«من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحَمد، وهو على كل شيء قدير عشر مِرَارٍ كان كَمَن أعتق أربعة أَنْفُس من ولدِ إسماعيل».
رواه البخاري برقم: (6404)، ومسلم برقم: (2693)، واللفظ له، من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «من قال عشرًا كان كمن أَعتق رقبة من ولدِ إسماعيل».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أنفُس»:
النَّفْسُ: الروح، يقال: خرجت نفسه، والنَّفْسُ: الدم، يقال: سألت نفسه، وفي الحديث: «ما ليس له نفس سائلة؛ فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه»، والنَّفْسُ: الجسد، ويقولون: ثلاثة أَنْفُسٍ؛ فيذكرونه لأنهم يريدون به: الإنسان، ونَفْسُ الشيء: عينه يُؤَكَّد به يقال: رأيت فلانًا نَفْسَهُ، وجاءني بنفسه. مختار الصحاح، للرازي (ص: 688).
شرح الحديث
قوله: «من قال: لا إله إلا الله»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«من قال: لا إله إلا الله» أي: من ذكر الله بهذا الذكر. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 322).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«لا إله إلا الله» لا معبود بحق في الوجود إلا الله -سبحانه وتعالى-. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (3/ 60).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لا إله إلا الله»، كلمة توحيد بالإجماع، وهي مشتملة على النفي والإثبات، فقوله: «لا إله» نفي الألوهية عن غير الله، وقوله: «إلا الله» إثبات الألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صارت هذه كلمة التوحيد والشهادة. عمدة القاري (6/ 133).
قوله: «وحده لا شريك له»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «وحده لا شريك له» هو على طريق التوكيد مع التكثير لحسنات الذاكر، وإلَّا فالحصر الذي قبله يقيِّده. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 20).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«لا شريك له» إشارة إلى نفي أن يكون هو جعله مُعِينًا أو ظهيرًا كما كانت العرب تقول: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. القبس في شرح موطأ مالك (ص: 407).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«وحده لا شريك له» لا في ملكه، ولا في ذاته، ولا في صفاته. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (3/ 60).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وحده» تأكيد للإثبات، «ولا شريك له» تأكيد للنفي؛ لأن كلمة الإخلاص تضمنت إثباتًا ونفيًا، تضمنت إثبات الألوهية الحق لله، ونفي الألوهية الحق لغير الله؛ فلهذا «وحده» يكون تأكيدًا للإثبات و«لا شريك له» يكون تأكيدًا للنفي. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 175).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «لا شريك له» أي: هو في ذاته منفرد في صفاته وأفعاله، فوحَّده لتوحيد الذات، وما بعده تأكيد لتوحيد الأفعال، أي: ليس له معين ولا ظهير، ففيه الرَّدُّ على نحو المعتزلة، وقال في الحرز: هو من باب التأسيس، والمراد من قوله: «وحده» أي: منفردًا بالذات، ومن قوله: «لا شريك له» أي: في كمال الصفات... ا. هـ. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 202-203).
قوله: «له الملك»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«له الملك» بضم الميم أي: أصناف المخلوقات. إرشاد الساري (2/ 140).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «له الملك» بيان أن له الخلق والتصريف، والتكليف والهداية، والإخلال والثواب والعقاب، والملك عبارة عما يتصرَّف في المخلوقات من القضايا والتدبيرات. القبس في شرح موطأ مالك (ص: 407).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «له الملك» أي: الملك المطلق الحقيقي الدائم الذي لا انتهاء لوجوده له لا لغيره، كما يؤذن به تقديم الظرف المؤخر رتبة لكونه معمول الخبر. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 203).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«له الملك» المطلق الحقيقي، وما سواه لا ملك له على الحقيقة، وإنما هو بتمليكه سبحانه. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (3/ 60).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في هذا: دلالة على التفويض إلى الله تعالى، واعتقاد أنه -سبحانه وتعالى- مالك الملك، وأن له الحمد ملكًا واستحقاقًا، وأن قدرته -سبحانه وتعالى- تعلَّقت بكل شيء من الموجودات: خيرها وشرها، نفعها وضرها. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 22).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
وقدم الخبر «له» على المبتدأ لإفادة الحصر والاختصاص، والمعنى: أن الملك لله وحده. منحة العلام (ص: 148).
قوله: «وله الحمد»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «وله الحمد» بيان بأن الخير بوجود ذلك كله راجع إليه، والثناء فيه عائد عليه. القبس في شرح موطأ مالك (ص: 407).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وله الحمد» أي: جميع أصناف المحامد تنتهي إليه. فتح المنعم (3/ 274).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «وله الحمد» أي: له الوصف بالكمال حبًّا وتعظيمًا لعلوِّ صفاته، وجزيل هباته. منحة العلام (ص: 148).
قوله: «وهو على كل شيء قدير»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «وهو على كل شيء قدير» بيان لأن قدرته ليست فيما ظهر خاصة؛ بل هو قادر على ما ظهر وما لم يظهر، وعلى ما وجد وعلى ما لم يوجد. القبس في شرح موطأ مالك (ص: 407).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وهو على كل شيء قدير» من باب التتميم والتكميل؛ لأن الله تعالى لما كانت الوحدانية له والملك له والحمد له، فبالضرورة يكون قادرًا على كل شيء، وذكره يكون للتتميم والتكميل، والقدير اسم من أسماء الله تعالى، كالقادر والمقتدر، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض. عمدة القاري (6/ 134).
وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-:
قوله: "وأنه سبحانه على كُلِّ شيء قديرٌ مِنَ المَوْجوداتِ وَالمعدوماتِ".
* كُل شيء؛ فالله قادر عليه من الموجودات؛ فيعدمها أو يغيرها، ومن المعدومات؛ فيوجدها.
فالقدرة تتعلق في الموجود بإيجاده أو إعدامه أو تغييره، وفي المعدوم بإعدامه أو إيجاده.
فمثلًا؛ كل موجود فالله قادر أن يعدمه، وقادر أن يغيره؛ أي: ينقله من حال إلى حال، وكل معدوم؛ فالله قادر على أن يوجده؛ مهما كان؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة: 20.
* ذكر بعض العلماء استثناء من ذلك، وقال: إلا ذاته؛ فليس عليها بقادر! وزعم أن العقل يدل على ذلك!!
فنقول: ماذا تريد بأنه غير قادر على ذاته؟
- إن أردت أنه غير قادر على أن يعدم نفسه أو يلحقها نقصًا؛ فنحن نوافقك على أن الله لا يلحقه النقص أو العلم، لكننا لا نوافقك على أن هذا مما تتعلق به القدرة؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء الواجب أو المستحيل؛ فهذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأن الواجب مستحيل العدم، والمستحيل مستحيل الوجود. شرح العقيدة الواسطية(2/ 207).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
«وهو على كل شيء قدير» أي: لا يفوت قدرته شيء، فكل مستحيل عليه سهل، وكل عسير عليه يسير. تأسيس الأحكام (2/ 269).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قال الحنفي: ووجه التخصيص بالأربع لا يعلم إلا منه -صلى الله عليه وسلم-، قيل: ولعله أن فيه في الذكر المذكور إثبات أربع صفات: ثبوت الإلهية في «لا إله إلا الله»، والملك في قوله: «له الملك»، وسائر الثناء في قوله: «وله الحمد»، والقدرة في قوله: «وهو على كل شيء قدير»، وهذه وإن كان بعضها يلزم بعضًا إلا أن المقام للإطناب. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 205).
قوله: «عشر مرار»:
قال عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
أي: وردده وكرره عشر مرات. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 322).
قوله: «كان كمن أَعتق أَربعة أنفس»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«كان كمن أعتق أربعة أنفس» أي: صار في الفضل مثل من حرر أربعة من المماليك. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 322).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل» أي: كان من قال الذكر المذكور كمن أعتق العدد المحصور من المذكور. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 204).
قوله: «من ولد إسماعيل»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«من ولد إسماعيل» أي: من ذرية إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 322).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «من ولد إسماعيل» تتميم ومبالغة في معنى العتق؛ لأن فك الرقاب أعظم مطلوب، وكونه من عنصر إسماعيل الذي هو أشرف الخلق نسبًا، أعظم وأمثل. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1829-1830).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وإنما خص إسماعيل؛ لأنه أبو العرب، والعرب أفضل من غيرهم، وعتق الأفضل أفضل. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 89).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما وجه تخصيص الذكر من ولد إسماعيل -عليه السلام-؟
قلتُ: لأن عتق من كان من ولده له فضل على عتق غيره، وذلك أن محمدًا وإسماعيل وإبراهيم -صلوات الله عليهم وسلامه- بعضهم من بعض. عمدة القاري (23/ 23).
وقال ابن علان -رحمه الله- ناقلًا كلام الملا علي القاري، ومتعقبًا:
قال في الحرز: ولأنهم مشتركون معه في النَّسب والحسب. ا. هـ.
والمشاركة في النَّسب مُسلَّمة، وفي الحسب ممنوعة؛ للأحاديث الصريحة، وأين حسب بني هاشم في باقي قريش، فضلًا عن باقي العرب، ومن ثم صرَّحوا أن بني هاشم لا يكافئهم غيرهم من قريش سوى بني المطلب. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 205).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
يعارض حديث أبي أيوب هذا حديث أبي هريرة السابق («منْ قَالَ: حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَةٍ، لَمْ يَأتِ أَحَدٌ ...») في وجهين:
الأول: العدد المطلوب من هذا الذكر؛ فذكر أبو هريرة: مائة مرة، وأبو أيوب: عشر مرار.
والثاني: الأجر الموعود على الذكر؛ فجاء في حديث أبي هريرة: أنه يعادل عتق عشر رقاب، وفي حديث أبي أيوب: أنه يعادل عتق أربع رقاب من ولد إسماعيل -عليه السلام-. الكوكب الوهاج (25/ 51).
وقال ابن القيم -رحمه الله- بعد أن ذكر الأحاديث التي ظاهرها التعارض:
فهذا الحديث (يعني: حديث أبي هريرة) يدل على أن كل رقبة يعدلها عشر مرات تهليلًا، وهو يوافق رواية البخاري في الحديث الذي قبله، وحديث ابن عيَّاش يدل على أن كل مرة برقبة، ويوافقه حديث أبي أيوب الذي رواه مسلم، ولكن حديث أبي أيوب قد اختلف فيه البخاري ومسلم كما ذكرناه، وحديث أبي هريرة صريح بأن المائة تعدل عشر رقاب، ولم يختلف فيه، فيترجح من هذا الوجه على خبر أبي أيوب، وتترجح رواية مسلم لحديث أبي أيوب بحديث ابن عباس المتقدم، فقد تقابل الترجيحان، وقد يقال: خبر ابن عباس قد تكلم فيه وأنه لا يصح، وخبر أبي أيوب قد اختُلِفَ في لفظه، وخبر أبي هريرة صحيح لا عِلة فيه ولا اختلاف، فوجب تقديمه -والله أعلم-. عون المعبود وحاشية ابن القيم (13/ 283-285).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
المراد: أن لمن أتى بهذا الذِّكر من الثواب كثواب من أعتق أربعًا من الرِّقاب، لكن في أصل الثواب لا في كماله المتضاعف؛ لما عُلِمَ من تشوُّفِ الشارع إلى العتق أكثر منه إلى غيره، ويؤيده قاعدة النفع المتعدي، والعمل الأشق على النفس الأصل والغالب بهما أن يكونا أفضل من غيرهما، والعتق متعدٍّ وأشقُّ بكثير؛ فليكن له من مزية الزيادة في الثواب ما ليس لغيره، وعلى هذا كما قال غير واحد: يحمل ما ورد من أشباهه وهو كثير؛ كحديث: «سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن» بناء على أن المراد به: أن يحصل لقارئها من الثواب ثواب قارئ الثلث غير مضاعف، بخلاف قارئ الثلث فتضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى ما لا يعلمه إلا الله. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 205).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ويمكن الجمع بينهما بأن من قال هذا الذكر مائة مرة حصل له ثواب عتق عشر رقاب، ومن قالها عشرًا له ثواب الأربع، وأما تقدير نسبتي الأجر فأمر لا يدرك بالقياس والعلم من عند الله تعالى.
وقيل: يجمع بينهما بأن العدد الأقل أوحي إليه أولًا ثم الزائد، وللشارع أن يزيد في الثواب. الكوكب الوهاج (25/ 51).
وقال ابن حجر -رحمه الله- بعد ذكر الروايات:
واختلاف هذه الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها، فالأكثر على ذكر أربعة، ويجمع بينه وبين حديث أبي هريرة بذكر عشرة لقولها مائة، فيكون مقابل كل عشر مرات رقبة من قبل المضاعفة، فيكون لكل مرة بالمضاعفة رقبة، وهي مع ذلك لمطلق الرقاب ومع وصف كون الرقبة من بني إسماعيل يكون مقابل العشرة من غيرهم أربعة منهم؛ لأنهم أشرف من غيرهم من العرب فضلًا عن العجم، وأما ذكر رقبة بالإفراد في حديث أبي أيوب فشاذ، والمحفوظ أربعة كما بينته. فتح الباري (11/ 205).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
في خبر الصحيحين: «كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل»، وفي رواية للطبراني وقد سبقت: «كُنَّ له كعدل عشر رقاب من ولد إسماعيل» وفي أخرى للطبراني ورواتها محتج بهم من حديث أبي أيوب: «من قال ذلك كان له كعدل محرر أو محررين»، وروى أحمد وابن حبان: «ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ فهو كعتق نسمة» كذا في الترغيب، وزاد في عدة الحصين: فعزى الحديث الأخير أيضًا إلى تخريج الحاكم في المستدرك، ولا منافاة؛ لاحتمال أن التفاوت في الثواب على حسب تفاوت حال الذاكر حُضورًا وغيبة، فمنهم من يثاب على ذلك كعتق عشرين من الرقاب، ومنهم كثواب عتق أربع، ومنهم كثواب أقل، أو إن ذلك للجميع لكنه -صلى الله عليه وسلم- أُخبر أولًا بأن فيه كعتق واحد أو اثنين أو أربع، فأخبر به، ثم أُخبر بأنه كعدل عشر رقاب فأخبر به، هذا كله بناء على اعتقاد مفهوم العدد، والأصح عند الأصوليين: عدمه، وإن ذكر الأقل لا ينافي الأكثر. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 206).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذه الأجور العظيمة، والعوائد الجَمة: إنما تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات، فأحضر معانيها بقلبه، وتأملها بفهمه، واتضحت له معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتع في رياض زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين، فإن لم يكن فإلى علم اليقين، وهذا هو الإحسان في الذكر؛ فإنه من أعظم العبادات. وقد قال -صلى الله عليه وسلم- فيما قدمناه في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم (جمع: فهم) مختلفين، كانت أجورهم على ذلك بحسب ما أدركوا، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور، والثواب المذكور في أحاديث الأذكار، فإنك تجد في بعضها ثوابًا عظيمًا مضاعفًا، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقل، كما اتفق هنا في حديث أبي هريرة المتقدم، فإن فيه ما ذكرناه من الثواب، وتجد تلك الأذكار بأعيانها، وقد علق عليها من ثواب عتق الرقاب أكثر مما علقه على حديث أبي هريرة، وذلك أنه قال في حديث أبي هريرة: «من قال ذلك في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب»، وفي حديث أبي أيوب: «من قالها عشر مرات كانت له عدل أربع رقاب»، وعلى هذا: فمن قال ذلك مائة مرة كانت له عدل أربعين رقبة، وكذلك تجده في غير هذه الأذكار، فيرجع الاختلاف الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذاكرين، وبهذا يرتفع الاضطراب بين أحاديث هذا الباب -والله الموفق للصواب-. المفهم (7/ 20-21).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا للقرطبي:
قلتُ: إذا تعددت مخارج الحديث فلا بأس بهذا الجمع، وإذا اتحدت فلا، وقد يتعين الجمع الذي قدمته، ويحتمل فيما إذا تعددت أيضًا: أن يختلف المقدار بالزمان، كالتقييد بما بعد صلاة الصبح مثلًا، وعدم التقييد إن لم يحمل المطلق في ذلك على المقيد. فتح الباري (11/ 205).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذا الحديث وجميع ما في الباب من الأحاديث: يدل على أن ذِكر الله تعالى أفضل الأَعمال كلها. المفهم (7/ 19-20).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويستفاد منه: جواز استرقاق العَرب؛ خلافًا لمن منع ذلك. فتح الباري (11/ 205).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
في هذا الخبر وما أشبهه: جواز استرقاق كفار العرب. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية(1/ 206).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
فضل لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. مائة مرة.