السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«‌من ‌اقتَطَعَ ‌حقَّ ‌امرئٍ مسلمٍ بيمينِهِ فقد أَوجَبَ الله له النارَ، وحرَّمَ عليه الجنَّةَ، فقال له رجلٌ: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسولَ الله؟ قال: وإن قضيبًا من أراكٍ».


رواه مسلم برقم: (137)، من حديث أبي أمامة الحارثي الأنصاري -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«‌‌اقتَطَعَ»:
«اقتطع» معناه: قطع، إلا أن التاء دخلت للافتعال. شمس العلوم، للحميري (1/ 44).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«اقتطع» من القطع، وهو الأخذ هنا؛ لأن من أخذ شيئًا لنفسه، فقد قطعه عن مالكه. المفهم (1/ 347).

«‌أَوجَبَ»:
‌يعني: ركب كبيرة أو خطيئة موجبة يستوجب بها النَّار. غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام (1/ 440).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
واستوجب الشيء: استحقه، والموجبة: الكبيرة من الذنوب التي يستوجب بها العذاب...، وأوجب الرجل: أتى بموجبه من الحسنات والسيئات. المحكم (7/ 570).

«‌قضيبًا»:
أي: عودًا. حاشية السندي على سنن النسائي (8/ 246).
قال اللَّيث: القضب من الشجر: كل شجر سَبِطَت أغصانه وطالت، والقضْب: قطعك القضيب ونحوه، قال: والقضيب: اسم يقع على ما قضبت من أغصان لتتخذ منها سهامًا أو قِسِيًّا. تهذيب اللغة، للأزهري (8/ 271).

«أراكٍ»:
‌شجر ‌من ‌الْحَمْض يستاك بقضبانه، الواحدة: أراكة، ويقال: هي شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق والأغصان خَوَّارَة العود، ولها ثمر في عناقيد، يسمى: البرير، يملأ العنقود الكف. المصباح المنير (1/ 12).


شرح الحديث


قوله: «‌من ‌اقتَطَعَ ‌حقَّ ‌امرئٍ مسلمٍ بيمينِهِ»
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«اقتطع» أي: ‌ذهب ‌بطائفة ‌من ‌ماله ففصلها عنه، يقال: اقتطعت من الشيء قطعة. الميسر (3/ 865).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من اقتطع» افتعال من القطع للمبالغة... «حق امرئ مسلم بيمينه» أي: بسبب يمينه الكاذبة البحر المحيط الثجاج (4/ 8).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌من ‌اقتطع ‌حق ‌امرئ» وهذا بعمومه متناول لما ليس بمال كحد القذف، ونصيب الزوجة وغيرهما، «مسلم» تقييده به؛ لأن المخاطبين بالشريعة هم المسلمون، لا للاحتراز عن الكافر، إذ الحكم فيه كما في المسلم، «بيمينه» أي: بحلفه الكاذب. شرح المصابيح (4/ 285-286).
وقال النووي -رحمه الله-:
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «‌من ‌اقتطع ‌حق ‌امرئ مسلم بيمينه» إلى آخره، فيه لطيفة، وهي: أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «حق امرئ» يدخل فيه من حلف على غير مال كجلد الميتة والسرجين وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحد القذف، ونصيب الزوجة في القسم وغير ذلك. شرح صحيح مسلم (2/ 161-162).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«من اقتطع حق امرئ»...كأنه قطعه عن صاحبه، أو أخذ قطعة منه، وهو أبلغ من قطع؛ لإشعاره بالعمد، والحق أعم من المال. فتح المنعم (1/ 438).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من اقتطع» وأخذ مستحلًّا أو غير مستحل «حق امرئ» وشخص «مسلم» أو كافر معصوم «بيمينه» الفاجرة على أنه حقه. الكوكب الوهاج (3/ 302-303).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «مسلم» التقييد بالمسلم ليس لإخراج غير المسلم، فأما على قول من لا يقول بالمفهوم، فالذكر لا يلزم منه أن غير المذكور بخلافه، وأما على قول من يقول بالمفهوم، فيقول: المفهوم هنا غير معمول به؛ لأن المخاطب بذلك المسلمون، فخصَّهم بالذكر، أو لأن أكثر المعاملة بين المسلمين، فلا يلزم منه مغايرة غير المسلم في الحكم، بل الذمي كذلك، ويحتمل أن تكون هذه العقوبة العظيمة إنما تختص بمن اغتصب حق المسلم دون الذمي، وإن كان محرمًا. البدر التمام(10/ 71).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وأما تقييده -صلى الله عليه وسلم- بالمسلم، فلا يدل على عدم تحريم حق الذمي لتفظيع شأن مرتكب هذه العظيمة...؛ لأن أخوة الإسلام تقتضي القيام بحقه ومراعاة جانبه في سائر ما له وعليه، وهذه الفائدة كامنة في التقييد، فلا يذهب إلى العمل بالمفهوم. مرقاة المفاتيح (6/ 2440).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
واختلف هل قوله: «مسلم» قيد فلو اقتطع حق كافر لا يستحق هذا الوعيد، أو ليس بقيد؛ بل ورد لبيان أن رعاية حق المسلم أشد؛ لأن حرمة حق المسلم أقوى؟
وقيل: إنما ذكره للدلالة على أن حق الكافر أوجب رعاية، فإن إرضاء المسلم بإدخاله الجنة يوم القيامة أمر ممكن، فيجوز أن يرضي الله خصمه، فيعفو عن ظالمه، وأما إرضاء الكافر فغير ممكن، فيكون الأمر صعبًا، فإذا كان حق من يتصور الخلاص من ظلمه واجب الرعاية؛ فحق من لا يتصور أولى. شرحه على الموطأ (4/ 24 25).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«من اقتطع» جملة شرطية، فعل الشرط هو: «اقتطع» وجوابه: «فقد أوجب الله» وإنما اقترن جواب الشرط بالفاء؛ لأنه مقرون بـ«قد» و«قد» إذا كانت في جواب الشرط فإنه يجب أن يؤتى قبلها بالفاء كصاحبتها وهن المجموعات في قول الناظم:
اسمية طلبية وبجامد *** وبما وقد وبلن وبالتنفيس
وقوله: «‌من ‌اقتطع ‌حق ‌امرئ مسلم بيمينه» أي: يحلف، وهذا له صورتان:
الصورة الأولى: أن يدَّعي شيئًا ويأتي بشاهد ويحلف معه، وهو يعلم أنه كاذب، فهنا اقتطع حقًّا؛ لأنه استباح ماله بيمين كاذبة.
والصورة الثانية: في مقام الدفاع بأن يكون على شخص حق، ثم ينكره، وليس للمدعي بينة، فهنا سوف يحلف المدعى عليه ويخلى سبيله، فيكون قد اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، إذًا لها صورتان:
الصورة الأولى: في دعوى ما ليس له.
والصورة الثانية: في إنكار ما يجب عليه. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 198).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وتخصيصه هنا المسلم؛ إذ هم المخاطبون، وعامة المتعاملين في الشريعة، لا أن غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمه في ذلك. إكمال المعلم (1/ 434).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أن اليمين الغموس، وهي يمين الصبر، التي يُقْتَطَعُ بها مال المسلم من الكبائر؛ لأن كل ما أوعد الله عليه بالنار أو رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهو من الكبائر...
وأجمع العلماء على أن اليمين إذا لم يُقْتَطَعْ بها مال أحد، ولم يحلف بها على مال، فإنها ليست اليمين الغموس التي ورد فيها الوعيد -والله أعلم-
وقد تسمى غموسًا على القرب، وليست عندهم كذلك، وإنما هي كذبة، ولا كفارة عند أكثرهم فيها إلا الاستغفار.
وكان الشافعي وأصحابه، ومعمر بن راشد والأوزاعي، وطائفة يرون فيها الكفارة.
وروي عن جماعة من السلف: أن اليمين الغموس لا كفارة لها، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار.
وكان الشافعي والأوزاعي ومعمر وبعض التابعين، فيما حكى المروزي يقولون: إن فيها الكفارة فيما بينه وبين الله في حنثه، فإن اقتطع بها مال مسلم، فلا كفارة لذلك، إلا أداء ذلك، والخروج عنه لصاحبه، ثم يكفر عن يمينه بعد خروجه مما عليه في ذلك.
وقال غيرهم من الفقهاء منهم: مالك والثوري وأبو حنيفة: لا كفارة في ذلك، وعليه أن يؤدي ما اقتطعه من مال أخيه، ثم يتوب إلى الله ويستغفره، وهو فيه بالخيار، إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه.
وأما الكفارة، فلا مدخل لها عندهم في اليمين الكاذبة، إذا حلف بها صاحبها عمدًا متعمدًا للكذب، وهذا لا يكون إلا في الماضي أبدًا، وأما المستقبل من الأفعال فلا...
ومما يدل على صحة ما ذهب إليه مالك، ومن تابعه على قوله في هذا الباب: ما روى حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أبي العالية رُفَيع، أن ابن مسعود كان يقول: كُنا نعُدُّ من الذنب الذي لا كفارة له: اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبًا ليقتطعه.
وروى يونس، عن الحسن، أنه تلا: {‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَشْتَرُونَ ‌بِعَهْدِ ‌اللَّهِ ‌وَأَيْمَانِهِمْ ‌ثَمَنًا ‌قَلِيلًا} آل عمران: 77، إلى آخر الآية، فقال: هو الذي يحلف ليقتطع مال أخيه. التمهيد (13/ 109-116).

قوله: «فقد أَوجَبَ الله له النارَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقد أوجب الله» -سبحانه وتعالى-، وهيأ وأثبت «له» أي: لذلك المقتطع «النار» الأخروية، مجازاة له، أو مخلدًا فيها. الكوكب الوهاج (3/ 303-304).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذه العقوبة لمن اقتطع حق المسلم ومات قبل التوبة، أما من تاب فندم على فعله ورد الحق إلى صاحبه، وتحلل منه، وعزم على أن لا يعود، فقد سقط عنه الإثم -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (2/ 161-162).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
«وأوجب له النار» وطريق هذا الحديث طريق الوعيد، ولا تحرم الجنة ويخلد في النار إلا أهل الكفر، وقد يخرج من النار قوم من المسلمين بعد أن احترقوا فيها، فيدخلون الجنة، لا خلاف بين أهل السنة في هذا.
وروي عن أبي عبيد أنه قال: كل حديث ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه معنى الوعيد فهو كما قال، ولا يجوز أنْ يحمل ذلك على الترهيب والتغليظ؛ لأن في ذلك إبطالاً للموارثة، وإشارة إلى خلف الوعد الذي وعد الله به المؤمنين من دخول الجنة؛ لأن الله هو الصادق في قوله، وكذلك رسوله -عليه السلام- صادق في قوله.
وفيه تطرق للإرجاء في مذهبهم: الإيمان قول.
ومن دخل النار خرج منها بشفاعة نبيه، ولا يخلد موحد في النار، هذا معنى قول أبي عبيد لا لفظه بنفسه. تفسير الموطأ (2/ 506).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وهذا القول منه -صلى الله عليه وسلم- وإن كان على البت فيمن حلف على منبره، أو حلف فاقتطع بيمينه حق امرئ مسلم، فأوجب له النار، فإن لشيوخنا في ذلك قولين:
أحدهما: أن الوعيد ليس من باب الخبر، فلا يقال لمن رجع عنه: كاذب؛ ولذلك قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
يمدح نفسه بإخلاف الوعيد، ولو كان ذلك كذبًا لما مدح نفسه بها، فعلى هذا: الوعيد متوجِّه إلى كل عاصٍ.
وقيل: إن الوعيد من باب الخبر، وإن الخلف فيه ضرب من الكذب، وذلك محال في صفة الباري تعالى، فعلى هذا: الوعيد مُتَوجِّه إلى كل من علم الباري تعالى أنه لا يغفر له، وأنه لا بد أن يعاقبه. المنتقى شرح الموطأ (5/ 232).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله في الحديث الثاني: «حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار» عموم عارضه «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرم الله عليه النار» فتقابل الخبران يوجب الرجوع إلى الآية المحكمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 48 الآية، فهي أم الوعد والوعيد، ووجب النظر إلى الشفاعة، وإلى هذا المعنى أشار بعض الناس في قوله في هذا الحديث ونظائره: معناه: حرم الله عليه ‌النار ‌في ‌وقت ‌دون ‌وقت، وفرّ بعض علمائنا إلى أن قال: إن معنى ذلك إذا كان مستحلًّا فرده إلى الكفر، وهذا رجوع منهم إلى قول المبتدعة من حيث لم يشعروا على ما بيَّنَّاه في موضعه، وإسقاط لأحكام المذنبين، وإخراج لهم عن القرآن والسنة؛ وذلك باطل قطعًا.القبس (ص: 899).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فقد أوجب الله له النار» أي: إن كان مستحلًّا لذلك، فإن كان غير مستحل، وكان ممن لم يغفر الله له، فيعذبه الله في النار ما شاء من الآباد، وفيها تحرم عليه الجنة، ثم يكون حاله كحال أهل الكبائر من الموحدين. المفهم (1/ 347).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أما وجه قوله: «أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة» قد ذكرنا...أن ما ورد من الوعيد على هذا المنوال فإنه لا يحكم به في حق المؤمن، إلا أن يحمل على تحريمها في وقت مؤقت دون التأبيد، وإنما يخرجه الشارع هذا المخرج تعظيمًا للأمر، وتهويلًا منه، ومبالغة في الزجر؛ وذلك لأن المرتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى، حيث انتهك حرمة بعد حرمة:
إحداهما: اقتطاع مال لم يكن له ذلك.
والثانية: الاستخفاف بحرمة وجب عليه رعايتها، وهي حرمة الإسلام، وحق الأخوة.
والثالثة: الإقدام على اليمين الفاجرة، وإذا عدلنا فيه عن هذا التأويل، فلا سبيل إلا أن يحمل على المستحل لذلك دينًا وملة. الميسر (3/ 865).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: فقد استحق النار، ويجوز العفو عنه، وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين. شرح صحيح مسلم (2/ 161- 162)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة» أوجبها له؛ أي: جعله مستحقًّا لها؛ لأنه لما فعل هذا الأمر العظيم، فكان بذلك انتهك حرمتين:
الحرمة الأولى: حرمة الرَّب -عز وجل- حيث حلف به كاذبًا.
والحرمة الثانية: حرمة صاحب الحق، ومن أجل ذلك صار وعيده هذا الوعيد الشديد. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 198-199).

قوله: «‌وحرَّمَ عليه الجنَّةَ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وحرَّم عليه الجنة» أي: حرم عليه دخولها. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 199).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وحرم عليه الجنة» أي: دخولها ابتداء، أو أصلًا. الكوكب الوهاج (3/ 304).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وحرم عليه الجنة» يعني: حرم عليه الجنة حتى يطهر من ذلك الذنب والمظلمة. المفاتيح (4/ 321).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
فالمقصود من هذا: التحذير من الظلم والأيمان الفاجرة، وأن عاقبتها وخيمة، وأنها من أسباب غضب اللَّه، ودخول النار. الإفهام في شرح عمدة الأحكام (ص: 725).
قوله: «‌فقال له رجلٌ: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسولَ الله؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال له رجل» أي: لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وإن كان» أي: الحق «شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟» مرقاة المفاتيح (6/ 2440).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟» أي: وإن كان الحق الذي اقتطعه شيئًا يسيرًا. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 199).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال المحدثون: الرجل السائل هو محمد بن كعب بن مالك الأنصاري. الأزهار، مخطوط، لوح (347).

قوله: «قال: وإن قضيبًا من أراكٍ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإن كان قضيبًا» وهو قطعة غصن «من أراك» وهي شجرة السواك. شرح المصابيح (4/ 286).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«القضيب» -بفتح، فكسر- فعيل بمعنى مفعول: الغصن المقطوع، والجمع: قضبان -بضم القاف وتكسر-. البحر المحيط الثجاج (4/ 9).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: وإن كان قضيبًا من أراك» بفتح أوله، أي: خشب سواك. مرقاة المفاتيح (6/ 2440).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
المراد بالقضيب: قضيب له قيمة، وإلا فلا يتوجه اليمين كذلك. الأزهار، مخطوط، لوح (347).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «وإن كان قضيبًا من أراك» مبالغة في تحريم حق المسلم، وأنه يستوي فيه قليل الحق وكثيره. البدر التمام (10/ 71).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«وإن كان قضيبًا» وفي رواية: «وإن كان سواكًا من أراك، وإن كان قضيبًا من أراك، قالها ثلاث مرات» زيادة في التنفير لئلا يتهاون بالشيء اليسير، ولا فرق بين قليل الحق وكثيره في التحريم، أما في الإثم فالظاهر: أنه ليس من اقتطع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة كمن اقتطع الدرهم والدرهمين، وهذا خرج مخرج المبالغة في المنع، وتعظيم الأمر وتهويله، بدليل تأكيد تحريم الجنة، وإيجاب النار، وأحدهما يستلزم الآخر، والحال يقتضي هذا التأكيد؛ لأن فاعل ذلك بلغ في الاعتداء الغاية، حيث اقتطع حق امرئ لم يكن له فيه سبيل، واستخف بحرمة واجبة الرعاية، وهي حرمة الإسلام، وأقدم على اليمين الفاجرة. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 25).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وإضافة «قضيب» إلى «أراك» بمعنى «من» أو هي من إضافة العام إلى الخاص، ومثله خاتم حديد -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (4/ 9-10).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وظاهره: ولو كان عودًا واحدًا، وإنما قال الرسول: «وإن كان قضيبًا من أراك» مبالغة في القلة، وعدم المبالاة به؛ لأن أكثر الناس لا يبالون بالسواك، وما أشبه ذلك، فالمعنى: اقتطع مال امرئ مسلم ولو كان يسيرًا، فهذا جزاؤه. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 199).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«وإن كان قضيبا من أراك» إنما كبرت هذه المعصية بحسب اليمين الغموس التي هي من الكبائر الموبقات، وتغييرها في الظاهر حكم الشرع، واستحلاله بها الحرام، وتصييرها المحق في صورة المبطل، والمبطل في صورة المحق؛ ولهذا عظم أمرها وأمر شهادة الزور. إكمال المعلم (1/ 434).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث: أن اليمين الغموس لا يرفع إثمها الكفارة؛ بل هي أعظم من أن يكفرها شيء، كما هو مذهب مالك. المفهم (1/ 347).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير: أن حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن له؛ خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله تعالى-.
وفيه: بيان غلظ تحريم حقوق المسلمين، وأنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإن قضيب من أراك». شرح صحيح مسلم (2/ 162).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على شدة الوعيد لمن حلف ليأخذ حقًّا لغيره، أو يسقط عن نفسه حقًّا، فإنه يدخل تحت الاقتطاع لحق المسلم. سبل السلام (2/ 589).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
يفيد الحديث: التشديد على من حلف باطلًا ليأخذ حق مسلم، وهو عند الجميع محمول على من مات على غير توبة صحيحة، وعند أهل السنة محمول على من شاء الله أن يعذبه. الكبائر (ص: 100).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
منها: ما ساقه المؤلف (ابن حجر) من أجله، وهو أن الإنسان قد يستحق بدعواه شيئًا بيمينه، وله صورتان: دعوى ما ليس له، أو إنكار ما يجب عليه.
ومن فوائد الحديث: أن هذا النوع من الدعوى واليمين من كبائر الذنوب، وجه الدلالة: أنه رُتِّبَتْ عليه هذه العقوبة العظيمة، وكل ذنب رُتِّبَتْ عليه عقوبة دينية أو دنيوية، فإنه من كبائر الذنوب، وتعظم هذه الكبيرة بحسب ما فيها، أو بحسب ما رُتِّبَ عليها من العقوبة، فكل ما كانت عقوبته أعظم كان أكبر وأكبر. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 199).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها:.. بيان مشروعية القضاء في قليل المال وكثيره، ووجه دلالة الحديث على ذلك: أنه لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ‌من ‌اقتطع ‌حق ‌امرئ مسلم، وإن كان شيئًا يسيرًا، دل على أن اقتطاع القليل محرم وظلم ككثيره، ومعلوم أن من ظلم غيره، رافعه المظلوم إلى الحاكم، فإذا رفع إليه وجب عليه القضاء فيه، كما يجب عليه القضاء في كثير المال بلا فرق؛ إذ الكل ظلم؛ وقضاؤه هو الذي يدفع الظلم عن المظلوم -والله تعالى أعلم-.
ومنها: تحريم مال المسلم مطلقًا، كثيرًا كان أو قليلًا.
ومنها: أن اليمين الفاجرة من الكبائر؛ لتوعُّد الشارع عليها بأنها موجبة للنار، ومحرمة للجنة. ذخيرة العقبى (39/ 351).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده:
منها: بيان وعيد من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه الكاذبة، وأن ذلك من الأخلاق التي تنافي كمال الإيمان. البحر المحيط الثجاج (4/ 10-12).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(ظاهر) الحديث: أنَّ فاعل الكبيرة لا يدخل الجنة، بل هو مخلد في النار؛ لقوله: «أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة» وبهذا استدلت المعتزلة والخوارج، فقد استدلوا بهذا الحديث وما أشبهه من النصوص على أنَّ فاعل الكبيرة مخلد في النار؛ أخذًا بظاهر النص، وإعراضًا عن بقية النصوص، وهكذا كل إنسان مُبطل يأخذ من النصوص بجانب، ويدع الجانب الآخر، فينظر إلى النصوص بعين عوراء، لا يرى إلا من جانب واحد.
على كل حال: لو سألنا سائل: ما ظاهر هذا الحديث؟ أيوافق ما استدل به المعتزلة والخوارج أم لا؟ لقلنا: يوافق، كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- مُحكم، وهو خبر، لا يحتمل الكذب «فأوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة» ولكن يجب أنْ نعلم أنَّ الشريعة كلها دليل واحد، لا بد أنْ يقيد بعضه بعضًا، وأنْ يخصص بعضه بعضًا، لا نأخذ بجانب، وندع الجانب الآخر، فنكون ممن قال الله تعالى عنهم: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} النساء: 150، الأدلة الشرعية كلها كتلة واحدة، فيجب أنْ يقيد مطلقها، وأنْ يخصص عامها بمخصصها؛ لأنها دليل واحد، وعلى هذا فنقول: خرج هذا مخرج الوعيد، وما خرج مخرج الوعيد فلا بأس مِن أنْ يُؤتى به على سبيل الإطلاق تنفيرًا للنفس عنه؛ لأنَّ النفس إذا سمعت هذه الكلمة نفرت وهربت من أن تعمل هذا، ونظير ذلك فيما يجري بيننا، ومنه: أن تقول الأم لولدها: لئن فعلت كذا وكذا لأفعلن بك كذا وكذا من العقوبة، وهي في نفس الوقت لن تفعل، لكن باب الترهيب شيء آخر، قد يقول: هذا فيمن استحل ذلك، وإن لم يفعل استحق هذا الوعيد؛ ولهذا لما ذُكِرَ للإمام أحمد -رحمه الله- في آية وعيد قاتل المؤمن عمدًا أنها فيمن استحل ذلك ضحك تعجُّبًا، قال: كيف هذا؟ إنه إذا استحل قتل المؤمن عمدًا فهو كافر سواء قتل أم لم يقتل؟ ونظير ذلك مَن قال: إنَّ تارك الصلاة يكفر إذا تركها جاحدًا لوجوبها، فهذا جواب مضحك؛ لأنه إذا جحد وجوبها فهو كافر ولو صلى فريضة وتطوعًا، إذن لا يصح هذا التخريج، تخريج هذا الحديث على من استحل ذلك؛ لماذا لا يصح؟ لأن مستحلَّه يستحق هذه العقوبة سواء فعل أم لم يفعل.
جواب ثالث: أنَّ هذا سبب، يعني: أنَّ مَن اقتطع مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر، سبب لذلك؛ أي: لكونه تحرم عليه الجنة، وتجب له النار، والأسباب لا تنفذ إلا بانتفاء الموانع، والمانع هنا هو الإيمان، المانع من كونه تحرم الجنة عليه، وتجب له النار، فيكون هذا كقولنا في الإرث مثلًا: القرابة سبب للإرث، الأب يرث من الابن، والابن يرث من أبيه، لكن إذا وُجِدَ مانع امتنع الإرث، لا لفوات سببه، ولكن لوجود مانعه هذا، والأول هو أحسن الأجوبة: أن يقال: لإنه خرج مخرج الوعيد من أجل قوة النفور عنه، أو يقال: هذا بيان لكون هذا الشيء سببًا، والسبب قد يختلف لوجود مانع. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 199-200).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. الوعيد الشديد لمن حلف باللَّه كاذبًا.
2. أنه يخشى على من يحلف باللَّه وهو فاجر في يمينه أن يختم له بالشقاء.
3. صيانة حقوق الناس في الإسلام. فقه الإسلام(10/١٠٥).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

التحذير من اليمين الكاذبة عند منبر النبي ﷺ


إبلاغ عن خطأ