 188 - 189).
وللفائدة ينظر: