«إيَّاكُمْ والدخولَ على النساءِ؛ فقالَ رجلٌ من الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ، أفرأيتَ الحَمْوَ؟ قال: الحَمْوُ الموتُ».
رواه البخاري برقم: (5232)، ومسلم برقم: (2172)، من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«الحَمْوُ»:
واحد الأحماء وهم الأصهار من قِبَل الزوج، يقال لواحدهم: حَمْـو. أعلام الحديث، للخطابي (3/ 2025).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الحمُ أحد الأحماء: أقارب الزوج. النهاية(1/ 448).
شرح الحديث
قوله: «إيَّاكُمْ والدخولَ على النساءِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إياكم والدخول» بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز عنه؛ كما قيل: إياك والأسد، وقوله: «إياكم» مفعول بفعل مضمر تقديره: اتقوا، وتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء والنساء أن يدخلن عليكم، ووقع في رواية ابن وهب بلفظ: «لا تدخلوا على النساء» وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى. فتح الباري (9/ 331).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «إياكم والدخول على النساء» مخصوص بغير المحارم، وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولا بد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضيًا للخلوة، أما إذا لم يقتضِ ذلك فلا يمتنع. إحكام الأحكام (2/ 181).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إياكم والدخول على النساء» أي: على الأجانب؛ لأنه مظنة وذريعة إلى المعصية، ويدخل الخلو بالأجنبية بالأولى، وهذا من باب سدِّ الذرائع إلى الحرام. التنوير (4/ 395).
قوله: «فقالَ رجلٌ من الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ، أفرأيتَ الحَمْوَ؟»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أرأيتَ الحمو؟» أي: أخبرني عن دخول الحمو عليهنّ، بفتح الحاء وكسرها وسكون الميم وبالهمزة: واحد الأحماء، وهم أقارب الزوج، قيل: المراد به: غير أب الزوج وابنه؛ لأنهما من المحارم. شرح المصابيح (3/ 546-547).
قوله: قالَ: «الحَمْوُ الموتُ»:
قال الترمذي -رحمه الله-:
ومعنى قوله: «الحمو»، يقال: هو أخو الزوج، كأنه كره له أن يخلو بها. السنن (3/ 466).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فقال: الحمو الموت» من التشبيه البليغ، أي: هو مثل الموت، أي: أعظم ضررًا من الأجانب؛ لأنه يوهن، ولا تحرز عنه فيقدر على الفساد أكثر من غيره، والأحماء: أقارب الزوج، والظاهر: أن المراد: غير المحارم. الكوثر الجاري (8/ 535).
وقال الشيخ ابن باديس -رحمه الله-:
«الحمو الموت»: تشبيه بليغ كزيد أسد، وفي الموت استعارة تصريحية، شبَّه فساد البيوت وخرابِها وانحلال روابطها بالموت بجامع الهَلاك والزوال في كلٍّ، فجاء -عليه وآله الصلاة والسلام- بهذا التركيب البليغ البالغ للمبالغة في التحذير، والبلوغ إلى غاية التأثير. مجالس التذكير (ص: 176).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ومعنى «الحمو الْمَوْت»: قيل: كما يُقَال: الْأسد الْمَوْت، أَي: لقاؤه مثل الْمَوْت؛ لما فِيهِ من الْغرَر الْمُؤَدِّي إِلَى الموت، أي: الاجتماع مع الأحماء والخلوة بهم كذلك إِلَّا من كان ذَا محرم مِنْهُم، وَقيل: يَقُول: فلْيَمُتْ وَلَا يَفْعَله، وَقيل: لَعَلَّه إِنَّمَا عبر عَنهُ بِالْمَوْتِ لما فِيهِ من أحرف الحِمَام وَهُوَ الموت. مشارق الأنوار(1/ 199).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معنى قوله: «الحمو الموت» أي: احذر الحمو، كما تحذر الموت. أعلام الحديث (3/ 2025).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحمو الموت» فمعناه: أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه والفتنة أكثر؛ لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي، والمراد بالحمو هنا: أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد: الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه؛ فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه، فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث، وأما ما ذكره المازري وحكاه: أن المراد بالحمو: أبو الزوج، وقال: إذا نهى عن أبي الزوج وهو محرم فكيف بالغريب؟ فهذا كلام فاسد مردود، ولا يجوز حمل الحديث عليه، فكذا ما نقله القاضي عن أبي عبيد أن معنى: «الحمو الموت»: فلْيَمُتْ ولا يفعل هذا، هو أيضًا كلام فاسد، بل الصواب ما قدمناه. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 153- 154).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «الحمو الموت» أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي: فهو محرم معلوم التحريم، وإنما بالغ في الزجر عن ذلك، وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلفهم لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة، وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي: لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخول الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو برجمها إن زَنَتْ معه. المفهم (5/ 501-502).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال صاحب مجمع الغرائب: يحتمل أن يكون المراد: أن المرأة إذا خلت فهي محل الآفة، ولا يؤمن عليها أحد؛ فليكن حموها الموت، أي: لا يجوز لأحد أن يخلو بها إلا الموت؛ كما قيل: نعم الصهر القبر، وهذا لائق بكمال الغيرة والحمية. فتح الباري (9/ 332).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وأما قوله -عليه السلام-: «الحمو الموت» فتأويله يختلف بحسب اختلاف الحمو، فإن حمل على محرم المرأة -كأبي زوجها- فيحتمل أن يكون قوله: «الحمو الموت» بمعنى: أنه لا بد من إباحة دخوله، كما أنه لا بد من الموت، وإن حمل على مَن ليس بمحرم، فيحتمل أن يكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ والدعاء؛ لأنه فهم من قائله: طلب الترخيص بدخول مثل هؤلاء الذين ليسوا بمحارم فغلظ عليه لأجل هذا القصد المذموم، بأن دخول الموت عوضًا من دخوله؛ زجرًا عن هذا الترخيص، على سبيل التفاؤل، والدعاء، كأنه يقال: مَن قصد ذلك فليكن الموت في دخوله عوضًا من دخول الحمو الذي قصد دخوله، ويجوز أن يكون شبه الحمو بالموت باعتبار كراهته لدخوله، وشبَّه ذلك بكراهة دخول الموت. إحكام الأحكام (2/ 181).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
قوله (في رواية) : «ألا حموها الموت» معناه: أن حماها الغاية في الشر والفساد؛ فشبهه بالموت لأنه قصارى كُل بلاء وشدة، وذلك أنه شر من الغريب من حيث إنه آمن مُدلّ والأجنبي مُتَخَوِّفٌ مُتَرَقِّبٌ، ويحتمل أن يكون دعاء عليها، أي: كأن الموت منها بمنزلة الحم الداخل عليها إن رضيت بذلك. الفائق (1/ 318).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: أي فرق بين الإخبار والدعاء؟ قلتُ: في الإخبار أداة التشبيه ووجهه مضمران، أي: الحمو كالموت في الشر والضرر، وفي الدعاء ادعاء أن الحمو نوعان: متعارف وهو القريب، وغير متعارف وهو الموت، وطلب لها غير المتعارف لما استفتى الرجل المتعارف مبالغة، هذا معنى قول القائل: رد المغضب المنكر عليه. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2269).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد: موت الدِّين، وإنما بالغ بهذا التشبيه لتساهل الناس في ذلك حتى كأنه ليس بأجنبي، وقد بالغ مالك في هذا الباب حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها وإن كانت جائزة؛ لأن موقع ذلك من الرجل ليس كموقعه من أمه؛ لأن ذلك قد استحكمت فيه النفرة العادية. التنوير (4/ 395- 396).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وكذلك مُعاشرة الرجل الأجنبي للنسوةِ ومخالطتُهنَّ مِن أعظم المنكرات التي تأباها بعضُ البهائم فضلًا عن بني آدم. جامع المسائل (5/ 219).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي الحديث: تحريم الدخول على النساء لغير حاجة شرعية، والخلوة بهن، وفي معنى ذلك: الخلوة بالأمرد الحسن الذي يُفْتَتَنُ به، وكل مَن في الخلوة به إفساد على زوج أو أب أو ولي لليتيم، أو مالك؛ فإن الخلوة بالزوجة والولد واليتيم والمملوك وإفسادهم على مَن ذكر حرام؛ لِحَقِّهم، بخلاف المرأة غير المحرم، والأمرد الحسن؛ لأن التحريم فيهما لأجل مَن خلا بهما، ويتضمن ذلك الإفساد عليهما وعلى وليهما -والله أعلم-.
وفيه: السؤال عما يلزم أن يكون داخلًا في عموم الكلام؛ فإن قوله: «إياكم والدخول على النساء» يعمّ الحمو وغيره، فسأل عنه.
وفيه: الجواب بأمر يلزم منه التغليظ في النهي، والتحذير من ارتكابه -والله أعلم-. العدة (3/ 1299).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يستفاد من الحديث:
1-النهي عن الدخول على الأجنبيات والخلوة بهن، سدًّا لذريعة وقوع الفاحشة.
2-أن ذلك عام في الأجانب من أخي الزوج وأقاربه، الذين ليسوا محارم للمرأة...
3-التحريم -هنا- من باب تحريم الوسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد.
4-الابتعاد عن مواطن الزلل عامة، خشية الوقوع في الشر.
5-قال شيخ الإسلام: كان عمر بن الخطاب يأمر العُزاب ألا يسكنوا بين المتأهلين، وألا يسكن المتأهل بين العُزاب، وهكذا فعل المهاجرون لما قدِموا المدينة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-. تيسير العلام (ص: 590).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وهذا الحديث فيه: تحريم الدخول على النساء؛ لأنه خلوة، سواء كان في البيت، أو في السيارة، أو في المصعد الكهربائي، والخلوة من أسباب الشَّر والفساد، فلا بد أن يكون معهما ثالث تزول به الخلوة من غير ريبة، أما إذا كانت ريبة فلا ولو كانوا مائة فلا يجوز. توفيق الرَّب المنعم (6/ 292).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
في الحديث دليل على كمال الشريعة الإسلامية وحرصها على صون الأعراض ومنع الفساد -والله تعالى أعلم-. منحة العلام (8/ 115).