«إنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- يَبسُطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مُسِيءُ النهارِ، ويبسُطُ يدَهُ بالنهارِ ليتوبَ مُسيءُ الليلِ حتى تَطلُعَ الشمسُ من مغربِها».
رواه مسلم برقم: (2759)، من حديث أبي موسى -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«يَبسُطُ»:
بسَط الشيء: نشره. الصحاح، للجوهري (3/ 1116).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
ويدٌ بِسْطٌ أيضًا، يعني: بالكسر، أي: مُطلقة.النهاية (1/ 128).
شرح الحديث
قوله: «إن اللهَ -عزَّ وجلَّ- يَبسُطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مُسِيءُ النهار»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إن الله -عز وجل- يبسط» ويمد «يده» المقدسة بسطًا يليق به «بالليل» أي: في الليل «ليتوب مسيء النهار» أي: المذنب في النهار... وهذا الحديث من أحاديث الصفات، نُجْرِيْهِ على ظاهره ولا نُؤَوِّلُهُ كما أوَّله الْمُؤَوِّلون كما هو المذهب الصحيح الذي عليه السلف الصالح، فنقول: فبسط الله -عز وجل- يده المقدسة صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها لا نؤولها ولا نكيفها ولا نمثلها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11. الكوكب الوهاج (25/ 225).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إن الله -عز وجل- يبسط يده» أي: بسطًا حقيقيًّا، لا مجازيًّا، فإن الحق والصواب: أن لله تعالى يدًا حقيقية، كما أثبتتها نصوص الكتاب والسنة، فنثبتها إثباتًا بلا تمثيل، وننزه الله -سبحانه وتعالى- عن مشابهة خلقه، تنزيهًا، بلا تعطيل...
«بالليل» أي: فيه، فالباء بمعنى: في، «ليتوب مسيء النهار» يعني: أنه لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يمهلهم؛ ليتوبوا. البحر المحيط الثجاج (42/ 685-686).
وقال النووي -رحمه الله-:
فبسط اليد استعارة في قبول التوبة. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 76).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا النووي وغيره ممن تأوَّل:
هذه التأويلات كلها غير مقبولة؛ لأنَّ حاصلها: حمل بسط الله تعالى يده على لازم المعنى، والحق: أنَّ أصل المعنى ثابت لله -سبحانه وتعالى- على ما يليق بجلاله، ثم يتبعه ما ذكروه من اللوازم، فتنبذه، ولا تغتر بكثرة القائلين، وإنَّما الحق ما دل عليه صريح الكتاب والسُّنة، وإنْ قلَّ قائلوه، على أنَّ هذه المسألة القائلون بها كثيرون وهم السلف، ومن سلك سبيلهم، فاتبع طريقهم تسلم، وتغنم -والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم-. البحر المحيط الثجاج (42/ 686).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ليتوب مُسيء النهار» مما اجترح فيه. فيض القدير (2/ 281).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار» من أوقع الإساءة بالعصيان نهارًا. التنوير (3/ 368).
وقال أبو يعلى -رحمه الله-:
اعلم أنه غير ممتنع إضافة البسط إليه، كما لا يمتنع إضافة الخلق بيده إليه، ولا فرق بينهما...
فإن قيل: اليد ها هنا عبارة عن الملك والنعمة والقدرة، وهذا مستعمل في كلام الناس فيقولون: الأمور كلها بيد الله، كما يقولون: أمور الخلق تجري بقدرة الله؟!
قيل له: فيجب أن تتأول قوله: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ص: 75، على القدرة والملك، فيكون معناه: خلقتُ بقدرتي! وقد اتفقنا وهذا القائل على أن المراد باليد هناك: يد صفة، كذلك ها هنا. إبطال التأويلات (ص: 580).
قوله: «ويبسُطُ يدَهُ بالنهارِ ليتوبَ مُسيءُ الليلِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» يعني: يقبل التوبة من العصاة ليلًا ونهارًا، أيَّ وقت كان (وبسط اليد هنا أيضًا يُحمل على الحقيقة اللائقة بالله تعالى). فيض القدير (2/ 281).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل: يحتمل أن اختصاصه النهار هنا والليل وإن كانت التوبة مقبولة أيّ وقت كانت، فالمراد بذلك: أوقات مخصوصة كثلث الليل، وبعد الزوال، والوقتين المشهودين، وحضرة النداء؛ لما جاء من أن أبواب السماء تفتح فيها. إكمال المعلم (8/ 261).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«بالنهار ليتوب مُسيء الليل» فباب قبول التوبة مفتوح في كل الأوقات يدخله من يتوب. التنوير (3/ 368).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وهذا من كرمه -عز وجل- أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت، فإذا أذنب الإنسان ذنبًا في النهار فإن الله -تعالى- يقبل توبته ولو تاب في الليل، إذا أذنب وتاب في النهار فإن الله-تعالى- يقبل توبته؛ بل إنه - تعالى- يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن. شرح رياض الصالحين (1/ 104).
قوله: «حتى تَطلُعَ الشمسُ من مغربِها»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حتى تطلع الشمس من مغربها» أي: إلى طلوع الشمس من محل غروبها، وذلك قرب الساعة، وهو وقت غلق باب التوبة. البحر المحيط الثجاج (42/ 686).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى تطلع الشمس من مغربها» وعند ذلك لا تقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا. التنوير (3/ 368).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «حتى تطلع الشمس من مغربها» إشارة إلى أنَّ ذلك البسط والطلب ماضٍ باقٍ إلى طلوع الشمس من المغرب، فتغلق التوبة، فلا طلب ولا قبول. الأزهار، مخطوط، لوح (237).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
«حتى تطلع الشمس من مغربها»...وهذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أن الناس إذا أتت وجدوا الشمس طالعة من مغربها خاض إلى قلوبهم من الفزع ما يخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت من انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت.
والآخر: أن طلوع الشمس من مغربها لا يعلم إلا بخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما زال غير المسلمين مكذبين لهذا الخبر اعتمادًا على أنه مباين لصنعة الكواكب والأملاك والأفلاك، غير لائق بوضعها ونظامها، فإذا شوهد ذلك عيانًا دلَّ على صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- ضرورة، تتوفى بوقوع العلم بنبوَّتِهِ ضرورة، ووقوع العلم بالله تعالى ضرورة، وإذا ارتفع الامتحان ورفعت الضرورة لم يقع الإيمان ولا التوبة موقع العبادة كما لا يقعان في عرصات القيامة موقع العبادة لهذا المعنى -والله أعلم-. المنهاج في شعب الإيمان (3/ 135-136).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يدعو المذنبين إلى التوبة في الليل والنهار ما لم تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت الشمس من المغرب لا تقبل التوبة...
مفهوم هذا الحديث وأشباهه: أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من المغرب، واختلف الأئمة في هذا؛ فقال جماعة: إنه لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة، ودليلهم: مفهوم هذا الحديث وأشباهه من الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
وقال جماعة: بل هذا مخصوص لمن شاهد طلوع الشمس من المغرب، فمن شاهد لا تقبل توبته إن كان مذنبًا، ولا يقبل إيمانه إن كان كافرًا؛ لأن الإيمان والتوبة بالغيب مقبول، وأما بالمشاهدة غير مقبول، فإن جميع الأمم التي أهلكت بالعذاب؛ كقوم ثمود وصالح ولوط وغيرهم آمنوا حين رأوا عذاب الله، ولكن لا يقبل إيمانهم، وقد آمن فرعون حين غرق في البحر، ولكن لم يقبل إيمانه، بل أجيب بقوله تعالى:{آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} يونس: 91، وتقديره: آلآن تؤمن وقد عصيت قبل؟
فعند القائلين بأن هذا مخصوص لمن رأى طلوع الشمس من المغرب، لو ولد بعد ذلك شخص، أو كان في ذلك الوقت شخص غير بالغ ثم بلغ، أو كان (أي: هذا الشخص) كافرًا فآمن، أو مذنبًا فتاب، فيقبل إيمانه وتوبته؛ لأنه لم يشاهد طلوع الشمس من المغرب حتى يكون إيمانه وتوبته عن مشاهدة.
وقد جاء في بعض الروايات عن رسول الله -عليه السلام-: «أن الشمس تطلع من المغرب ثلاثة أيام» والأصح: أنها تطلع يومًا واحدًا، ثم تطلع من المشرق على حالها إلى يوم القيامة، ولا يكون بين طلوعها من المغرب وبين القيامة زمان طويل، فلم يثبت حديث متواتر بحيث يحصل العلم واليقين به، ولكن قد جاء في بعض الروايات: «أن رجلين شبيبين يلتقيان فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقول: أخبرني أهلي: ولدت حين طلعت الشمس من المغرب».
وقد جاء في حديث صحيح: أن: «أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها» والمختار من هذين القولين: أن من رأى طلوع الشمس من المغرب، أو ولد بعد ذلك وبلغ وسمع من جماعة حصل له يقين بقولهم: إن الشمس طلعت من المغرب لا يقبل إيمانه ولا توبته.
ومن لم يَرَ طلوع الشمس من المغرب ولم يسمع طلوعها من المغرب من جماعة حصل له يقين بقولهم يقبل إيمانه وتوبته. المفاتيح (3/ 178-180).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى تطلع الشمس من مغربها» فحينئذ يغلق بابها. مرقاة المفاتيح (4/ 1616).
وقال ابن حجر -رحمه الله- بعد أنْ ذكر آثارًا تدل على استمرار إغلاق باب التوبة بعد طلوع الشمس:
فهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا متفقة على أنَّ الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأنَّ ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة. فتح الباري (11/ 355).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ثم قيل: عدم قبول الإيمان والتوبة في ذلك الوقت مخصوص بمن شاهد طلوعها، حتى إنَّ مَن ولد بعده أو لم يشاهده يقبل كلاهما منه، والصحيح: أنَّه غير مخصوص؛ للخبر الصحيح: «إنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى يغلق بابها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أُغلق». مرقاة المفاتيح (8/ 3407).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
وفي الحديث: تنبيه على سعة رحمته، وكثرة تجاوزه عن الذنوب. مرقاة المفاتيح (4/ 1616).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
يثبت هذا الحديث: صِفةَ اليد لله -سبحانه وتعالى-، وهذه اليد ليست كَيَدِنا بل يد تليق بجلال اللَّه -سبحانه وتعالى- دون تشبيه، ولا تمثيل ولا تعطيل.
ويُثْبِتُ -أَيضًا-: أن التوبة لا يختص قبولها بوقت معين إلا ما حدده الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها. أصول الإيمان (ص: 39).
وقال فيصل ابن مبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: طلب من اللطيف الرؤوف الغافر لعباده أن يتوبوا؛ ليتوب عليهم. تطريز رياض الصالحين (ص: 22).
وقال فيصل ابن مبارك -رحمه الله- أيضًا:
في هذا الحديث: أنَّ الله تعالى يقبل التوبة من عبده ليلًا ونهارًا ما لم يغرغره الموت، أو تطلع الشمس من مغربها، قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158. تطريز رياض الصالحين (ص: 295).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل على محبة الله -سبحانه وتعالى- للتوبة...
ومن فوائد حديث أبي موسى: إثبات أن الله -تعالى- له يد، وهو كذلك، بل له يدان -جل وعلا-، كما قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} المائدة: 64، وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه -بل اليدان- يجب علينا أن نؤمن بهما؛ وأنهما ثابتتان لله، ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا؛ لأن الله يقول في كتابه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، وهكذا كل ما مر بك من صفات الله، فأثبتها لله -عز وجل-؛ لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته -عز وجل-.
وفي هذا الحديث: أن الله -سبحانه وتعالى- يقبل توبة العبد وإن تأخرت، لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب؛ لأن الإنسان لا يدري، فقد يفجؤه الموت فيموت قبل أن يتوب؛ فالواجب المبادرة، لكن مع ذلك، لو تأخرت تاب الله على العبد.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الشمس إذا طلعت من مغربها، انتهى قبول التوبة، وقد يسأل السائل، يقول: هل الشمس تطلع من مغربها؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق؟
فنقول: نعم هذا هو المعروف، وهذا هو المطَّرِد منذ خلق الله الشمس إلى يومنا هذا؛ لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة، وتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا كلهم، حتى الكفار: اليهود والنصارى والبوذيون والشيوعيون وغيرهم؛ كلهم يؤمنون. ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه.
كل يتوب أيضًا، لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته؛ لأن هذه آية يشهدها كل أحد، وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة، ولم ينفع الإيمان. شرح رياض الصالحين (1/ 106-106).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ توبة التائب لا تتصوَّر إلا بتوفيق الله تعالى ورحمته، وإنَّ العبد لا يتوب حتى يتوب الله عليه.
وقال في شرح مسلم (أي: النووي، قال نحوه في حديث آخر): فيه دلالة على قبول التوبة مرة بعد أخرى. الأزهار، مخطوط، لوح (237).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
طلوع الشمس من مغربها وإغلاق باب التوبة.