«الرَّاكِبُ يسيرُ خلفَ الجِنازةِ، والماشي يمشي خَلفها وأمامَها، وعن يمينِها وعن يسارِها قريبًا منها، والسِّقْطُ يُصَلى عليه، ويُدْعَى لوالديهِ بالمغفرةِ والرحمةِ».
رواه أحمد برقم: (18181)، وأبو داود برقم: (3180) واللفظ له، من حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-. ولفظ أحمد: «يدعى لوالديه بالعافية والرحمة».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (18207)، والترمذي برقم: (1031)، والنسائي برقم: (1942) «والطفل يُصلَّى عليه».
صحيح الجامع برقم: (3525)، وأحكام الجنائز برقم: (1/73)، وصحيح سنن النسائي برقم: (1834).
غريب الحديث
«الجِنازةِ»:
الجنازة: بنصب الجيم وجرِّها: الإنسان الميت، والشيء الذي ثَقُلَ على قوم واغتمُّوا به أيضًا: جنازة. العين، للخليل(6/ 70).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
والجنازة: واحدة الجنائز، والعامة تقول: الْجَنازة بالفتح، والمعنى: الميت على السرير، فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش. لسان العرب، لابن منظور (5/ 324).
«السِّقْطُ»:
السّقطُ: الولد يسقط قبل تمامه. مقاييس اللغة، لابن فارس (3/ 86).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
السقط -بالكسر والفتح والضم، والكسر أكثرها-: الولد الذي يسقط من بطن أُمِّه قبل تمامه. النهاية (2/ 378).
شرح الحديث
قوله: «الرَّاكِبُ يسيرُ خلفَ الجِنازةِ»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«الراكب يسير خلف الجنازة» أي: الأفضل في حقِّه ذلك. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/ 192).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الراكب يسير خلف الجنازة» إما محمول على العذر، أو مقيد بحال الرجوع. مرقاة المفاتيح (3/ 1204).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فأما الراكب فلا أعلمهم اختلفوا في أنه يكون خلف الجنازة. معالم السنن (1/ 308).
وقال البغوي رحمه الله-:
فأما الراكب، فكلهم قالوا: يمشي خلفها... وكرهوا الركوب في الجنازة من غير عذر، روي عن ثوبان، قال: خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فرأى ناسًا ركبانًا، فقال: «ألا تستحيون؟! إن ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب». شرح السنة (5/ 334-335).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «الراكب يسير خلف الجنازة» فيه دلالة على جواز الركوب حال تشييع الجنازة، لكن محله إذا دعت الحاجة إليه فلا ينافي ما تقدم في باب الركوب في الجنازة من أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- امتنع من الركوب حال تشييع الجنازة، ولام على من ركب، وعلى أن الأفضل للراكب أن يسير خلف الجنازة، وبه قالت المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور العلماء...
وقالت الشافعية: الأفضل للراكب أن يسير أمامها كالماشي، لكن ظاهر الحديث يرد عليهم...
فتحصل مما تقدم في هذا الباب والذي قبله أن الركوب خلف الجنازة مكروه إلا لحاجة. المنهل العذب المورود (9/ 11).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال: «الراكب خلف الجنازة» أي: يسير... ومن الغريب قول النووي في الروضة والمجموع عن جماهير العلماء: إن الأفضل أمامها، وإن كان راكبًا لعذر أو لغير عذر؛ لما صح أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يمشي أمام الجنازة، ا. هـ. ووجه الغرابة ظاهر؛ لأنه ما ورد أنه -عليه الصلاة والسلام- تقدم على الجنازة راكبًا، ولو ورد وصح كان معارضًا يحتاج إلى مرجح. مرقاة المفاتيح (3/ 1205).
وقال عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
والحديث (يعني: حديث: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة فرأى ناسًا ركبانا، فقال: ألا تستحيون إنّ ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب») يدل على كراهة الركوب خلف الجنازة، ويعارضه ما أخرج أبو داود عن المغيرة بن شعبة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريبًا منها» الحديث.
والجمع بين هذين الحديثين بوجوه:
منها: أن حديث المغيرة في حق المعذور بمرض أو شلل أو عرج ونحو ذلك، وحديث الباب في حق غير المعذور.
ومنها: أن حديث الباب محمول على أنهم كانوا قدام الجنازة أو طرفها فلا ينافي حديث المغيرة.
ومنها: أن حديث المغيرة لا يدل على عدم الكراهة وإنما يدل على الجواز، فيكون الركوب جائزًا مع الكراهة. تحفة الأحوذي (4/ 79-80).
قوله: «والماشي يمشي خلفها وأمامَها، وعن يمينِها وعن يسارِها قريبًا منها»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها» أي: كلما يكون أقرب منها في الجوانب الأربعة فهو أفضل للمساعدة في الحمل عند الحاجة، وفيه: دليل على جواز المشي أمام الجنازة وخلفها وعن يمينها وعن شمالها، وأن جميع الجهات في حق الماشي سواء، وفيه خلاف بين العلماء. مرعاة المفاتيح (5/ 403).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والماشي يمشي خلفها» وهو الأفضل عندنا، «وأمامها» وهو الأفضل عند الشافعي، «وعن يمينها وعن يسارها» وهما جائزان، «قريبًا منها» أي: كلما يكون أقرب منها في الجوانب الأربعة فهو أفضل للمساعدة في الحمل عند الحاجة؛ لزيادة التذكر في أمر الآخرة. مرقاة المفاتيح (3/ 1204).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها» يعني: أنه غير، وأن الكل سنة في حقه بشرط أن يكون: «قريبًا منها» لم يأخذ بهذا إلا ابن جرير الطبري، وأما الشافعية فقالت: أمامها مطلقًا والحنفية خلفها مطلقًا، وإذا صح الحديث فلا رأي لأحد معه، والمصنف قد صحح هذا بالرمز على أبي داود. التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 281).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
وقد اختلف أهل العلم في المشي أمام الجنازة وخلفها، فممن كان يرى المشي أمام الجنازة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وابن عمر وأبو هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبو أسيد الساعدي وأبو قتادة...، وهو قول عبيد بن عمير وشريح والقاسم بن محمد وسالم والزهري، ومالك والشافعي وأحمد، واحتج بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش...
وقال أصحاب الرأي: لا بأس بالمشي قدامها، والمشيُّ خلفها أحبُّ إلينا، وقال إسحاق بن راهويه: يتأخرها أحب إلينا، وقد روينا عن علي أنه مشى خلفها، وسئل الأوزاعي عن المشي أمام الجنازة؟ فقال: هو سعة، وأفضل عندنا خلفها.
قال أبو بكر (ابن المنذر): المشي أمام الجنازة وخلفها، وعن شمالها جائز، والمشي أمامها أحب إلي؛ لحديث ابن عمر، ولأن عليه الأكثر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين ومن بعدهم. الأوسط (5/ 381-384).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف في ذلك (المشي مع الجنازة) على ثلاثة مذاهب:
فقالت طائفة: يمشي أمامها وخلفها وحيث شاء، هذا قول أنس بن مالك ومعاوية بن قرة وسعيد بن جبير، وبه قال الثوري، قال: الفضل في المشي أمامها وخلفها سواء.
وقالت طائفة: المشي أمام الجنازة أفضل، روي ذلك عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يمشون أمام الجنازة، وهو قول ابن عمر وابن عباس وطلحة والزبير، وأبي قتادة وأبي هريرة، وإليه ذهب القاسم وسالم والفقهاء السبعة المدنيون، والزهري ومالك والشافعي وأحمد، وقال الزهري: المشي خلف الجنازة من خطأ السنة، واحتج أحمد بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش، وبحديث ابن عمر، وبعمل الخلفاء الراشدين المهديين، وقال ابن شهاب: ذلك عمل الخلفاء بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هَلُمَّ جَرًّا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي: المشي خلفها أفضل، وهو قول علي بن أبي طالب، واحتجوا بما رواه أبو الأحوص... عن ابن أبزى عن أبيه قال: «كنت أمشي في جنازة فيها أبو بكر وعمر وعلي -رضي الله عنهم- فكان أبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وكان علي يمشى خلفها، فقال علي: إن فضل الذي يمشي خلف الجنازة على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وإنهما ليعلمان من ذلك مثل الذي أعلم، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس» قالوا: ومثل هذا لا يقال بالرأي، وإنما يقال بما وقفهم عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: وقد روي عن ابن عمر مثل هذا، روى أبو اليمان... عن نافع، قال: «خرج عبد الله بن عمر إلى جنازة فرأى معها نساء فوقف، ثم قال: ردهن فإنهن فتنة الحي والميت، ثم مضى فمشى خلفها، قلت: يا أبا عبد الرحمن، كيف المشي في الجنازة، أمامها أم خلفها؟ فقال: أما تراني أمشي خلفها». فهذا ابن عمر يفعل هذا، وهو الذي يروي عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنه كان يمشي أمامها، فدل ذلك أن رسول الله كان يفعله على جهة التخفيف على الناس، لا لأن ذلك أفضل من غيره، وقد روى مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون السير أمام الجنازة، وتأولوا في تقديم عمر بن الخطاب للناس في جنازة زينب زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أمام الجنازة أن ذلك كان من أجل النساء اللاتي كن خلفها، فكره عمر للرجال مخالطتهن، لا لأن المشي أمامها أفضل. شرح صحيح البخاري (3/ 299-300).
وقال القاضي أبو يعلى -رحمه الله-:
المشي أمام الجنازة أفضل، فإن كان راكبًا فالمشي وراءها أفضل:
نص عليه في رواية عبد الله وقال: الماشي أمامها أفضل، والراكب وراءها.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: المشي خلفها أفضل، ولم يفرق بين الماشي والراكب.
وقال مالك، والشافعي -رحمهما الله-: المشي أمامها أفضل، ولم يفرقا بين الراكب والماشي.
دليلنا أن الماشي أمامها أفضل: ما روى أحمد... عن سالم عن أبيه -رضي الله عنهما- أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- يمشون أمام الجنازة...
وهذا أظهر في أن الفضل في المشي أمامها، وهذا فعل بحضور الصحابة، ولم ينقل عن أحد خلافه.
فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك لعارض، وهو كثرة النساء مع الرجال خلف الجنازة، فكره مخالطتهم.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لا يظن أحد أنه كان في زمن عمر -رضي الله عنه- مع عظم نفسه يخرج النساء مع الجنائز مع تقدم النهي عنه.
ولأن من يصلي على الميت شفعاء له...
فإن قيل: تقدم وتأخر على واحد ليس بعض ذلك أفضل من بعض، ليس كذلك المشي خلف الجنازة أو أمامها؛ لأنهم اتفقوا أن أحدهما أفضل من الآخر ولا يجوز اعتباره بما ذكرت.
قيل: لا لك هذا بل التقدم بالخطاب في الشفاعة، وإظهار نفسه، والمبالغة في ذلك أفضل من التأخر فيها، فلا فرق بينهما.
ولأن المشي أمامها احتياطًا للصلاة؛ لأنها تفوته، وإذا مشى خلفها فربما سبقته ففاتته الصلاة، ولا يلزم على هذا الراكب؛ لأن العادة أنها لا تسبقه. التعليقة الكبيرة (4/ 233-237).
وقال الصنعاني-رحمه الله-:
وللاختلاف في الحديث اختلف العلماء على خمسة أقوال:
الأول: أن المشي أمام الجنازة أفضل؛ لوروده من فعله -صلى الله عليه وسلم- وفعل الخلفاء وذهب إليه الجمهور والشافعي.
والثاني: للهادوية والحنفية أن المشي خلفها أفضل؛ لما رواه ابن طاوس عن أبيه: «ما مشى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى مات إلا خلف الجنازة» ولما رواه سعيد بن منصور من حديث علي -عليه السلام- «قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ» إسناده حسن وهو موقوف له حكم الرفع، وحكى الأثرم أن أحمد تكلم في إسناده.
الثالث: أنه يمشي بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها علَّقه البخاري عن أنس، وأخرجه ابن أبي شيبة موصولًا وكذا عبد الرزاق.
وفيه: التوسعة على المشيعين، وهو يوافق سنة الإسراع بالجنازة، وأنهم لا يلزمون مكانًا واحدًا يمشون فيه؛ لئلا يشق عليهم أو على بعضهم.
القول الرابع للثوري: أن الماشي يمشي حيث شاء والراكب خلفها؛ لما أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث المغيرة مرفوعًا: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها».
القول الخامس للنخعي: إن كان مع الجنازة نساء مشى أمامها وإلا فخلفها. سبل السلام (1/ 493).
قوله: «والسِّقْطُ يُصَلى عليه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «السقط يصلى عليه» مذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه يصلى على السقط إن استهل؛ أي: صوت حين انفصل من أمه ثم مات، وإن لم يستهل لم يُصَلَّ عليه.
وقال أحمد: يصلى عليه إذا كان له أربعة أشهر وعشر في البطن، ونفخ فيه الروح، وإن لم يستهل حين انفصل من الأم. المفاتيح (2/ 440).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والسقط» فيه ثلاث لغات: كسر السين وفتحها وضمها، والكسر أشهر، «يصلى عليه» والسقط: الولد تضعه المرأة ميتًا، أو لغير تمام، فأما إن خرج حيًا واستهل فإنه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف للعلماء، وللشافعي أصحها: أنه يغسل؛ لأنه عرف بنفخ الروح فيه وخروجها منه، والغسل أوسع بابًا من الصلاة؛ إذ الكافر يغسل ولا يصلى عليه، وإذا غسل السقط فلا يصلى عليه؛ لما روى الترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي: «إذا استهل الصبي صلى عليه» فإن مفهومه: إن لم يستهل لا يصلى عليه، ولأن أحكام الحي لا تثبت، فلا يرث ولا يورث، وروى البزار عن ابن عمر مرفوعًا: «استهلال الصبي العطاس» وإسناده ضعيف. شرح سنن أبي داود (13/ 446-447).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «والسَّقط يُصلَّى عليه» السقط مثلثة: الولد لغير تمام، فعندنا وعند الشافعي هذا مخصوص بأن يستهل، وهو أن يكون منه ما يدل على الحياة من حركة عضو أو رفع صوت، والمعتبر في ذلك خروج أكثره حيًّا، حتى لو خرج أكثره وهو يتحرك صلي عليه، وفي الأقل لا، وروى النسائي عن جابر: «إذا استهل الصبي صُلِّيَ عليه وورِثَ» ورواه الحاكم عن أبي الزبير، وقال: صحيح... وعند أحمد يصلى من غير استهلال؛ لهذا الحديث، ولحديث ابن عمر جاء في معناه، وقال: إذا بلغ أربعة أشهر في البطن جاز وإن لم يستهل؛ لأنه ينفخ فيه الروح في هذه المدة، غايته أنه خرج ميتًا، وصلاة الجنازة إنما تكون على الميت وهم يقولون: إنه لا يسمى ميتًا إلا إذا خرج حيًّا ثم مات. لمعات التنقيح (4/ 144-145).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«والسقط»... «يصلى عليه» إذا استهل أو تُيِقِّنَتْ حياته، ثم مات عند الجمهور، ومطلقًا عند أحمد إذا ولِد بعد نفخ الروح فيه وتمام أربعة أشهر وعشر. مرعاة المفاتيح (5/ 403).
وقال النووي -رحمه الله-:
(وأما) السَّقْط، فقد ذكرنا تفصيل مذهبنا فيه، وقال مالك: لا يُصلَّى عليه، إلا أن يختلج ويتحرّك، ويطول ذلك عليه، وحكى ابن المنذر عن جابر بن زيد التابعي، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي: أنه إذا لم يستهلّ لا يُصلَّى عليه، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنه يُصلَّى عليه، وإن لم يستهلّ، وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب، وأحمد، وإسحاق، وقال العبدري: إن كان له دون أربعة أشهر، لم يُصلَّ عليه بلا خلاف، يعني: بالإجماع، وإن كان له أربعة أشهر، ولم يتحرك، لم يُصلَّ عليه عند جمهور العلماء، وقال أحمد وداود -رحمهما الله-: يُصلَّى عليه. المجموع (5/٢٥٨).
وقال الشوكاني رحمه الله-:
قوله: «والسقط يصلى عليه» فيه دليل على مشروعية الصلاة على السقط، وإليه ذهبت العترة والفقهاء، ولكنها إنما تشرع الصلاة عليه إذا كان قد استهل. نيل الأوطار (4/ 57- 58).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال ابن الهمام: الاستهلال أن يكون منه ما يدل على الحياة من حركة عضو أو رفع صوت، والمعتبر في ذلك خروج أكثره حيًّا، حتى لو خرج أكثره وهو يتحرك صُلِّيَ عليه، وفي الأقل لا...
وأما معارضته بما رواه الترمذي من حديث المغيرة وصححه: أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: «السقط يصلى عليه» إلخ، فساقطة؛ إذ الحصر مقدم على الإطلاق عند التعارض. مرقاة المفاتيح (3/ 1204).
وقال السندي -رحمه الله-:
لكن الجمهور أخذوا بحديث جابر: «الطفل لا يصلى عليه حتى يستهل» ترجيحًا للحرمة على الحل عند التعارض -والله تعالى أعلم-. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (3/ 424).
قوله: «والطفل يصلى عليه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«والطفل يُصلَّى عليه» جملة من مبتدأ وخبر، والفعل مبني للمفعول، بين به أن الصلاة على الطفل إذا مات مشروعة، وهذا بعمومه يشمل من استهل، ومن لم يستهل، وبه قال أحمد، وغيره، وهو الراجح، وقال الجمهور: يصلى عليه إن استهل؛ لحديث جابر -رضي الله عنه- مرفوعًا: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث، حتى يستهل» رواه الترمذي وابن ماجه، لكن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. ذخيرة العقبى (19/ 167).
وقال النووي -رحمه الله-:
أمَّا الصبي، فمذهبُنا ومذهبُ جمهورِ السَّلفِ والخَلَفِ: وجوبُ الصلاةِ عليه، ونقل ابنُ المنذر -رحمه الله- الإجماعَ فيه، وحكى أصحابُنا عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنَّه قال: لا يُصلَّى عليه ما لم يَبلُغ، وخالف العلماءَ كافَّة، وحكى العَبدَرِيُّ عن بعضِ العلماءِ أنَّه قال: إن كان قد صلَّى، صُلِّي عليه، وإلَّا فلا، وهذا أيضًا شاذٌّ مردودٌ.
واحتجَّ له بروايةِ من روى أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- «لم يُصلِّ على ابنِه إبراهيم» -رضي اللهُ عنه-، ولأنَّ المقصودَ من الصَّلاةِ: الاستغفارُ للميت، وهذا لا ذنبَ له.
واحتجَّ أصحابُنا بعمومِ النصوصِ الواردةِ بالأمرِ بالصلاةِ على المسلمين، وهذا داخلٌ في عمومِ المسلمين، وعن المغيرةِ بنِ شُعبة -رضي اللهُ عنه- أنَّ رسولَ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: «الرَّاكبُ خلف الجِنازة، والماشي حيثُ شاءَ منها، والطِّفلُ يُصلَّى عليه»، رواه أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وأجاب الأصحابُ عن احتجاجِ سعيدٍ: بأنَّ الرِّوايةَ اختلفتْ في صلاتِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- على إبراهيم، فأثبتها كثيرونَ من الرُّواة، قال البيهقي: وروايتُهم أولى.
وقال أصحابُنا -رحمهم الله-: فهي أولى لأوجهٍ:
أحدُها: أنَّها أصحُّ من روايةِ النفي.
الثاني: أنَّها مُثبتةٌ، فوجبَ تقديمُها على النَّافيةِ كما تَقرَّر.
الثالث: يُجمَعُ بينهما؛ فمَن قال: صلَّى، أراد: أمر بالصلاةِ عليه، واشتغل -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هو بصلاةِ الكُسوف، ومَن قال: لم يُصلِّ، أي: لم يُصلِّ بنفسِه.
وأمَّا الجوابُ عن قولِه: المقصودُ المغفرةُ، فباطلٌ بالصلاةِ على النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، وعلى المجنونِ الذي بلغَ مجنونًا واستمرَّ حتى مات، وعلى مَن كان كافرًا فأسلم، ثم مات متَّصلًا به من غيرِ إحداثِ ذنب؛ فإنَّ الصلاةَ ثابتةٌ في هذه المواضعِ بالإجماع، ولا ذنبَ له بلا شكٍّ -واللهُ أعلم-. المجموع (5/٢٥٧).
قوله: «ويُدْعَى لوالديهِ بالمغفرةِ والرحمةِ» و «بالعافية والرحمةِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» رواه الحاكم بلفظ: «السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة» ... أي: إن كان أبواه مسلمين.
والذي ذكره الشافعي في دعاء الطفل: اللهم اجعله فرطًا لأبويه، وسلفًا وذخرًا وعظة واعتبارًا وشفيعًا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما؛ لما روى البيهقي من حديث أبي هريرة: أنه كان يدعى على المنفوس: «اللهم اجعله لنا فرطًا وسلفًا وأجرًا»، وفي جامع سفيان عن الحسن في الصلاة على الصبي: «اللهم اجعله لنا سلفًا واجعله لنا فرطًا واجعله لنا أجرًا» شرح سنن أبي داود (13/ 447).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ويدعي لوالديه بالمغفرة والرحمة» أي: في حال الصلاة عليه، ظاهره: أنه لا يجب الدعاء له بخصوصه، وبه قال بعض الشافعية. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/ 193).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» هذه من فوائد الأولاد: الدعاء للآباء بألسنتهم. التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 281).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولا خلاف في جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة، وإنما الخلاف في الركوب لِمُتَّبِعِها؛ فكرهه كثير من العلماء؛ سواء كان معها أو سابقها أو خلفها، والصحيح: جواز الركوب إلا أنه يتأخر عنها؛ لما خرجه الترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الراكب خلف الجنازة»...وهذا أصح من الأحاديث التي ذكر فيها منع الركوب مع الجنازة. المفهم (2/ 622).
وللفائدة ينظر:
- ثواب المشي مع الجنازة حتى الدفن.
- التعجيل بالجنازة بين الخير ودفع الشر.