الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

قلتُ للنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: حَسْبُكَ مِن صفيَّةَ كذا وكذا، قال غيرُ مُسَدَّدٍ: تعني: قصيرةً، فقال: «لقدْ قلتِ: كلمةً لو مُزِجَتْ بماءِ البحرِ لَمَزَجَتْهُ» قالت: وحَكَيْتُ له إنسانًا، فقال: «ما أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنسانًا وأنَّ لي كذا وكذا».


رواه أحمد برقم: (25560)، وأبو داود برقم: (4875) واللفظ له، والترمذي برقم: (2502)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (5140)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2834).
وفي لفظ عند أحمد برقم: (25049) «قد اغْتَبْتِيْهَا».
قال محققو مسند الإمام أحمد: (41/ 500): إسناده صحيح على شرط مسلم. 


غريب الحديث


«حَسْبُكَ»:
أما حسْب مجزوم، فمعناه: كفَى، تقول: حسبُكَ ذاكَ، أي: كفاكَ ذاكَ. تهذيب اللغة، للأزهري(4/ 192).

«لمزَجَتْهُ»:
المَزْجُ: خَلْطُ الْمِزَاج بالشيء. ومَزَجَ الشراب: خَلَطَه بغيره. ومِزَاج الشراب: ما يُمزج به. ومَزَجَ الشيءَ يمزُجُه مزجًا فامتزج: خَلَطَه. لسان العرب (2/ 366).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
معنى مزَجَتهُ: خَالَطتهُ مُخالطةً يتغيرُ بها طعمُه أو ريحُه؛ لشدة نَتَنِها وقُبحِها. فتح القريب المجيب. (11/ 396).

«حَكَيْتُ»:
حكيتُ فلانًا وحاكيتُهُ إذا فعلتُ مثلَ فِعلهِ أو قولِه سَواء. العين، للخليل (3/ 257).
وقال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
يقال: "حكى فلانٌ فلانًا" إذا فعلَ مثل فِعله، ويُستعمل غالبًا في الفعل الحَسَنِ، فإذا حكى القبيحَ، قيل: حاكاهُ. المجموع المغيث (1/ 481).


شرح الحديث


قولها: «قلتُ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: حسبُكَ من صفيةَ كذا وكذا، قال غيرُ مُسَدَّدٍ: تعني قَصيرةً»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلتُ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «حسبُك من صفية» أي: من عيوبها البدنية «كذا وكذا» كناية عن ذكر بعضها، وهو كذا في جميع نسخ المشكاة، وقيل: هذا تحريف في كتاب المصابيح، والصواب «حسبُك من صفيَّة أنها كذا كذا» تعني: أي تريد عائشة بقولها: «كذا وكذا): قصيرةً، أي: كونها قصيرة، قال شارح لها: كذا إشارة إلى شِبْرِها، قلتُ: الظاهر من تكرار «كذا» تعدُّد نَعتِها، فلعلها قالت بلسانها: «قصيرة» وأشارت بشِبرها أنها في غاية من القِصَر، فأرادت التأكيد بالجمع بين القول والفعل، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (7/ 3046).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«حسبُك من صفية» أي: من معايبها، وقوله: «تعني قصيرةً» أي: تُكَنِّي عائشة بقولها: «كذا وكذا» أنها قصيرة، وليست في الحُسن والاعتدال كما ينبغي...، وكان قد يقعُ بينها وبين صفية شيء من آثار الغِيرة. لمعات التنقيح (8/ 164 - 165).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«حسبُك من صفيةَ كذا وكذا» أي: يكفيك منها أنَّها قصيرة، وهذا كما جاء في الحديث: «بحسبِ امرئٍ من الشر أنْ يحقرَ أخاه المُسلم»، أي: يكفيه من الشر أن يحقرَ أخاه المسلم، وإنْ لم يضف إليه شرٌّ آخر، وقوله: «قال غير مسدد: تعني: قصيرةً» هذا هو الذي كنّي عنه في بعض الروايات بقوله: «كذا وكذا» يعني: أنها قالت: قصيرة. شرح سنن أبي داود (555/ 5).

قولها: «فقال: لقد قلتِ: كلمةً لو مُزجتْ بماءِ البحرِ لمزَجتْهُ»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
المعنى: أنَّ هذه الغِيبة لو كانت مما يمزجُ بالبحر لغيّرته عن حاله مع كثرته وغزارته، فكيف بأعمالٍ نَزرة خُلطت بها؟! تحفة الأبرار (3/ 241).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «فقال: لقد قلتِ: كلمةً لو مُزجت بماء البحر لمَزجتْهُ» يعني: لغلبتهُ، يعني: يزيدُ إثمُ هذه الغيبة على سائرِ البحر. فتح القريب المجيب (11/ 395 - 396).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فقال: «لقد قلتِ: كلمةً» واحدة «لو مُزجت بماءِ البحرِ» يحتمل أنْ يُراد أنَّ ريقَ فمكِ حين قلتِ هذه الكلمة المُنتنَة، لو مُزج هذا الريقُ اليسير النتِن من الكلمة بماء البحر العظيم المتين المحيط بالدنيا وخالطه «لمزجته» لفاقَ ريحُها على ريحه في النتَن، وناهيك بماء البحر وطعمه، وهذا كله مبالغة عظيمة، وزجر شديد، وتحذير أكيد، في ترك الغيبة والاستماع إليها. شرح سنن أبي داود (18/ 603).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال: لقد قلتِ: كلمة» أي: طويلة عريضة، ومُرَّةً نَتِنةً عند أرباب الحواس الكاملة، «لو مزج» بصيغة المجهول، أي: لو خُلِطَ «بها» أي: على فرض تجسيدها وتقدير كونها مائعًا «البحر» أي: ماؤه «لمزجته» أي: غلبته وغيَّرته. مرقاة المفاتيح (7/ 3046).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«لقد قلتِ: كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» ما قال: بماءِ العين؛ لأن مياه العيون عذْبة، والماء العذْب أقل شيءٍ يغيِّره، لكن ماء البحر مالح، وملوحته وكثافة الملح فيه تجعله يحتمل الكثير، ولا يتغير إلا بالشيء الكثير جدًّا يزيد عن ملوحته وكثافته. شرح الأربعين النووية (76/ 6).

قالت: «وحَكَيْتُ له إنسانًا، فقال: «ما أحبُّ أني حَكَيْتُ إنسانًا وأنَّ لي كذا وكذا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قالت: وحَكَيْتُ له إنسانًا» أي: فعلتُ له مثل فعلِه، أو قلتُ له مثلَ قوله، يقال: حكاه وحاكاه، وأكثر ما يُستعمل في قبيح المحُاكاة، ويقال: حكيت صَفتهُ إذا أتيت بمثلها، «فقال: ما أحبُّ أني حكيتُ إنسانًا» لفظ الترمذي: فقال: «ما يسُرُّني أني حكيتُ رجلًا وأنَّ لي كذا وكذا» على حكايته. شرح سنن أبي داود (18/ 603).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قولها: «قالت: وحكيتُ له إنسانًا، فقال: ما أحب أنْ حكيتُ إنسانًا، وأنَّ لي كذا وكذا» الحديث، يعني: ما أحبُّ أنْ أتحدث بغِيبة أحدٍ ولو أعطيتُ كذا وكذا من الدنيا بسبب ذلك الحديث. فتح القريب المجيب (11/ 396).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وحكيتُ له إنسانًا» أي: فعلتُ مثل فعله تحقيرًا له...، وقوله: «وأنَّ لي كذا وكذا» عطفٌ على «أني حَكيتُ» على معنًى يجمع بين الحكاية وحصول كذا، أو حال؛ أي: لا أحبّ الحكاية والحال أنْ يكون لي بسبها «كذا كذا» من الدنيا، فكيف بدونِ ذلك؟ وهذا الكلام ورد مورد العادة والعُرف؛ لأن الإنسان في العادة يحب حصولَ المنافع الدنيوية، فيحب بعض الأشياء؛ ليتوسل به إلى منافعه، وأما بالنظر إليه -صلى الله عليه وسلم- فالدنيا غير محبوبةٍ، فكيف يحبُّ الأمر المكروه لأجلها؟! والله تعالى أعلم. فتح الودود (4/ 564 - 565).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الذِّكْرَ باللسان إنما حُرم لأن فيه تفهيم الغير نُقصان أخيك، وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يُفهِم المقصود فهو داخل في الغِيبة، وهو حرام، ومِن ذلك: المحاكاة؛ يمشي متعارجًا، أو كما يمشي فهو غيبة، بل هو أشد مِن الغيبة؛ لأنه أعظم في التصوير والتفهيم؛ ولَمَّا رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشة حاكت امرأةً قال: «ما يسرني أني حاكيتُ إنسانًا ولي كذا وكذا» وكذلك الغيبة بالكتابة؛ فإنَّ القلم أحد اللِّسانَينِ. إحياء علوم الدين (3/ 144 - 145).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الكبيرة الثامنة والتاسعة والأربعون بعد المائتين: الغيبة والسكوت عليها رضًا وتقريرًا...، وحِكمة تحريمها مع أنَّها صدق: المبالغة في حفظ عِرض المؤمن، والإشارة إلى عظيم تأكد حُرمته وحقوقه، وزاد تعالى ذلك تأكيدًا وتحقيقًا بتشبيه عِرضه بلحمه ودمه، مع المبالغة في ذلك أيضًا بالتعبير فيه بالأخ، فقال -عز قائلا -: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} الحجرات: 12، ووجه التشبيه: أنَّ الإنسان يتألّم قلبه مِن قَرْضِ عِرضه، كما يتألم بدنه من قطع لحمه لأكله، بل أبلغ؛ لأن عِرض العاقل عنده أشرف من لحمه ودمه. الزواجر (2/ 8 - 10).
وقال النووي -رحمه الله-:
الغيبةُ: ذكرُك الإنسان بما يكرهُ، سواء ذكرته بلفظك، أو في كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك، أو يدك أو رأسك.
وضابطُه: كلّ ما أفهمتَ به غيرك نقصانَ مسلم فهو غيبة محرمة، ومن ذلك: المحاكاة؛ بأنْ يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، أو على غير ذلك من الهيئات مريدًا حكاية هيئةِ مَن يتنقصُه بذلك، فكل ذلك حرامٌ بلا خلاف. الأذكار (ص: 338).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
هذا الحديث: من أعظم الزواجر عن الغيبة، أو أعظمها، وما أعلم شيئًا من الأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ، {وَمَا يَنْطقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 3 -4، نسألُ اللَّه الكريم لطفه والعافية مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ. الأذكار (ص: 338).
وقال السفيري -رحمه الله-:
هذا حديث من أبلغ الزواجر عن الغِيبة، إذا كان هذا شأن كَلِمة هي في المقول فيها؛ فإنَّ عائشة قالت عنها: «إنها قصيرةً» وكانت قصيرة، فكيف حالُ مَن يتكلَّم في غيره بكلمة مفتراةٍ فيه؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، من كلمة توقع الإنسان في الهلاك. المجالس الوعظية (1/ 380).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا الحديث يدل على تحريم التمثيل، الذي هو مبنيٌّ على الحكاية، ومبنيٌّ على التقليد، وعلى -كما يقولون- تقمُّص شخصية شخص آخر، وأنه يأتي بحركات وأفعال تضاف إليه، فهو من جُملة الأحاديث التي تدل على أنَّ التمثيل الذي ابتلي به كثيرٌ من الناس في هذا الزمان غيرُ جائز، ومما يدل على تحريمه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ويلٌ لمَن يكذب؛ ليُضحك القومَ، ويلٌ له ثم ويلٌ له» ومعلوم أنَّ التمثيل مبنيٌّ على الكذب. شرح سنن أبي داود (555/ 5).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

حقيقة الغِيبة وخطر البهتان.


إبلاغ عن خطأ