«إنما أنا بَشَر، وإنكم تَخْتَصِمُون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنُ بحجَّته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمَن قَضَيْتُ له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أَقطع له قِطعة من النار».
رواه البخاري برقم: (7169)، ومسلم برقم: (1713)، من حديث أم سَلمة -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (2458)، ومسلم برقم: (1713): «...ولعلَّ بعضكم أنْ يكون أَبلغُ مِن بعض فأحْسِبُ أنه صادقٌ فأقْضِي له بذلك، فمَن قَضيتُ له بحقِّ مسلمٍ، فإنما هي قِطْعَة من النار، فَليأخُذْها أَو لِيَترُكْهَا».
غريب الحديث
«ألحن»:
اللَّحَن: الفطنة، وفي الحديث: «لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض». مجمل اللغة، لابن فارس (ص804).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
اللَّحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه، إذا مال عن صحيح المنطق، وأراد: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره، ويقال: لحنت لفلان، إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره؛ لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم. النهاية (4/ 241).
«بحجته»:
الحجة بالضم: الدليل والبرهان، وقيل: ما دفع به الخصم، وقال الأزهري: الحجة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة؛ وإنما سميت حجة لأنها تُحَج، أي: تُقصَد؛ لأن القصد لها وإليها. تاج العروس، للمرتضى الزبيدي (5/ 464).
وقال السيوطي-رحمه الله-:
الحجة: ما دلت على صحة الدعوى. معجم مقاليد العلوم (ص67).
«فأقضي»:
قضى يقضي قضاء، وقضية، أي: حَكَمَ. العين، للخليل (5/ 185).
قال الهروي -رحمه الله-:
قضى الحاكم، أي: فصل في الحكم. الغريبين في القرآن والحديث (5/ 1558).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إنما»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
الحصر هنا مجازي؛ لأنه يختص بالعلم الباطن ويسمى قصر قلب؛ لأنه أتى به ردًّا على من زعم أن من كان رسولًا فإنه يعلم كل غيب، حتى لا يخفى عليه المظلوم. فتح الباري (13/ 173).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
معناه: حصر في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على مواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 171).
وقال الوقشي -رحمه الله-:
مجازه: أنه قال له على جهة التواضع، أي: يدركني ما يدرككم حتى يؤيدني الله بالوحي المنزل. التعليق على الموطأ (2/ 177).
قوله: «أنا بشر»:
قال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما أنا بشر» على معنى الإقرار على نفسه بصفة البشر من أنه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الْمُحِقَّ من الخصمين من الْمُبْطِل، والإخبار بأن في ذلك حال غيره؛ لأنه لا يعلم من الغيب إلا ما اطلع عليه بالوحي. المنتقى شرح الموطأ (5/ 182).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
أي: إنما أنا مشارك لغيري من البشر في صفاتهم الخلقية، وإن زاد عليهم بما أعطاه الله تعالى من المعجزات الظاهرة واطلاعه على الغيوب، حيث أطلعه الله تعالى، ولكن إنما نحكم بين الناس بالظاهر -والله متولي السرائر-. شرح سنن أبي داود (14/ 629).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
إنما صدر الكلام بقوله: «إنما أنا بشر» تأسيسًا لجواز ألا يطابق حكمه ما في الواقع؛ لأنه بشر لا يعلم الغيوب، ولا يطلع على ما في الضمائر والنفوس، وإنما يحكم على حسب ما يسمعه من المترافعين، فلعل أحدهما أفطن بحجته وأقدر على تقريرها، فيقررها على وجه يظن أن الحق معه، فيحكم له. تحفة الأبرار (2/ 566).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: التنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئًا إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، والله يتولى السرائر، فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك، ولكنه إنما كُلِّف الحكم بالظاهر -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (12/ 5).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فإن قيل: أو لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- مصونًا في أقواله وأفعاله معصومًا على سائر أحواله؟
قلنا: إن العصمة تتحقق فيما يعد عليه دينًا ويقصده قصدًا، وما نحن فيه فليس بداخل في جملته، فإن الله تعالى لم يكلِّفْه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره، وهو الاجتهاد في الإصابة، يدل عليه ما روي عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه، وهو في حسان هذا الباب: «إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي». الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 866).
قوله: «وإنكم تختصمون إليَّ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إنكم تختصمون إِلَيَّ» يريد -والله أعلم-: وأنا لا أعرف المحق منكم من المبطل حتى يميز المحق منكم من المبطل فلا يأخذ المبطل ما أعطيه. عمدة القاري (24/ 247)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«تختصمون إليَّ» يعني: تتحاكمون إليَّ في الخصومة. شرح رياض الصالحين (2/ 531).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«تختصمون» الخطاب للخصوم الذين سمع أصواتهم، وهو في بيت زوجه أم سلمة، فخرج إليهم. فتح المنعم (7/ 12).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وقد ورد بيان سبب هذا القول في رواية يونس الآتية: «أنه -صلى الله عليه وسلم- سمع جَلَبَة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر...» إلخ، ووقع في رواية عبد الله بن رافع عند أبي داود: «أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلا دعواهما». الكوكب الوهاج (19/ 14).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
أي: تأتون إليَّ في الخصومات الواقعة منكم لأفصل بينكم. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 158).
وقال أبو الوليد الباجي-رحمه الله-:
وقوله: «إنكم تختصمون إلي» يريد -والله أعلم-: تتنازعون في الأموال وغيرها تنازعًا يدَّعِي كل واحد من الخصمين أنه أحق بها من صاحبه فيخاصمه في ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون غيره، وهو -صلى الله عليه وسلم- الحاكم في زمنه؛ لأنه إمام الأمة والمنفرد بالرئاسة الدينية والدنيوية، فلا يصح أن يحكم بين الناس إلا هو، أو من قدَّمه لذلك. المنتقى شرح الموطأ (5/ 182).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«وإنكم تختصمون إليَّ» وفي هذا إشارة إلى الدليل على أن الخصام لا يكون إلا عند الحاكم، فهو الذي يقضي وينفُذُ قضاؤه، وإن حكَّم رجلان رجلًا بينهما فإنه على اختلاف كثير بين العلماء جملته أنه يجوز عندنا وينفذ، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا ينفد إلا إن وافق مذهب قاضي البلد. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 872).
قوله: «ولعل بعضكم»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ولعل» استعمل هنا استعمال: عسى. عمدة القاري (24/ 116).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لعل» هنا للتوقع، يعني: فيتوقع أن يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 162).
وقال الوقشي -رحمه الله-:
«ولعل» في هذا الحديث ليست برجاء ولا طمع؛ لأنه لا مدخل لذلك في هذا الموضع، وإنما هو لأمر يمكن أن يقع، وأن لا يقع ...، ودخول «أن» في خبرها قلَّ ما يأتي إلا في الشعر تشبيهًا بــ: عسى. التعليق على الموطأ (2/ 179).
قوله: «أن يكون ألحن بحجته من بعض»:
قال المناوي -رحمه الله-:
أي: لعل وصف بعضكم أن يكون ألحن. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 359).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولعل بعضكم أن يكون ألحن» أي: أبلغ وأفصح، وأعلم بكيفية تصويره مقصوده، وأفطن لإقامة دليله. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 176).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «ألحن بحجته» أي: أقوم بدليله، وأعرف بما يدفع عنه دعوى خصمه، وأفطن من غريمه بما له وعليه وبما يضره وينفعه. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 472).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله «ألحن بحجته من بعض» إشارة إلى أن أحد الخصمين وإن كان أفهم من الآخر فإنه ليس ينبغي للحكم أن يعضده بحجته ولا أن ينبِّهه على منفعة، وقد قال بعض علمائنا: لا بأس للقاضي أن يُنَبِّه المغفَّل من الخصوم على حجته، ولست أراه؛ لما بَيَّنَّاه. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 874).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بقوله: «ألحن» في ترك الحيل. فتح الباري (13/ 173).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ألحن بحجته» أي: أفصح وأقدر على العبارة، فيزين كلامه بحيث أظنه صادقًا في دعواه، وربما يكون كاذبًا، فأقضي على وفق ظاهر دعواه، ولم أعرف أنه كاذب بينه وبين الله. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 321).
قوله: «فأقضي نحو ما أسمع»:
قال المناوي -رحمه الله -:
«فأقضي» فأحكم له، والواقع أن الحق لخصمه، لكنه لم يقدر على البرهان. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 359).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «فأقضي له على نحو ما أسمع» إشارة إلى الدليل على أن القاضي لا يكون إلا عالِمًا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يجوز أن يكون جاهلًا عاقلًا فيقلّدَ غيره ويحكم بما يقول له، وهذا باطل؛ فإن الذي يفتي هو الذي يقضي. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص875).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «فأقضي له على نحو ما أسمع» مما تعلق به أصحاب أبي حنيفة في الامتناع من القضاء على الغائب؛ لأنه إذا لم يسمع كلامه لمن يقضي أو بم يقضي، وقد روى أبو داود وغيره عن علي -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعلي حين أرسله إلى اليمن: «لا تقض على أحد الخصمين حتى تسمع من الآخر، فإنك -يعني: إن فعلت- لا تدري بم قضيت»...، وقد وَهِمَ بعض الناس في إحدى هاتين المسألتين -وهي مسألة القضاء على الغائب-؛ منهم البخاري فقالوا: الدليل على الغائب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى لهند على أبي سفيان، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وقد بينَّا في مسائل الخلاف أن هذا وَهْمٌ عظيم، وأنه لا متعلق لهم في هذا الحديث، وحققنا أنها كانت فتوى، وأن أبا سفيان كان حاضرًا، ولا خلاف بين الأمة أنه لا يقضى على غائب في البلد معلوم الموضع. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 876-877).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«على نحو» قيل: بالتنوين، «ما أسمع» فإنها بنيت أحكام الشريعة على ذلك، واستدل به من قال: لا يحكم بعلمه، ولا يحكم إلا بما سمع في مجلس حكمه، وبه قال أحمد ومالك في المشهور، وقال الشافعي: يقضى به، وقال أبو حنيفة: في المال فقط. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 176).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه قد يقع منه -صلى الله عليه وسلم- في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه -صلى الله عليه وسلم- لا يُقَرُّ على خطأ في الأحكام.
فالجواب: أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين؛ لأن مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده، فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف؛ الأكثرون على جوازه، ومنهم من منعه، فالذين جوَّزوه قالوا: لا يُقَرُّ على إمضائه، بل يُعْلِمُهُ الله تعالى به، ويتداركه، وأما الذي في الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة واليمين، فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأما الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإن هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (12/ 5-6).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأصح: أنه لا يَحكم بعلمه إلا في مسائل خاصة، ومثال ذلك: إذا حكم بعلمه بمقتضى حجة المتخاصمين في مجلس الحكم، فمثلًا إذا تحاكم شخصان فأقر أحدهما بالحق، ثم مع المداولة والأخذ والرد أنكر ما أقرَّ به أولًا، فهنا للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لأنه علمه في مجلس الحكم.
ومثال آخر: إذا كان مشتهرًا، مثل: أن يشتهر أن هذا المُلك وقف عامٌّ للمسلمين، أو يشتهر أنه ملك فلان، ويشتهر ذلك بين الناس، فهنا له أن يحكم بعلمه؛ لأن التهمة في هذه الحال منتفية، ولا يتهم القاضي بشيء، ولا يمكن أن يتجرأ أحد للحكم بعلمه وهو خاطئ بناء على أنه أمر مشهور.
والقول الصحيح في هذا: هو التفصيل، وإلا فإن الواجب أن يكون القضاء على حسب الظاهر لا على حسب علم القاضي. شرح رياض الصالحين (2/ 533).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به، وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك، وأنه لا يقضى على أحد بغير ما لفظ به، فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله وسنة نبيه، قال: ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زَمْعَة بابن الوليدة، فلما رأى الشبه بَيِّنًا بِعُتْبَةَ قال: «احتجبي منه يا سودة» انتهى.
ولعل السر في قوله: «إنما أنا بشر» امتثال قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} الكهف:110، أي: في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين، فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به؛ ليتم الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن.
والحاصل: أن هنا مقامين:
أحدهما: طريق الحكم، وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب، وفيه البحث.
والآخر: ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلا الله، ومن شاء من رسله، فلم يقع التكليف به. فتح الباري (13/ 175).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال القرطبي: أجمعت الأمّة عن بكرة أبيهم على أنه ليس لأحد أن يقتل بعلمه إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-. مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (2/ 881).
قوله: «فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
الإشارة بقوله: «فمن قضيت له بشيء» إلى آخره، يعني: إن قضيت له بظاهر يخالف الباطن فهو حرام، فلا يأخذن ما قضيت له؛ لأنه أخذ ما يؤول به إلي قطعة من النار، فوضع المسبب -وهو قطعة من النار- موضع السبب، وهو ما حكم به له. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2612).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من حق أخيه» يشمل الحقوق المالية والجنائية والشخصية وغيرها. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 162).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«بحق أخيه» أي: المسلم، وكذا الذمي. إرشاد الساري (15/ 126)
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وترجم عليه البخاري: أن القضاء في القليل والكثير سواء؛ لقوله: «بشيء». إكمال المعلم (5/ 562)
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بحق أخيه» إنما ذكر بالأخوة باعتبار الجنسية؛ لأن المراد: خصمه، وهو أعم من أن يكون مسلمًا، أو ذميًا، أو معاهدًا أو مرتدًّا؛ لأن الحكم في الكل سواء.
وقيل: يحتمل أن يكون هذا من باب التهييج، وعبر بقوله: «بحق أخيه» مراعاة للفظ الخبر الذي تقدم في ترك الحيل من طريق الثوري عن هشام بن عروة. عمدة القاري (24/ 256).
قوله: «فلا يأخذه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلا يأخذه» أي: لكونه حرامًا، يستحق به العقاب. ذخيرة العقبى (39/ 273).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله -:
فيه: بيان واضح بأن قضاء القاضي بالظاهر الذي يُعْتَدُّ به لا يُحِلُّ حرامًا في الباطن على من علمه، وأجمع العلماء على أن ذلك في الأموال صحيح كما وصفنا؛ لقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة 188، واختلفوا في حل عصمة النكاح أو عقدها بظاهر ما يقضي به الحكم، وهو خلاف الباطن، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وجمهور العلماء: الأموال والفروج في ذلك سواء وهي حقوق كلها ...، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وكثير من أصحابنا: إنما ذلك في الأموال. الاستذكار (7/ 96).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
قد تبين بما ذُكِرَ من الحجج أن ما ذهب إليه الجمهور من أن حديث الباب على إطلاقه، فيشمل جميع الأحكام عقودًا وفسوخًا وغير ذلك، أمولًا وفروجًا هو الحق، وأن القول بالتفرقة بين المال والبضع قول ضعيف بل باطل؛ لمخالفته لهذا الحديث وغيره -والله تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى (39/ 280).
قوله: «فإنما أقطع له قطعة من النار»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فإنما أقطع له به قطعة من النار» الفاء للتعليل، أي: لا يأخذه؛ لأنه قطعة من النار، وليس المراد: أنه الآن حين القضاء قطعة من نار تحرق، فقد يكون نافعًا للمحكوم له في الدنيا، ولكن المراد: أنه سيتحول إلى قطعة من النار يوم القيامة يجبر على أخذها لتحرقه. فتح المنعم (7/ 13).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فإنما أقطع له قطعة من النار» على حدِّ قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} النساء: 10؛ لأن آكلي مال اليتامى يأكلونها بغير حقٍّ، وهذا الذي حُكم له وهو مبطل يأخذه بغير حق، فكأنما يأكل نارًا -والعياذ بالله-. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 162).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«قطعة من النار» المعهودة التي هي نار جهنم. كشف اللثام (6/ 460).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قطعة من النار» تمثيل يفهم منه شِدَّة التعذيب على من يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه، كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} النساء: 10. فتح الباري (13/ 173).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«قطعة من النار» بكسر القاف، أي: طائفة، أي: إن أخذها مع علمه بأنها حرام عليه دخل النار. عون المعبود (9/ 362).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قطعة من النار» تمثيل لشدة العذاب على من يأخذه، وأنه أخذ من النار قطعة يختص بها، والتنكير للتعظيم. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 177).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «قطعة من النار»: قيل: أي من العذاب بالنار، فسمى العذاب بها باسمها، كما قال: إني أنا الموت، وقد يكون على طريق التمثيل لما يضره من ذلك في أخراه كما تضره النار، بدليل قوله في الرواية الأخرى: «فليحملها أو ليذرها». إكمال المعلم (5/ 562).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
شبَّه ما يحكم به في ظاهر القول بقطعة يقطعها للمدعي من النار، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} النساء: 10 الآية؛ لأنه لما كان ذلك سببًا لدخولهم النار كأنه بعض النار. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 472-473).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفقه: أن البشر لا يعلمون الغيب، وإذا كان الأنبياء يعرفون بهذا فكيف يصح لأحد دعوى ذلك؟ الاستذكار (7/ 91).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
وفيه: دلالة على أنه يحكم بالدليل الظاهر ولا يترك، وإن تُوُهِّمَ واستُحْسِنَ خلافه. شرح مسند الشافعي (3/ 356).
وقال المغربي -رحمه الله-:
ظاهره: الحكم بما يسمع الحاكم من كلام المتخاصمين بما يثبت به الحكم من سرد الدعوى، أو من إجابة المدعى عليه، أو الإقرار من أي المتخاصمين، وكذلك بما يكون معهما من شهادة، وسواء كانت صادقة في نفس الأمر أو كاذبة، ومثلها اليمين. البدر التمام (10/ 23).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
(الحديث) يدل على أنه لا يحلُّ للمقضي له أن يأخذ ما ليس له، وإن حَكم له الحاكم، وفي هذا: دليل صريح على من يعتقد أن حكم الحاكم يبيح المحظور. كشف المشكل (4/ 422).
قال ابن العربي -رحمه الله-:
دليل على أن الخصوم هم الذين يأتون إليه، ولا يمشي القاضي إليهم بإجماع، إلا أن تكون نازلة عامة على نفر يخاف منها الاستشراء، فيمشي إليهم، ويفصل أمرهم، كما مشى النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، ولم يرسل إليهم؛ ليكون ذلك عنده، وهو حديث صحيح لا غبار عليه، فصار هذا أصلًا في الباب. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 881).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفوائد:
إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه.
وفيه: أن من ادعى مالًا ولم يكن له بينة فحلف المدعى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا يبرأ في الباطن، وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك تنافي دعواه سمعت، وبطل الحكم.
وفيه: أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الْحِيَلِ حتى يصير حقًّا في الظاهر ويحكم له به أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم.
وفيه: أن المجتهد قد يخطئ فيرد به على من زعم أن كل مجتهد مصيب.
وفيه: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر.
وفيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يُحْتَجُّ به عليهم.
وفيه: إن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحق وعكسه مذموم، فإن المراد بقوله: «أبلغ» أي: أكثر بلاغة، ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يُذَمُّ، وإنما يُذَمُّ من ذلك ما يُتَوَصَّل به إلى الباطل في صورة الحق، فالبلاغة إذن لا تُذَمُّ لذاتها، وإنما تُذَمُّ بحسب التعلق الذي يمدح بسببه، وهي في حد ذاتها ممدوحة، وهذا كما يُذَمُّ صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته، ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح، فإن البلاغة إنما تُذَمُّ من هذه الحيثية بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجية عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها، بل كل فتنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها، وقد تُذَمُّ أو تمدح بحسب متعلقها.
وفيه: الرد على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها، واحتج بأن الشاهد المتصل به أقوى من المنفصل عنه.
ووجه الردِّ عليه: كونه -صلى الله عليه وسلم- أعلى في ذلك من غيره مطلقًا، ومع ذلك: فقد دل حديثه هذا على أنه إنما يحكم بالظاهر في الأمور العامة، فلو كان المدعى صحيحًا لكان الرسول أحق بذلك، فإنه أعلم أنه تجري الأحكام على ظاهرها، ولو كان يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية، وسبب ذلك: أن تشريع الأحكام واقع على يده، فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك، نعم لو شهدت البينة مثلًا بخلاف ما يعلمه علمًا حِسِّيًا بمشاهدة أو سماع يقينيًا أو ظنِّيًّا راجحًا لم يَجُزْ له أن يحكم بما قامت به البينة، ونقل بعضهم الاتفاق، وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم -كما تقدم في باب الشهادة- تكون عند الحاكم في ولايته القضاء.
وفي الحديث أيضًا: موعظة الإمام الخصوم ليعتمدوا الحق، والعمل بالنظر الراجح، وبناء الحكم عليه، وهو أمر إجماعي للحاكم والمفتي -والله سبحانه وتعالى أعلم-. فتح الباري، باختصار (13/ 174-177).