«انظرُوا إلى مَن أسفلَ منكُم، ولا تنظرُوا إلى مَن هو فَوقَكُم؛ فهو أجْدَرُ ألَّا تزْدَرُوا نِعمةَ اللهِ عليكُم».
رواه مسلم برقم: (2963)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وهو عند البخاري برقم: (6490)، ومسلم برقم: (2963)، بلفظ: «إذا نَظَر أحدُكم إلى مَن فُضِّلَ عليه في المال والخَلْقِ، فلينظر إلى من هو أسفل منه».
غريب الحديث
«تزْدَرُوا»:
الازدراءُ: الاحتقارُ والانتقاصُ والعيبُ. النهاية، لابن الأثير (2/ 302).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
زَرَى: الزاءُ والراءُ والحرفُ المُعتلُّ يدلُّ على احتقار الشيءِ والتهاونِ به، يقال: زَريْتُ عليه، إذا عِبتُ عليه، وأزْريتُ به: قصرتُ به. مقاييس اللغة(3/ 52).
«أجْدَرُ»:
فلانٌ جديرٌ لذاك، وقد جَدرَ جَدارةً، وأجْدر به أن يفعله أي: خليقٌ. العين، للفراهيدي (6/ 75).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أجْدَرُ» أي: أحق وأولى. مرقاة المفاتيح (8/ 3281).
شرح الحديث
قوله: «انظرُوا إلى مَن أسفلَ منكم»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«انظرُوا إلى مَن هو أسفلُ منكم» أي: اعتبروا بمن فُضِّلتم عليه في المال والخَلق والعافية، فيظهر عليكم ما أنعمَ الله به عليكم فتشكرونهُ على ذلك، فتقومون بحقِ النِّعمة. المفهم (7/ 116).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المراد: انظرُوا إلى مَن هو أسفل منكم في الأمور الدنيوية، وأما في الدّينية فينبغي أن تنظرُوا إلى مَن هو أعلَى منكم. لمعات التنقيح (8/ 465).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
والمراد: أسفل في أمورِ الدُّنيا ... ويدل عليه «فهو أجْدَرُ ...»، أما في أمور الدّين فيَنظر الإنسان لمَن هو أعلى منه فيها جِدًا أو استقامةً؛ ليدأبَ كذلك، وفي الحديث: «رحم الله عبدًا نظرَ في دنياه لمَن هو دُونه فحمدَ الله وشكرَه، وفي دِينه لمَن هو فوقهُ فحمدَ واجتهدَ» ... وأما إذا نظر في الدُّنيا إلى مَن هو دونه، ظهر له نعمةُ الله عليه فشكرها، وتواضع وفعل ما فيه الخير، وكذا إذا نظر إلى مَن هو فوقهُ في الدِّين ظهر له تقصيرهُ فيما أتى به، فحمله ذلك على الخضوع لمولاه، وألا ينظر لعمله ولا يُعجب به، ويزداد في الجهدِ في العملِ والدَّأب فيه. دليل الفالحين (4/ 394 - 395)
وقال الفيومي -رحمه الله-:
المعنى: انظرُوا إلى مَن فضَّلكم الله عليه في ذاتِ أيديكم فوسَّع عليكم وضيَّقَ عليهم. فتح القريب المجيب (9/ 622).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث إرشادٌ للعبد إلى ما يشكرُ به النِّعمة، والمراد بمَن هو أسفل من الناظر: في الدُّنيا، فينظر إلى المُبتلى بالأسقام ويَنتقل منه إلى ما فضّل به عليه من العافية التي هي أصل كل إنعام، وينظر إلى مَن في خَلْقه نقصٌ من عمى أو صممٍ أو بكم، وينتقل إلى ما هو فيه من السلامة عن تلك العاهات التي تجلب الهمَّ والغمَّ، وينظر إلى مَن ابتُليَ بالدُّنيا وجمعِها والامتناع عمَّا يجب عليه فيها من الحقوق، ويعلم أنه قد فُضِّل بالإقلال، وأُنعمَ عليه بقلة تبعةِ الأموال في الحالِ والمآل، ويَنظر إلى مَن ابتُلي بالفقر المدقعِ، أو بالدَّين المُفظعِ، ويعلم ما صار إليه من السلامة من الأمرين، وتقرُّ بما أعطاه ربُّه العينُ، وما من مُبتلى في الدُّنيا بخيرٍ أو شرٍّ إلا ويجد مَن هو أعظم منه بليةً، فيتسلَّى به ويشكر ما هو فيه مما يرى غيره ابتُلي به. وينظر مَن هو فوقهُ في الدِّين فيعلم أنه من المفرِّطين، فبالنظر الأول يشكر ما لله من النِّعم، وبالنظر الثاني يستحي من مولاه، ويقرعُ باب الْمَتَابِ بأنامل الندم، فهو بالأول مسرور لنعمةِ الله، وفي الثاني منكسرُ النفس حياءً من مولاه. سبل السلام (2/ 614).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما تفريقُ بعض العلماء بين أمور الدّين والدُّنيا ففيه نظرٌ؛ لأن الحديث عامٌّ، والإنسان يغبط الشخص الذي أعطاه الله -تعالى- قوَّةً في الدِّين وفِعلًا للخيرات وتركًا للمنكرات من إنسان دُون ذلك، ولا يرى أن الله أنعم عليه كما أنعم على الآخرِ العالم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أرشدنا إلى هذه النَّظرية بالإضافةِ إلى نعمةِ الله علينا، ليس بالإضافة إلى فعلنا، حتى في أمور الدُّنيا، إذا رأيت إنسانًا أنعمَ الله عليه بخُلقٍ طيِّبٍ، وإنسانًا بالعكس، ألا يجدر بك أن تكون مثل الأول؟ حتى الإنسان الذي أنعمَ الله عليه بالمال، ربما يقول: أنا أسعى لطلب المالِ؛ لعل الله يوفقني كما وفَّقَ الآخر، على كلِّ حال إذا كان المقصودُ النظر إلى ما أنعم الله به من مالٍ وبنين وعِلمٍ وعملٍ وعبادة بالنظر إلى إضافته إلى الله، فانظر إلى مَن هُوَ أسفل مطلقًا؛ حتى تعرف قدر نعمةِ الله عليك، بأن الله فضَّلك على مَن دُونك، لكن لو نظرتَ إلى الأعلى فلابد أن تزدري النِّعمة وتنتقصها وتقول: الله ما أعطاني شيئًا، الله منَّ على هذا بالمال والعبادة وأنا محرومٌ، لكن هذا لا يمنع أن نقول: استبقِ الخبرات، انظر إلى فعلك، أنت مقصِّرٌ. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 245).
وقال عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
والإنسان إذا نظر إلى مَن هو دُونه في صحته أو ماله أو عياله، كان حَرِيًّا بشكر نعمة اللَّه عليه، وأما إذا علَّق قلبه بمَن هو فوقهُ في الصحة أو في المال أو في العيال، أَوْرَثَ نفسه الحزنَ والحسدَ، وكان حريًّا بكفر نعمة اللَّه عليه، نسأل اللَّه تبارك وتعالى أن يجعلنا من الشاكرين. فقه الإسلام (10/ 154 - 155).
قوله: «ولا تنظرُوا إلى مَن هو فوقَكُم»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
بخلاف ما إذا نظر إلى ما فضِّل عليه غيره من ذلك؛ فإنَّه يضمحِلُّ عنده ما أنعم الله عليه به من النِّعم، ويحتقرُها، فلا يحسبها نِعمًا، فينسى حقَّ الله فيها، وربما حمله ذلك النظر إلى أن تمتدَّ عينُه إلى الدُّنيا فينافس أهلها، ويتقطع لحسرة فوتِها، ويحسد أهلها، وذلك هو الهلاكُ في الدُّنيا والآخرةِ. المفهم (7/ 116).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولا تنظرُوا إلى مَن» أي الذي أو شخص «هو فوقَكم» أي: في ذلك على سبيل استعظامِ ما ناله واستكثاره. دليل الفالحين (4/ 395).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«ولا تنظرُوا إلى مَن هو فوقَكم» في الغنى؛ فإنكم إذا نظرتم إليهم احتقرتم نعمة الله -تعالى- عليكم، وليست هي أهلًا للاحتقار؛ فإنه لعل الله -تعالى- يعلم في ذلك من المصالح ما لا تعلمونه.
ففي الحديث تنبيهٌ على القناعة والشكر على ما رزق، وكفّ النفس الأمَّارة عن طلب الفضول، والله أعلم. فتح القريب المجيب (9/ 622).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإن النظر إلى مَن فضل الإنسان يؤدي إلى استحقاره ما هو فيه من النِّعم، فيستقلّ النِّعمة، ويعرض عن الشكر، وقد يؤديه ذلك إلى كفران النِّعمة، وأنه ليس عليه شيء من النِّعم، فيكفر نعمة الله عليه، وإذا أعرض عن التأمل في أحوال أهل الدُّنيا، وما وسّع عليهم، هان عليه ما همَّه، واستكثر ما أُوتي، وإذا نظر بعين الحقيقة، فالمكثِر ليس معه إلا همُّ الإكثار، وشغله اليسار، والدُّنيا سريعة الزوال، قريبة تحول الأموال، عَلِمَ أنهم لا يُغبطون، بل إنهم يُرحمون، وأحسن مَن قال:
فلا تغبطنَّ المكثرينَ فإنما …على قدرِ ما يعطيهمُ الدهرُ يَسلبُ. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 286 - 287).
قوله: «فهو أجْدَرُ ألَّا تزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فهو» أي: النظر المذكور إثباتًا ونفيًا «أجْدَرُ» أي: أحقّ وأولى «ألَّا تزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم» أي: بعدمِ الازدراء والاحتقار لِمَا قَسَم الله عليكم في هذه الدار، فإنه يظهر لكم بذلك النظر أن لله تعالى عليكم نعمًا كثيرةً بالنسبة إلى مَن دونكم، أو نعمًا كثيرة حيث اختار لكم الفقر والبلاء، وجعلكم من أهلِ الولاء، وشبَّهكم بالأنبياءِ والأولياءِ، وخلَّصكم عن ظلمةِ الأمراء، وظلمة الأغنياءِ الأغبياءِ. مرقاة المفاتيح (8/ 3281).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فهو» أي: قَصْرُ النظر عمَّن فوق أو هو مع ما قبله «أجْدَرُ» أي: أحقّ «ألا تزْدَرُوا» أي: بألّا تحقروا وتستصغروا، افتعال من ازدراء قُلبت فاؤه دالًا؛ لتجانس الزاي في الجهر، «نعمةَ الله عليكم» ثم ما أَذِنَ به أَفْعَلُ من التفضيل المؤْذِن بثبوت أصله عند النظر المذكور باعتبار ما ركزَ في الطِّباع السالمة من الآفة مِن شُكر نِعَمِ الله ... قال بعض السلف: صاحبتُ الأغنياءَ فكنت لا أزال في حزن، أرى دارًا واسعةً ودابَّةً فارهةً ولا عندي شيءٌ من ذلك، فصحبتُ الفقراءَ فاسترحتُ. دليل الفالحين (4/ 395).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فهو أجْدَرُ» أي: فالنظر إلى مَن هو أسفل لا إلى مَن هو فوق حقيقٌ «ألا تزْدَرُوا» أي: بألا تحتقروا «نعمةَ الله عليكم»؛ فإن المرء إذا نظر إلى مَن فُضِّل عليه في الدُّنيا استصغر ما عنده مِن نعم الله فكان سببًا لِمَقْتِهِ، وإذا نظر للدُّون شَكَرَ النِّعمة وتواضع وحمد، فينبغي للعبد ألا ينظر إلى تجمُّل أهل الدُّنيا؛ فإنه يحرك داعية الرغبةِ فيها، ومصداقه {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } طه : 131، ولهذا قال روح الله (عيسى ابن مريم -عليه السلام-): "لا تنظرُوا إلى أهل الدُّنيا؛ فإن بريق أموالهم يذهبُ بحلاوةِ إيمانكم". التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 381).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقوله «فهو أجْدَرُ» بالجيم والدال المهملة فراء أحقُّ «ألا تزْدَرُوا» تحتقروا «نعمةَ الله عليكم» علَّة للأمر والنهي معًا. سبل السلام (2/ 614).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«أجْدَرُ» مشتق من الجدرِ الذي هو أصل الشجرة؛ فكأنه ثابت بثبوت الجدرِ، ومعناه: أحقّ وأخلقُ ألا تحتقروا «نعمةَ الله عليكم». توضيح الأحكام (7/ 287).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
ولا ريبَ أن الشخص إذا نظر إلى مَن هو فوقهُ لم يأمن أن يُؤَثِّر ذلك فيه، فدواؤه أن ينظرَ إلى مَن هو أسفل منه؛ ليكون ذلك داعيًا إلى الشكر ... فإذا تأمل ذلك عَلِمَ أن نعمة الله وصلت إليه دُون كثيرٍ ممن فضِّل عليه بذلك، من غير إبراز حُبِّه فيعظم اغتباطه بذلك، نعم ينظر إلى مَن فوقهُ في الدّين فيقتدِي به فيه، وفي نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: «خصلتان مَن كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: مَن نظر في دنياه إلى مَن هو دُونه فحَمِدَ الله على ما فضَّله به عليه، ومَن نظر في دِينه إلى مَن هو فوقهُ فاقتدى به» (ضعفه الألباني). إرشاد الساري (9/ 280).
قوله في لفظ آخر: «إذا نَظَر أحدُكم إلى مَن فُضِّلَ عليه في المال والخَلْقِ، فلينظر إلى من هو أسفل منه»:
قال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «إذا نظر أحدكم إلى مَن فُضِّل عليه في المال والخَلْقِ» هو بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام ... وقوله: «ممن فُضِّل عليه» أي فُضِّل الناظر عليه، وخرج بذكر المال والخَلْق ما إذا نظر لمن فضِّل عليه في العلم والدِّين والاجتهاد في العبادة ومعالجة النفس بدفع الأخلاق السيئة وجلب الحسنة، فهذا ينبغي النظر فيه إلى الفاضل؛ ليقتدي به دون المفضول؛ لأنه يتكاسل بذلك بخلاف الأول؛ فإنه لا ينظر فيه إلى الفاضل؛ لما فيه من احتقار نعمة الله عليه بالنسبة إلى نعمته على ذلك الفاضل في المال والخَلق، وإنما ينبغي أن ينظر في هذا إلى المفضول؛ ليعرف قدر نعمة الله عليه، وهذا أدب حسن أدَّبَنا به نبينا -صلى الله عليه وسلم- وفيه مصلحة ديننا ودنيانا وعقولنا وأبداننا وراحة قلوبنا، فجزاه الله عن نصيحته أفضل ما جزى به نبيًّا. طرح التثريب (8/ 145).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وقوله: «فلينظر إلى مَن هو أسفل منه» أي: أسفل من الناظر في المال والخَلق. طرح التثريب (8/ 145).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إذا نظر أحدكم إلى مَن فضِّل» بالفاء المعجمة على البناء للمجهول قوله: «في المال والخَلق» بفتح الخاء أي: الصورة، ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدُّنيا، ورأيته في نسخة معتمدة من الغرائب للدارقطني: «والخُلُق» بضم الخاء واللام. فتح الباري (11/ 322).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فلينظر إلى مَن هو أسفل» أي: أقل «منه» في ذلك؛ ليعرف أن الله تعالى أنعم عليه نعمة كثيرة بالنسبة إليه. شرح المصابيح (5/ 412).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذا مداويًا به القلوب، فعلَّمها كيف تصنع، ووصف لها الدواء، فقال: «إذا نظر أحدكم إلى مَن فُضِّل عليه في المال والخَلْق» يعني: فثار له، أو خاف على نفسه نوع اعتراض أو تسخط، فليتدارك ذلك بأن ينظر إلى مَن دونه ممن قد فضَّله الله عليه؛ فإنه إذا قال لنفسه: إن هذا الذي كنتِ قد رأيتِ له عليكِ فضلاً حتى أثَّر فيكِ، فإنَّ مَا فُضِّلْتِ به على غيرك مما إنْ قِيْسَ كان الذي فيك هو الذي نعمته من غيرك، فتطمئن نفسه، ويزول عنه العارض الخبيث، ويدل عليه قوله: «فهو أجْدَرُ ألا تزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم» الإفصاح (7/ 272 - 273).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفي الحديث: دلالة على أن حال أكثر الخلق هو الاعتدال ولو بحسب الإضافة والانتقال، فالسالك بالنظر إلى حال طرفيه محصّل له حسن الحال، وإيماء إلى أن المفضل على الخلق كلها من جميع الوجوه مثلَا أو فرضًا لا ينظر إلى مَن تحته؛ لئلا يحصل له العجب والغرور والافتخار والتكبر والخيلاء، بل يجب عليه أن يقوم بحق شكره على النَّعماء، وأما من لم يكن تحته أحد في الفقر فينبغي أن يشكر ربه؛ حيث لم يبتله بالدُّنيا لقلة غنائها وكثرة عنائها وسرعة فنائها وخسة شركائها ...
ومجمل الحال وخلاصة المقال: أن المؤمن إذا سَلِمَ دِينه مِن الخلل والزوال، فلا يبالي بنقصان الجاه والمال وسائر المشقَّات الكائنة في الحال والاستقبال. مرقاة المفاتيح (8/ 3281).
وقال نجم الدّين الغزي -رحمه الله-:
والمعنى: أنه إذا نظر إلى مَن تحته -أي دونه- في الدُّنيا عظُمت نعمة الله عليه، فيشكرها، بخلاف ما لو نظر إلى مَن فوقهُ، فقد يسْتَقِلُّ ما أنعم الله عليه، فيهلك بكفران النِّعمة التي لله عنده، وإذا نظر إلى مَن فوقهُ في الدّين يتحرى الازدياد من الخير، وذلك يحتاج إلى صبر، كما قال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} طه: 132؛ فالعمل الصالح يحتاج إلى صبر عليه.
بخلاف ما لو نظر إلى مَن هو دونه في الدّين، فيرى لنفسه مزية عليه، فيهلك بالعجب والكبر وغيرهما. حسن التنبه لما ورد في التشبه (2/ 299 - 300)
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: وهذا حديثٌ جامعٌ لمعاني الخير؛ وذلك أن العبد لا يكون بحال من عبادة ربه مجتهدًا فيها إلا وجد مَن هو فوقهُ في ذلك، فمتى طلب نفسه باللحاق بمِن هو فوقهُ استقصر حاله التي هو عليها، فهو أبدًا في زيادة تُقرِّبه من ربه، ولا يكون على حالةٍ خسيسةٍ من دنياه إلا وجد مِن أهلها مَن هو أخسُّ منه حالًا، فإذا تأمل ذلك وتفكَّره وتبينَ نِعَم الله عليه؛ عَلِمَ أنها وصلت إليه ولم تصل إلى كثير من خلقه، فضَّله الله بها من غير أمرٍ أوجب ذلك له على خالقه، أَلْزَمَ نفسه من الشكر عليها أن وُفِّق لها، ما يعظم به اغتباطهُ في معاده. شرح صحيح البخاري (10/ 199).
وقال السعدي -رحمه الله-:
ومن أنفعِ الأشياءِ في هذا الموضع: استعمالُ ما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح حيث قال: «انظرُوا إلى مَن هو أسفل منكم ولا تنظرُوا إلى مَن هو فوقَكم؛ فإنه أجْدَرُ ألا تزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم» رواه البخاري ومسلم؛ فإن العبدَ إذا نصب بين عينيه هذا الملحظَ الجليلَ، رآه يفوق جمعًا كثيرًا من الخَلْق في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه، مهما بلغت به الحال، فيزول قلقه وهمه وغمه، ويزداد سروره واغتباطه بنعمِ الله التي فاق فيها غيره ممن هو دُونه فيها، وكلما طال تأمل العبدِ بنعم الله الظاهرة والباطنة، الدّينية والدنيوية، رأى ربه قد أعطاه خيرًا كثيرًا ودفع عنه شرورًا متعددة، ولا شك أن هذا يدفعُ الهمومَ والغمومَ، ويوجب الفرح والسرورَ. الوسائل المفيدة للحياة السعيدة (ص:21 - 22).
وللفائدة ينظر:
- قيمة الدنيا عند الله عز وجل.