الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«ما حقُّ امرئٍ مسلم له شيء يُوصِي فيه ‌يبيت ‌ليلتين إلا ووصيته مَكتوبة عِنده»


رواه البخاري برقم: (2738) ومسلم برقم: (1627)، من حديث ابن عمر -رضي
ورواه مسلم برقم: (1627) بلفظ: «يَبِيتُ ثَلاثَ ليالٍ»، قال عبدُ الله بن عمر: ما مرَّتْ عليَّ ليلةٌ منذ سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك إلا وعندي وصيَّتي.


غريب الحديث


«ووصيَّتُه»:
الواو والصاد والحرف المعتل: أصلٌ يَدُلُّ على وَصْلِ شيء بشيء، ووصَيْتُ الشَّيْءَ: وَصَلْتُهُ. مقاييس اللغة، لابن فارس(6/ 116).
وقال الرازي -رحمه الله-:
أوْصَى له بشيء وأوصى إليه: جعله وَصِيَّهُ، والاسم الوِصَايَة بفتح الواو وكسرها. مختار الصحاح (ص: 740).


شرح الحديث


قوله: «ما حقُّ امرئٍ مسلم»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما ‌حقُّ امرئ ‌مسلم» كذا في أكثر الروايات، وسقط لفظ «‌مسلم» من رواية أحمد، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك، والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذُكر للتَّهْيِيج لتقع المبادرة لامتثاله لِمَا يُشعر به مِن نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث فيه السبكي من جهة أن الوصية شُرعت زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق وهو يصح من الذمي والحربي، والله أعلم. فتح الباري (5/ 357).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «ما ‌حقُّ امرىءٍ ‌مسلم» معناه: ما حقُّه مِن جهة الحزم والاحتياط إلا أن تكون وصيتُه مكتوبةً عنده، إذا كان له شيءٌ يريد أن ‌يوصِي فيه؛ فإنه لا يَدري متى توافيه منيَّتُه، فتَحُوْلُ بينَه وبين ما يُريد مِن ذلك. معالم السنن (4/ 82).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لفظة «حق» أظهر من الوجوب، فإنْ حُملت على الأظهر فعلى ما تقدم من الوجوه التي يتعين ويجب بها فيمن ترتَّبَت عليه حقوق، قال الباجي: وهذا عندي فيما له بال من الحقوق والودائع والأموال التي لها بال، وجَرَت العادة بعقد العقود، وبهذا ليست مما يتكرر، فأمّا ما يتكرر ويتجدد كل يوم من خفيف المعاملات والديون ويتأدى في كل يوم (فإن ذلك يَشقُّ فيها)؛ ويؤيد ما ذهب إليه قوله: «يبيت ‌ثلاث ليال»، قال أبو ثور: قوله: «‌حق» يدل على أنها على الندب؛ لأنه ردَّ الحق إلى المسلم، كقوله: هذا زيد، أي أنه له لا يتركه، فإذا تركه لم يلزمه. إكمال المعلم (5/ 360).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌حق امرئ» وامرأة؛ لأن «النساء شَقَائق الرجال» وهو اسم (ما) الحجازية. الكوكب الوهاج (18/ 94).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«‌مسلم» جرى على الغالب، وإلا فوصية الذمّي صحيحة، والكفّار مخاطبون بالفروع، أو يكون ذلك من الخطاب المسمّى عند البيانيين: بالتَّهْيِيج، أي: الذي يمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهيه إنما هو المسلم، كما في نظائره. شرح سنن أبي داود (12/ 328).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«مَا» أي: ليس «حَقُّ امْرِئٍ» رجلٍ «‌مُسْلِمٍ» أو ذميٍّ، ولمسلمٍ عن أيوبَ عن نافعٍ: «ما ‌حقُّ امرئٍ يؤمن بالوصيَّة»، قال ابن عبد البرِّ: فسَّره ابن عيينة: أي: يؤمن بأنَّها ‌حقٌّ. إرشاد الساري (10/ 563).

قوله: «له شيء يُوصِي فيه»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «له شيء يوصي فيه» عامٌّ في الأموال والبنين الصغار، والحقوق التي له وعليه كلها، مِن ديون، وكفارات، وزكوات فرَّط فيها، فإذا وصَّى بذلك؛ أُخرجت الديون من رأس المال، والكفارات، والزكوات مِن ثُلُثِهِ، على تفصيل يُعرف في الفقه. المفهم (4/ 540).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «له شيء يوصي فيه» يحتمل من المال كما قال تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} البقرة: 180، ويحتمل أن يريد بقوله: «شيء يوصى فيه» عن إثبات الوصية من الديون والأمانات والحقوق التي فرّط فيها. إكمال المعلم (5/ 360).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن عبد البر: قوله: «له مال» أولى عندي من قول من روى: «له شيء»؛ لأن الشيء يطلق على القليل والكثير، بخلاف المال، كذا قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها فرواية «شيء» أشمل؛ لأنها تعم ما يُتموَّل وما لا يتمول، كالمختصات، والله أعلم. فتح الباري (5/ 357).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله (في لفظ) : «يريد أن يوصي فيه» واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب، ثم لو سلَّمْنا أن ظاهره الوجوب فنقول بموجبه فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تَلَفَها على الورثة، فهذا تجب عليه الوصية، ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت. المفهم (4/ 540).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
روى ابن عون عن نافع عن ابن عمر الحديث بلفظ: «لا يحل لامرئ مسلم» وقال المنذري: إنها تؤيد القائل بالوجوب، لكن لم يتابَع ابن عون على هذه الرواية، وقد قال المنذري: إنها شاذة.
وفي رواية لابن عبد البر: «لا ينبغي لأحد عنده مالٌ يوصي فيه أن يأتي عليه ليلتان»، وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب له الوصية.
قال بعضهم: يشقُّ على الإنسان أن يأتي كلَّ يوم مع كثرة تكرره كتابة محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المكررة، وهذه المشقة قرينة تدل على أن المراد به حالة المرض المخوف التي يغلب على ظنّه قربُ موتِه وقلةُ أيامه البواقي، فهذا لا يحصل المشقة في كتابة وصيته، وعلى هذا فيكون من تخصيص الحديث. شرح سنن أبي داود (12/ 328).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع الجمهور على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا أن يكون عليه دَين، أو يكون عنده وديعة أو أمانة؛ فيوصي بذلك، وشذ أهل الظاهر فأوجبوا الوصية فرضًا إذا تَرك الرجلُ مالًا كثيرًا، ولم يوقِّتوا في وجوبها شيئًا، والفرائض لا تكون إلا مؤقتة معلومة، والله أعلم. الاستذكار (7/ 260).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستُدل بقوله: «له شيء» أو «له مال» على صحة الوصية بالمنافع، وهو قول الجمهور، ومنعه ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود وأتباعه، واختاره ابن عبد البر.
فتح الباري (5/ 360).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدل بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية، وبه قال الزهري، وأبو مجلز، وعطاء، وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه البيهقي، عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق، وداود، واختاره أبو عوانة الإسفراييني، وابن جرير وآخرون.
ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى مَن شذ، كذا قال، واستدل لعدم الوجوب من حيث المعنى؛ لأنه لو لم يوصِ لقُسِم جميعُ مالِه بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبة لأُخرج مِن ماله سهمٌ ينوب عن الوصية، وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة كما قال ابن عباس: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله مِن ذلك ما أحب، فجعل لكل واحد من الأبوين السدس"، الحديث.
وأجاب من قال بالوجوب: بأن الذي نُسخ الوصيةُ للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما الذي لا يَرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقّه، وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: «ما حق امرئ» بأن المراد الحزم والاحتياط؛ لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعي، وقال غيره: الحق لغةً: الشيء الثابت، ويطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، وقد يُطلق على المباح أيضًا لكن بقلِّة، قاله القرطبي، قال: فإن اقترن به (على) أو نحوها كان ظاهرًا في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حُجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب، وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال: «له شيء يريد أن يوصي فيه»، فلو كانت واجبة لِمَا علَّقها بإرادته، وأما الجواب عن الرواية التي بلفظ: «لا يحل» فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي الحِلِّ ثبوتَ الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.
واختلف القائلون بوجوب الوصية؛ فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاوس، وقتادة، والحسن، وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة، أخرجه ابن جرير وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم تُنَفَّذ، ويُرَدُّ الثلث كلُّه إلى قرابته، وهذا قول طاوس، وقال الحسن، وجابر بن زيد: ثُلُثَا الثلث، وقال قتادة: ثُلُثُ الثلث، وأقوى ما يَرِد على هؤلاء: ما احتج به الشافعي من حديث عمران بن حصين في قصة الذي أعتق عند موته ستة أَعْبُدٍ له لم يكن له مالٌ غيرهم، فدعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فجزّأهم ستة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة، قال: فجعل عتقه في المرض وصية، ولا يقال: لعلهم كانوا أقارب المعتق؛ لأنا نقول: لم تكن عادة العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنما تملك من لا قرابة له، أو كان من العجم، فلو كانت الوصية تَبطُل لغير القرابة لبَطلت في هؤلاء، وهو استدلال قوي، والله أعلم.
ونقل ابن المنذر، عن أبي ثور: أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يَخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوصِ به، كوديعة ودَين لله أو لآدمي، قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: «له شيء يريد أن يوصي فيه»؛ لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه ولو كان مؤجلًا، فإنه إذا أراد ذلك ساغ له، وإن أراد أن يوصي به ساغ له، وحاصله يرجع إلى قول الجمهور: إن الوصية غير واجبة لعينها، وإن الواجب لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتنجيز أو وصية، ومحل وجوب الوصية إنما هو فيما إذا كان عاجزًا عن تنجيز ما عليه، وكان لم يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحق بشهادته، فأما إذا كان قادرًا أو علم بها غيرُه فلا وجوب.
وعُرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه، ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار، كما ثبت عن ابن عباس: «الإضرار في الوصية من الكبائر» رواه سعيد بن منصور موقوفًا بإسناد صحيح، ورواه النسائي ورجاله ثقات... فتح الباري (5/ 357).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
واختلف العلماء: هل أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو لم يوص؛ لاختلاف الروايات في ذلك؟
ففي البخاري عن ابن أبي أوفى أنه لم يوص، قالوا: لأنه لم يترك بعده مالًا، وأما الأرض فقد كان سبّلها، وأما السلاح والبغلة فقد كان أخبر أنها لا تُورث، كذا ذكره النووي، وفي "المغازي" لابن إسحاق أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يوصِ عند موتِه إلا بثلاثٍ لكل مِن: الدَّارِيِّين (وفد ‌الداريِّين من لخمْ، وهم عشرة) والرَّهاويين (نسبة إلى رهاوة وهي قبيلة من اليمن من مذحج) والأشعريين بجادِّ مائة وسْق من خيبر (بمعنى المجدود، أي: نخل يُجَد مِنه ما يبلغ مائة وسْق)، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة. وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه: «أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاث: أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» الحديث. سبل السلام (5/ 271).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
والحديث دليل على الإيصاء بشيء يتعلق بالحقوق ونحوها؛ لقوله: «له شيء يريد أن يوصي فيه» وأما كتب الشهادتين ونحوهما -مما جرت به عادة الناس- فلا يُعرف فيه حديث مرفوع، وإنما أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن أنس موقوفًا قال: «كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} البقرة: 132»، وضمير «كانوا» عائد إلى الصحابة؛ إذ المخبر صحابي. سبل السلام (5/ 271).

قوله: «يبيت ليلتين» وفي لفظ: «يَبيتُ ثلاثَ ليالٍ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «يبيت ليلتين» المقصود بذكر الليلتين أو الثلاث: التقريب، وتقليل مدَّة ترك كَتْب الوصية، ولذلك لَمَّا سمعه ابن عمر لم يَبِت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته، والحزمُ المبادرةُ إلى كتبها أول أوقات الإمكان؛ لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة، ويحتمل أن يكون إنما خصَّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه، فيتحقق بذلك، ويروي فيها ما يوصي به، ولمن يوصي، إلى غير ذلك. المفهم (4/ 540).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
وعند البيهقيِّ: «ليلةً أو ليلتين» ولمسلمٍ والنَّسائيِّ: «ثلاث ليالٍ» والاختلاف دالٌّ على التَّقريب لا التَّحديد. إرشاد الساري (10/ 563).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وكأن ذِكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج؛ لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دالٌّ على أنه للتقريب لا التحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: «لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك إلا ووصيتي عندي»، قال الطيبي: "في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي: لا ينبغي أن يبيت زمانًا ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك". فتح الباري (5/ 357).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
قوله: «يبيت ليلتين» أي: من بلوغه، أو إسلامه إن كان كافرًا. كشف اللثام (5/ 153).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
تقديره: آمِنًا أو ذاكرًا، وقال ابن التين: تقديره مَوْعُوكًا، والأول أولى؛ لأن استحباب الوصية لا يختص بالمريض، نعم قال العلماء: لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه، والوفاء له عن قُرب، والله أعلم. فتح الباري (5/ 357).

قوله: «إلا ووصيَّتُه عنده مكتوبة»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
أي: مشهود بها؛ فإن الغالب إنما يَكتب العدول؛ لأن أكثر الناس لا يحسن الكتابة، ولهذا قال تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} البقرة: 282، المراد به الشهادة، وحينئذ فلا دلالة فيه على اعتماد الخط إذا عُرف كما يقوله المالكية. شرح سنن أبي داود (12/ 328).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
ونقل في (المصابيح) فيما إذا وُجِدَت وصيَّةٌ بخطِّ الميِّت من غير إشهادٍ في تَرِكَته، ويُعرَف أنَّها خطُّه بشهادة عَدلين، عن الباجي أنَّها لا يثبت شيءٌ منها؛ لأنَّه قد يكتب ولا يَعزِم. إرشاد الساري (10/ 563).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما قوله: «ووصيته مكتوبة عنده» فمعناه: مكتوبة، وقد أشهد عليه بها، لا أنه يقتصر على الكتابة، بل لا يُعمل بها ولا تنفع إلا إذا كان أَشْهَدَ عليه بها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال الإمام محمد بن نصر المروزي من أصحابنا: يكفي الكتاب من غير إشهاد؛ لظاهر الحديث، والله أعلم. شرح النووي على مسلم (11/ 74).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «إلا ووصيته مكتوبة عنده» ذِكرُ الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق؛ لأنه إنما يعني بكونها مكتوبة، مشهودًا بها، وهي الوصية المتفق على العمل بها، فلو أشهد بها العدول، وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعُمِل بها، وإن لم تُكتب خطًّا، فلو كتبها بيده، ولم يُشهِد بها؛ فلم يختلف قول مالك: إنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يُتهم عليه، فيلزم تنفيذه، واختُلف عن مالك فيما إذا كتبها، وأشهد عليها، فقال فيها: إن متُّ في سفري هذا، أو في مرضي هذا، فسَلِم من الموت في ذلك السَّفر والمرض، ولم يخرجها من يده حتى مات بعد ذلك، فهل تنفذ أو لا؟ قولان، فلو وضعها على يد غيره نُفِّذَت، ولو لم يقيدها بذلك المرض ولا بذلك السَّفر، وأمسكها عنده إلى أن مات؛ نُفِّذت، قولًا واحدًا. المفهم (4/ 540).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
وحجة الجمهور: أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثرهم لم يوصِ؛ لأنه لم يُنقل عنهم وصية، ولم يُنقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لم يخلوا بذلك، ولنُقل عنهم نقلًا ظاهرًا؛ لأنها عطية لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كعطية الأجانب، فأما الآية، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: نسخها قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} النساء: 7، وقال ابن عمر: نسختها آية الميراث، وبه قال عكرمة، ومجاهد، ومالك، والشافعي. كشف اللثام (5/ 153).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
تفويض الأمر إلى إرادة الموصي يدل على عدم الوجوب، ولكنه يبقى الإشكال في الرواية المتقدمة بلفظ: «لا يحل لامرئ مسلم»، وقد قيل: إنه يحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحِل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح. نيل الأوطار (6/ 41).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استدل بقوله: «مكتوبة عنده» على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، وخص أحمد، ومحمد بن نصر من الشافعية ذلك بالوصية؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام، وأجاب الجمهور: بأن الكتابة ذُكرت لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى «وصيته مكتوبة عنده» أي: بشرطها، وقال المحب الطبري: إضمار الإشهاد فيه بُعد، وأجيب بأنهم استدلوا على اشتراط الإشهاد بأمر خارج، كقوله تعالى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ} المائدة: 106، فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية، وقال القرطبي: ذِكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق، وإلا فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة، والله أعلم.
واستدل بقوله: «وصيته مكتوبة عنده» على أن الوصية تنفذ وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره، وكذلك لو جعلها عند غيره وارتجعها. فتح الباري (5/ 357).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«مكتوبة عنده»...اعلم أن ظاهر الحديث مُشعِر بأن مجرد الكتابة بلا إشهاد عليها كاف، وليس كذلك، بل لا بد من الشاهدين عند عامة العلماء؛ لأن حق الغير تعلَّق به فلا بد لإزالته من حُجة شرعية، ولا يكفي أن يشهدهما على ما في الكتاب من غير أن يطَّلِعا عليه. مبارق الأزهار (801) (ص: 274).
قوله: «قال عبدُ الله بن عمر: ما مرَّتْ عليَّ ليلةٌ منذ سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك إلا وعندي وصيَّتي»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: منقبة لابن عمر لمبادرته لامتثال قول الشارع ومواظبته عليه.
وفيه: الندب إلى التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، لأنه ما مِن سِنٍّ يفرض إلا وقد مات فيه جمعٌ جمٌّ، وكل واحد بعينه جائز أن يموت في الحال؛ فينبغي أن يكون متأهبًا لذلك، فيكتب وصيته، ويجمع فيها ما يَحصُل له به الأجر ويُحبِط عنه الوِزر من حقوق الله وحقوق عباده، والله المستعان. فتح الباري (5/ 357).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وفي الحديث: الحض على الوصية ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصّوها بالمريض، وإنما لم يُقيَّد به في الخبر لاطراد العادة به، وقوله: «مكتوبة» أعم من أن تكون بخطّه أو بغير خطه.
ويستفاد منه: أن الأشياء المهمة ينبغي أن تُضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا. فتح الباري (5/ 360).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه: دليلٌ على أنَّ الوصيةَ غيرُ واجبةٍ، وهو قول عامة الفقهاء، وقد ذهب بعضُ التابعين إلى إيجابها، وهو قول داود.
وفيه: أن الوصية إنما تُستحب لمن له مال يريد أن ‌يُوصي فيه، دون من ليس له فضلُ مالٍ، وهذا في الوصية التي هو متبرِّع بها، مِن نحو صدقة وبِرٍّ وصِلة، دون الديون والمظالم التي يَلزمه الخروجُ عنها، فإنَّ مَن عليه دَينٌ أو قِبَله تَبِعةٌ لأحدٍ من الناس فالواجب عليه أن ‌يوصي فيه، وأن يتقدم إلى أوليائه فيه؛ لأن أداء الأمانةِ فرضٌ واجب عليه. معالم السنن (4/ 82).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: الحضُّ على الوصية والتأكيد في ذلك. الاستذكار (7/ 260).
وقال البغوي -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن الوصية مستحبة غير واجبة؛ لأنه فوض إلى إرادته فقال: «له شيء يوصي فيه» يعني: يريد أن يوصي فيه، وهو قول عامة أهل العلم.
وذهب بعض التابعين إلى إيجابها ممن لم يجعل الآية منسوخة في حق الكافة، ثم الاستحباب في حق من له مال دون من ليس له فضل، وهذا في الوصية المتبرع بها من صدقة، وبر وصلة، فأما أداء الديون والمظالم التي يلزمه الخروج منها، ورد الأمانات، فواجب عليه أن يوصي بها، وأن يتقدم إلى أوليائه فيها؛ لأن أداء الحقوق، والأمانات فرض واجب عليه. شرح السنة (5/ 278).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: الحث على الوصية، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهبنا ومذهب الجماهير أنها مندوبة لا واجبة، وقال داود وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة؛ لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه، فليس فيه تصريح بإيجابها، لكن إن كان على الإنسان دَين أو حقٌّ أو عنده وديعة ونحوها لزمه الإيصاء بذلك.
قال الشافعي -رحمه الله-: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته، ويُشهد عليه فيها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدد له أمرٌ يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها، قالوا: ولا يُكلَّف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزيئات الأمور المتكررة. المنهاج شرح صحيح مسلم (11/ 74).

حكم كتابة الوصية


أحاديث ذات صلة

إبلاغ عن خطأ