الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

أنّ رجلًا كانَ مع رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- محرمًا، فوقصَتْه ناقتُه فمات، فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اغسلوه بماءٍ وسِدرٍ، وكفِّنوه في ثَوبيه، ولا تُمِسُّوه بطيبٍ، ولا تُخمِّروا رأسَه؛ فإنه يُبعثُ يومَ القيامةِ مُلبّيًا».   


رواه البخاري برقم: (1851)، ومسلم برقم: (1206)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (1265) ومسلم برقم: (1206): «في ثوبين»، «ولا تُحَنِّطُوهُ».
وفي لفظ لمسلم برقم: (1206): «ولا وجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة مُلَبِّدًا».   


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«وَقَصَتْهُ»:
أوقعته فَكسرت عُنُقه. مشارق الأنوار، للقاضي عياض(2/ 293).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
أي: رَمَتْهُ من على ظهرها (فانكسر عنقه).المهيأ(2/ 323).

«سِدْرٍ»:
السِّدْر: ورق النَّبق، وهو من الغسولات المعروفة. الشافي، لابن الأثير (3/ 404).

«لا تُخَمِّرُوا»:
أي: لَا تُغَطُّوا. طلبة الطلبة، للنسفي (ص: 14).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
خمرتُ الشيء: إذا غطَّيتُه وسترتُه. الشافي(3/ 404).

«وَلاَ تُحَنِّطُوهُ»:
أي: لا تُمِسُّوه حنوطًا، والحَنُوط بفتح الحاء ويقال له: الحِنَاط بكسر الحاء، وهو أخلاط من طِيبٍ تُجمع للميت خاصة لا تستعمل في غيره. شرح النووي على مسلم (8/ 130).
وقال الرازي -رحمه الله-:
الحَنُوطُ بالفتح: ذريرة، وقد تَحَنَّطَ الميت تحنيطًا. مختار الصحاح (ص: 167).

«مُلَبِّيًا»:
أي: قَائِلًا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَهُوَ شِعَارُ الْحَجِّ. طلبة الطلبة، للنسفي (ص: 14).

«مُلَبِّدًا»:
أي: مغسول الرأس بما فيه غروية (صابونية لزجة) بضم الشَّعْر بعضه إلى بعض. تحفة الأبرار، للبيضاوي (2/ 128).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وتَلْبِيد الشَّعَرِ: أَنْ يُجْعَل فيه شيء مِن صَمْغ عند الإحرام؛ لئَّلا يَشْعَثَ ويَقْمَل؛ إبقاءً على الشَّعَر، وإنما يُلَبِّد مَن يَطُول مُكْثُه في الإحرام. النهاية (4/ 224).


شرح الحديث


قوله: «أنّ رجلًا كانَ مع رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- محرمًا».
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«أنّ ‌رجلًا ‌كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم-» في حجة الوداع بعرفة... «وهو محرم» جملة اسمية. إرشاد الساري (3/ 319).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وهو محرم» بالحج، واقف بعرفة. الكوكب الوهاج (13/ 384).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
كان وقوع المحرم المذكور ‌عند ‌الصخرات ‌من ‌عرفة...
تنبيه: لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور، وقد وهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه واقد بن عبد الله. فتح الباري (4/ 55).

قوله: «فوَقَصَتْهُ ناقتُه»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وروي في الحديث الآخر: «فأَوْقَصَتْهُ ناقته» وهما صحيحان، وروي: «فأَقْعَصَتْهُ» وهو بمعنى: قتلته لِحِيْنِهِ، ومنه قُعَاص الغنم، وهو موتها بِدَاءٍ يأخذها فلا يلبثها (تموت فجأة)، ويُروى: «فأَقْصَعَتْهُ» (بتقديم الصاد على العين) كذا جاء رباعيًّا، ووجهه: فقعصته ثلاثي، أو قصعته، ومعناه: شدخته وفضخته، من قولهم: قصعت القملة بين ظفري: فضختها، وجاء في رواية السمرقندي في حديث أبي كامل (فُضيل بنُ حُسينٍ الجَحْدَرِي): «وَقَصَهُ بعيره» هو بمعنى ناقته في الحديث الآخر، ويقال للناقة أيضًا: بعير أيضًا، هو اسم منطلق على الذكر والأنثى. إكمال المعلم (4/ 222- 223).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فوقصته» أو قال: «فأوقصته» شكٌّ من الراوي، والمعروف عند أهل اللغة الأول، والذي بالهمز شاذ، والوقص كسر العنق، ويحتمل أن يكون فاعل وقصته الوقعة أو الراحلة بأن تكون ‌أصابته ‌بعد ‌أن ‌وقع، والأول أظهر. فتح الباري (3/ 136).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «وقصته» بمعنى، أي: سبَّبَت في موته؛ لأجل انكسار عنقه، وأما قوله: «فأقعصته» فمعناه قتلته في الحال، يقال: قعص فلان قعصًا إذا أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه. منة المنعم (2/ 239).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: إسناد الوقص إلى الراحلة حقيقة أو مجاز؟
قلتُ: إن كان الكسر بسبب الوقوع فمجاز، وإن حصل من الراحلة بعد الوقوع حركة اقتضت الكسر فحقيقة. الكواكب الدراري (7/ 70).

قوله: «فمات»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فمات» في الحال، فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كيفية تجهيزه. الكوكب الوهاج (13/ 384).

قوله: «فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اغسِلوهُ بماءٍ وسِدْرٍ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«اغسلوه» الضمير يعود على هذا الميت الذي سقط عن ناقته فمات، «بماء وسدر» مخلوطَين جميعًا؛ بأن يُدق السدر، ثم يوضع الماء ويضرب باليد وتؤخذ الرغوة ويُغسل بها الرأس، ويبقى السَّفل يغسل به بقية الجسد؛ لأن السفل لو غُسل به الرأس لبقي آثاره في الرأس بخلاف الرّغوة. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 515).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«اغسلوه بماء وسدر» السدر: شجر النبق، وأوراقه تقوم مقام الصابون برائحة طيبة، ويوضع في ماء الغسل. فتح المنعم (5/ 162).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وأما غسله فاختَلف الناس فيه؛ فأكثر الخلق على أنه واجب وليس فيه أثر، وإنما فيه أفعال غسل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغُسِّلَ هو أيضًا مع طهارته، وهذا يدل على فرضيته. القبس (ص: 437).
وقال النووي -رحمه الله-:
غسل ‌الميت ‌فرض ‌كفاية، وكذا التكفين والصلاة عليه والدفن بالإجماع. روضة الطالبين (2/ 98).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
حديث ابن عباس يدل على معانٍ: يدل على إباحة اغتسال المحرم الحي بالماء والسدر، خلاف قول مَن كره السدر للمحرم؛ وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم: «أن لا تخمِّروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا» كفعل المحرم الحي. الأوسط (5/ 345).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «اغسلوه بماء وسدر» يدل أن حكم الإحرام ساقط عنه؛ إذ مثل هذا لا يجوز للمحرم من إزالة الدَّرَن بالسدر وشبهه من الخِطمي (بالكسر نبتٌ يُغسل به الرأس)، وقد منعه مالك من أن يغسل رأسه بالخطمي، وأن يتدلك، وعليه فيهما الفدية إن فعل، ونحوه للشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأبي ثور، إلا أن محمدًا (ابن الحسن) وأبا يوسف قالا: إن فعل فعليه صدقة، وقال أبو ثور: لا شيء عليه، وقولهم بهذا مع ما جاء في الحديث يرد قولهم: إن حكمه ميتًا حكم المحرم، ورخص طاوس وعطاء ومجاهد للمحرم في غسل رأسه بالخطمي، واختاره ابن المنذر، واحتج بهذا الحديث، واحتج به أيضًا الداودي على جواز ذلك للمحرم. إكمال المعلم (4/ 221- 222).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «واغسلوه بماء وسدر» دليل على استحباب السدر في غسل الميت، وأن المحرم في ذلك كغيره، وهذا مذهبنا (الشافعية)، وبه قال طاوس وعطاء ومجاهد وابن المنذر وآخرون، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 127- 128).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث:...جواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يُعد طِيبًا، وحكى المزني عن الشافعي أنه استدل على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث؛ لقوله فيه: «واغسلوه بماء وسدر» والله أعلم. فتح الباري (4/ 55).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(وفيه) غسله بالسدر وأنه ‌جائز ‌للمحرم، وفيه رد على مالك وأبي حنيفة وآخرين حيث منعوه. التوضيح (9/ 476).
وقال العيني -رحمه الله- معقبًا:
وفيه: غسله بالسدر، وهذا يدل على أنه خرج من الإحرام، وعكس صاحب التوضيح (ابن الملقن)، فقال: غسله بالسدر يدل على أنه جائز للمحرم، وفيه: رد على مالك وأبي حنيفة وآخرين حيث منعوه".
قلتُ: ظاهر الحديث يرد عليه كلامه؛ لأن الأصل عدم جواز ‌غسل ‌المحرم ‌بالسدر، فلولا أنه خرج عن الإحرام ما أمر بغسله بالسدر. عمدة القاري (8/ 52).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
ويمكن أن يُجعل السدر في الماء، ويُخَضْخَضَ حتى تخرج رغوته، ثم يدلك جسد الميت؛ ليبالغ في إزالة أدرانه، ثم يصب الماء عليه، كما يحتال في قلع ما يعسر قلعه من الأدران بالغاسول، ويكون هذا في أول غسله كما قاله ابن حبيب، والله أعلم، فإن لم يوجد سدر فغيره من الغاسول مما يتنزل منزلته يكفي عند كافة العلماء. المفهم (2/ 593- 594).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الزين بن المنير: جعلهما معًا آلة لغسل الميت... وظاهره أن السدر يُخلط في كل مرة من مرات الغسل، وهو مُشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير؛ لأن الماء المضاف لا يتطهر به انتهى، وقد يمنع لزوم كون الماء يصير مضافًا بذلك؛ لاحتمال ألا يغير السدر وصف الماء بأن ‌يمعك ‌بالسدر ‌ثم ‌يغسل ‌بالماء ‌في ‌كل ‌مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك. فتح الباري (3/ 126).

قوله: «وكَفِّنُوه في ثوبَيْهِ»، وفي لفظ: «في ثوبين»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «في ثوبيه» أي: في إزاره وردائه اللَّذين كان لبسهما للإحرام. المفاتيح (2/ 427).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «في ثوبَيه» كذا أكثر الروايات، وفي حديث الزهراني وابن بشار: «في ثوبين» فعلى الرواية الأولى يحتج به الشافعي في بقاء حكم الإحرام عليه، وأن معناه: أن يُكفَّن في ثياب إحرامه، لا أنه منع من الزيادة عليه إن احتاج إليه.
وهو عندنا (المالكية) على الخصوص لذاك الشخص؛ لأنها قضية في عين وإخبار عن شخص معين، ومَن رواه: «ثوبين» فقيل: معناه ما تقدم، أي: ثوبيه اللَّذين عليه، ويحتمل أن يريد: زيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه، وكان عليه ثوبين؛ ليكون عليه ثلاثة، إذ الوتر في الكفن مشروع. إكمال المعلم (4/ 222).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- معلقًا:
والأول أَولى؛ لأن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى. المفهم (3/ 295).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وكفِّنوه في ثوبين» استدل به على إبدال ثياب المحرم، وليس بشيء؛ لأنه سيأتي في الحج بلفظ: «في ثوبيه»، وللنسائي من طريق يونس بن نافع عن عمرو بن دينار: «في ثوبيه اللذين أحرم فيهما»، وقال المحب الطبري: ‌إنما ‌لم ‌يزده ‌ثوبًا ‌ثالثًا تكرمة له كما في الشهيد حيث قال: «زملوهم بدمائهم». فتح الباري (3/ 136).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
الاحتمال الأول هو الظاهر، كما بينه المحب الطبري، ورجحه القرطبي -رحمهما الله تعالى-، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (22/ 393).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وكفِّنوه في ثوبين» يدل على وجوب التكفين، وأنه لا يشترط فيه أن يكون وترًا، وقيل: يحتمل أن الاقتصار عليهما؛ لأنه مات فيهما، وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما، وأنه من رأس المال؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أمر به، ولم يستفصل هل عليه دَين مستغرق أم لا؟ وورد الثوبان في هذه الرواية مطلقين، وفي رواية في البخاري: «في ثوبيه» وللنسائي: «في ثوبيه اللذين أحرم فيهما». سبل السلام (1/ 470).

وفي رواية: «ولا تُمِسُّوه بِطِيبٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا تُمسوه» بضم أوله، وكسر الميم، من أَمَسّ. فتح الباري (3/ 138).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولا تمسوه» من الإمساس أو المس أي: لا تلطخوه «بطيب». الكوكب الوهاج (13/ 386).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولا تمسوه بطيب» ليبقى عليه أثر الإحرام. شرح المصابيح (2/ 344).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولا تُمِسُّوه بطيبٍ» فإنَّ مفهومه: أنَّ غير المحرم من الأموات يَمَسُّ طيبًا. ذخيرة العقبى (19/ 59).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
«ولا تمسوه بطيب» والطيب يشمل الطيب في رأسه، وفي لحيته، وفي ثوبه. إيقاظ الأفهام (4/ 58).

وفي رواية: «وَلاَ تُحَنِّطُوهُ»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا تحنطوه» هو بالحاء المهملة، أي: لا تُمِسُّوه حنوطًا، والحَنوط بفتح الحاء، ويُقال له: الحِناط، بكسر الحاء، وهو أخلاط مِن طِيب تُجمع للميت خاصة، لا تُستعمل في غيره. المنهاج شرح مسلم (8/ 130).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا تحنِّطوه» بتشديد النون المكسورة أي: لا تجعلوا في شيء من غسلاته، أو في كفنه حنوطًا. إرشاد الساري (2/ 389).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«ولا تحنطوه» وهو من الحَنوط بالمهملة والنون، وهو الطيب الذي يُصنع للميت. فتح الباري (4/ 54).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «ولا تحنطوه» ثم علَّل ذلك بأنه «يُبعث ملبيًا» فدل على أنَّ سبب النهي أنه كان محرمًا، فإذا انتفت العلة انتفى النهي، وكأنَّ الحنوط للميت كان مقررًا عندهم. فتح الباري (3/ 136).

قوله: «ولا تُخَمِّرُوا رأسَهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا تخمروا» بالتشديد، أي: لا تغطوا ولا تستروا. مرقاة المفاتيح (3/ 1186).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا تخمروا» بالخاء المعجمة، أي: لا تغطوا «رأسه»، بل أَبْقُوا له أثر إحرامه مِن منع ستر رأسه إن كان رجلًا، ووجهه وكفيه إن كان امرأة، ومِن منع المخيط وأخذ ظفره وشعره. إرشاد الساري (2/ 389).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ولا تخمِّروا رأسه» أي: ولا تستروا، ومذهب الشافعي وأحمد: أن المحرم يكفَّن بلباس إحرامه، ولا يستر رأسه، ولا يُجعل عليه طِيب؛ ليبقى أثر الإحرام. المفاتيح (2/ 427).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
قد اختلف أهل العلم في تخمير رأس المحرم الميت وتطييبه، فقالت طائفة: يُصنع به كما يصنع بسائر الموتى هذا قول عائشة، وبه قال ابن عمر وطاوس والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا بأس بأن يحنِّط الحلالُ المحرمَ الميت بالطيب...، وقالت طائفة: لا يغطى رأسه، ولا يمسّ طيبًا روي هذا القول عن علي، وقال ابن عباس: لا يغطى رأسه، وقال الشافعي: لا يُمَسُّ بطيب، ولا يُخمَّر رأسه، وبه قال أحمد وإسحاق...
قال أبو بكر (ابن المنذر): وبما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقول، وكان الثوري يميل إلى القول بالحديث، وقد روينا عن عطاء قولًا ثالثًا: وهو أن يُغسل بالماء ويكفن ويغطى رأسه، ولا يحنط. الأوسط (5/ 344- 345).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«ولا تخمروا رأسه» أي: لا تغطُّوه، قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث الشافعي وأحمد وإسحاق، فقالوا: إذا مات المحرم لا يحنط، ولا يغطى رأسه، وقال مالك والكوفيون والحسن والأوزاعي: إنه يُفعل به ما يفعل بالحلال، وكأنهم رأوا: أن هذا الحكم مخصوص بذلك الرجل، واستدل لهم بوجهين:
أحدهما: أن التكاليف إنما تَلزم الأحياء، لا الأموات.
وثانيهما: أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا»؛ تصريح بالمقتضي لذلك، ولا يعلم ذلك غير النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو إذًا تعليل قاصر على ذلك الرجل.
وقد أجيب عن الأول: بأن الميت وإن كان غير مكلف؛ فالحي هو المكلف بأن يَفعل به ذلك.
وعن الثاني: أنه وإن لم يعلم ذلك غير النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه يُرجى من فضل الله أن يفعل ذلك بكل مَن اتفق له من المحرمين مثل ذلك.
وهذا كما قد قال -صلى الله عليه وسلم- في الشهيد: «إنه يبعث يوم القيامة وجرحه يَثْعَبُ دمًا، اللون لون دم، والعَرْفُ عَرْفُ مسك»، وقد سوى أبو حنيفة بين الشهيد والمحرم فقال: إنَّ كل واحد منهما يُغسل، ويكفن، ويصلى عليه على أصل المشروعية في الموتى، وسوى الشافعي في كونهما يدفنان في ثيابهما، غير أن المحرم يغسَّل، ولا يصلى عليه، وقال مالك في المحرم بقول أبي حنيفة، وفي الشهيد بقول الشافعي.
وقوله: «ولا تخمروا رأسه» أو «اكشفوا وجهه» حجة لمالك وأبي حنيفة على قولهما: إن إحرام الرجل في رأسه ووجهه، والجمهور: على أن الإحرام على الرجل في وجهه. المفهم (3/ 293- 294).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في النهي عن تخمير رأسه دليل على بقاء إحرامه. البحر المحيط الثجاج (22/ 393).

قوله: «ولا وجهَهُ»:
قال البيهقي -رحمه الله-:
«ولا تغطوا وجهه» رواه مسلم في الصحيح عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى هكذا، وهو وهم من بعض رواته في الإسناد والمتن جميعًا، والصحيح: «ولا تغطوا رأسه»...، ورواية الجماعة في الرأس وحده، وذِكْرُ الوجه فيه غريب، ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير فذكر الوجه على شكٍّ منه في متنه، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأنْ تكون محفوظة، والله أعلم. السنن الكبرى (3/ 551-551).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
قد اختلفوا في تخمير وجهه، فأما مَن قال: إذا مات المحرم ذهب إحرامه، فلا معنى للمسألة على مذهبه؛ لأنه يرى أن يُفعل به كما يفعل بسائر الموتى.
وقياس قول من رأى أن للمحرم الحي أن يخمر وجهه أن يقول: يخمَّر وجه المحرم الميت، وممن كان لا يرى بأسًا أن يخمِّر المحرم وجهه: سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله والقاسم بن محمد وطاوس والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وكرهت طائفة من أصحاب الحديث أن يخمر المحرم وجهه، وأنْ يخمر وجه المحرم الميت، واحتج بعضهم بأحاديث منها: ما حدثناه محمد بن إسماعيل الصائغ...، عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في محرم مات، قال: «لا تخمروا وجهه». الأوسط (5/ 345- 346).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في تغطية المحرم وجهه مع اتفاقهم على وجوب إحرام رأسه، فذهب مالك إلى منعه للرجال، وأنَّ إحرام الرجل في رأسه ووجهه، والمرأة في وجهها فقط، وهو قول أبي حنيفة.
ولأصحابنا في ذلك وجهان؛ هل هو على الوجوب أو الندب؟ وجمهورهم على أنه لا إحرام في وجه الرجل، وأن نهيهم عن حنوطه في حقهم؛ لكونهم محرمين؛ ولأن في تغطيته وتطييبه تمام المراد من غسله وتنظيفه وستره كسائر الموتى؛ ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا» ولا علم لنا بهذه الصفة لغيره. إكمال المعلم (4/ 221).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما وجهه فقال مالك وأبو حنيفة: هو كرأسه، وقال الشافعي والجمهور: لا إحرام في وجهه، بل له تغطيته، وإنما يجب كشف الوجه في حق المرأة، هذا حكم المحرم الحي، وأما الميت فمذهب الشافعي وموافقيه أنه يَحرم تغطية رأسه كما سبق، ولا يحرم تغطية وجهه، بل يبقى كما كان في الحياة، ويتأول هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكونه وجهًا، إنما هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمَن أن يغطوا رأسه، ولا بد من تأويله؛ لأن مالكًا وأبا حنيفة وموافقيهما يقولون: لا يمنع من ستر رأس الميت ووجهه، والشافعي وموافقوه يقولون: يباح ستر الوجه، فتعين تأويل الحديث. شرح صحيح مسلم (8/ 128- 129).

قوله: «فإنَّه يُبعَثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّيًا» وفي رواية: «مُلَبِّدًا»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«فإنه» الفاء تعليلية؛ أي: لأنه «يبعث يوم القيامة ملبيًا»؛ أي: بصفة الملبِّيْنَ، بنسكه الذي مات فيه من حج، أو عمرة، أو هما، قائلًا: لبيك اللهم لبيك. كشف اللثام (3/ 343).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنه يبعث» أي: يُحشر «يوم القيامة ملبيًا» أي: قائلًا: لبيك اللهم لبيك. مرقاة المفاتيح (3/ 1186).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» أي: قائلًا: لبيك اللهم لبيك؛ ليَعْلَم الناس أنه مات في حال الإحرام، ذهب الشافعي وأحمد إلى أن المحرم يكفَّن بلباس إحرامه، ولا يستر رأسه ولا يقرب إليه طيب، وعند أبي حنيفة ومالك يُفعل به كما يفعل بسائر الموتى. شرح المصابيح (2/ 344- 345).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإن الله» -سبحانه وتعالى- «يبعثه» أي: يبعث هذا الرجل «يوم القيامة» حال كونه «ملبيًا» أي: قائلًا لبيك، والمعنى: أنه يُحشر يوم القيامة على هيئته التي مات عليها؛ ليكون ذلك علامة على حجِّه كالشهيد يأتي وأوداجه تَشْخُبُ دمًا.
وفيه: أن مَن شرع في طاعةٍ ثم حال بينه وبين إتمامها الموت يُرجَى له أن الله تعالى يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، ويقبله منه إذا صحت النية، ويشهد لذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ} النساء: 100 الآية. الكوكب الوهاج (13/ 380).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يُروى: «فإنه يبعث ملبيًا» ويُروى: «ملبدًا» ومعناه: على هيئته التي مات عليها، وبعلامة حجه فضيلة له، كما جاء في الشهداء: «أنهم يحشرون بسيوفهم على عواتقهم» وفي المكلوم في سبيل الله يحشر وجرحه يَثْعَبُ دمًا. إكمال المعلم (4/ 223).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «فإنه يُبعث يوم القيامة ملبدًا» كذا ذكره البخاري في حديث أبي النعمان في كتاب الجنائز بمعنى: تلبيد الشعر...، وكذا ذكره مسلم من رواية محمد بن الصباح...، والذي جاء في سائر المواضع فيهما وفي غيرهما «ملبيًا» بالياء من التلبية، وهو أصح وأشبه بمراد الحديث، وأشهر في الرواية، مع ما جاء في الروايات الأُخَر «يلبي» فارتفع الأشكال؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما نهاهم عن تغطية رأسه؛ لأنه يُحشر يلبي، فيجب أنْ يُترك بصفة الحاج المحرم، وليس للتلبيد هنا معنى. مشارق الأنوار (1/ 354-355).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
لا وجه لإنكار القاضي عياض لرواية «ملبدًا» بعد صحة نقلها، ودعواه عدم المعنى لها غير صحيحة، بل لها معنى مقصود، وهو أن يكون التلبيد علامة على موته، وهو كذلك، كما أن الشهيد يأتي بدمه وكَلْمِهِ علامة على موته كذلك، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (22/ 394).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «ملبدًا» من التلبيد، وهو إلصاق شعر الرأس عند الإحرام بالصمغ والخطمي وشبههما مما يضم الشَّعر، ويلزق بعضه ببعض، ويمنعه من التشعث والتمعط والتقمل، وتخلُّل الغبار في الإحرام، وقد تقدم هذا المعنى، والمراد ببعثه ملبدًا في هذا الحديث وملبيًا في الأحاديث السابقة: أنه يُبعث في حال الإحرام الذي مات فيه، قولًا بالتلبية، وفعلًا بالتلبيد الذي هو من علامات الإحرام، فعلينا أن نجنبه في الكفن ما يجتنبه المحرم حال الإحرام من لبس المخيط وتغطية الوجه والرأس ومس الطيب، وفي الحديث فضيلة ظاهرة لمن مات حال الإحرام. منة المنعم (2/ 240).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والملبي من التلبية، والملبّد من التلبيد، وكان المحرم يجعل في رأسه صمغًا أو عسلًا؛ ليجمع الشعر ويتلبد فلا يتخلله التراب، ولا يقع فيه الدبيب، ولا يصيبه الشعث. كشف المشكل (2/ 358).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه من الفقه: أن مَن كان في عبادة الله -عز وجل- فمات فإنه يحشر على ما مات عليه من عبادة الله تلك؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المحرم حين مات على إحرامه: «إنه يبعث يوم القيامة ملبيًا أو ملبدًا» ... وهذا يقتضي أن كل مَن مات على عبادة حُشر وأَثَرُ تلك العبادة عليه، وقد روي عن سفيان (الثوري) أنه توضأ ليلة موته ستين مرة؛ ليموت طاهرًا. الإفصاح (3/ 56- 57).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والمراد من الحديث: أن المحرم يُبعث على شعث الإحرام، وقد دلّ أيضًا على أن الموت لا يقطع حكم الإحرام، وأنه إذا مات المحرم لم يخمر رأسه ولم يقرب طيبًا، وهذا قول أحمد والشافعي وداود، وقال أبو حنيفة ومالك: يبطل إحرامه ويُفعل به ما يُفعل بغير المحرم إذا مات، ولا خلاف أنه لا يُطاف به، ولا تلزمه الفدية في ماله إذا لبس المخيط. كشف المشكل (2/ 358).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدل به على أن الإحرام لا ينقطع بالموت، وعلى ترك النيابة في الحج؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر أحدًا أن يكمل عن هذا المحرم أفعال الحج، وفيه نظر لا يخفى. فتح الباري (3/ 136).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وفيه: دليل أن مَن شرع في عملٍ من عمل الطاعات وصحَّت فيه نيته لله وحال بينه وبين تمامه الموت؛ فإن الرجاء قوي أن الله قد كتبه في الآخرة من ‌أهل ‌ذلك ‌العمل وتقبله منه، ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} النساء: 100، أنه لا يُقطع على أحد بعينه بهذا، ولا أنه بمنزلة ذلك الموقوص، ولذلك قال كثير من أهل العلم: إن هذا الحديث خاص في الموقوص، وإن سنة المحرم أنه إذا مات يخمر رأسه ويطيب ويُفعل به ما يفعل بالمبيت الحلال، ولا يُجنب ما يجتنبه المحرم، هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي، وبذلك أخذ ابن عمر حين توفي ابنه بالجحفة وهو محرم، خمَّر رأسه ووجهه وقال: لولا أنا حُرم لطيَّبْنَاهُ؛ لأنه لم يقطع ابن عمر أن ابنه بمنزلة الموقوص الذي أخبر -عليه السلام- أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وبهذا قالت عائشة، ولم يأخذوا بحديث الموقوص، وأخذ به الشافعي وقال: لا يخمر رأس المحرم ولا يطيب؛ اتباعًا لظاهر حديث ابن عباس، وهو قول عثمان وعلي بن أبي طالب وابن عباس، واحتج الذين رأوا الحديث خاصًّا في الموقوص بعينه أن مَن مات بعده في حال الإحرام، لا يُعلم هل يُقبل حَجُّه؟ وهل يبعث يوم القيامة ملبيًا أم لا؟ ولا يُقطع على غير ذلك إلا بوحي، فافترقا في المعنى، واحتج مالك كذلك فقال: إنما يعمل الرجل ما دام حيًّا، فإذا مات انقطع عمله. شرح صحيح البخاري (4/ 522- 523).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدل بذلك على بقاء إحرامه خلافًا للمالكية والحنفية، وقد تمسكوا من هذا الحديث بلفظةٍ اختلف في ثبوتها، وهي قوله: «ولا تخمروا وجهه» فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه مع أنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرمًا، وأما الجمهور فأخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالًا، وتردد ابن المنذر في صحته.
وقال البيهقي: ذِكْرُ الوجه غريب وهو وهم من بعض رواته، وفي كل ذلك نظر، فإن الحديث ظاهره الصحة، ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل عن منصور وأبي الزبير كلاهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث قال منصور: «ولا تغطوا وجهه»، وقال أبو الزبير: «ولا تكشفوا وجهه» وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ: «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ «ولا يمس طيبًا خارج رأسه» قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك، فقال: «خارج رأسه ووجهه» انتهى. وهذه الرواية تتعلَّق بالتطيب لا بالكشف والتغطية، وشعبة أحفظ من كل من روى هذا الحديث، فلعل بعض رواته انتقل ذهنه من التطيب إلى التغطية.
وقال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحي تغطية وجهه، ولا يجوز للمحرم الذي يموت؛ عملًا بالظاهر في الموضعين.
وقال آخرون: هي واقعة عين لا عموم فيها؛ لأنه علل ذلك، بقوله: «لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره، فيكون خاصًّا بذلك الرجل ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء مناسكه...، وقال أبو الحسن ابن القصار: لو أريد تعميم هذا الحكم في كل محرم لقال: فإن المحرم، كما جاء: إن الشهيد يبعث. فتح الباري (4/ 54).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
أفاد (أي: هذا الحديث) أنَّ للإحرام أثرًا في عدم تغطية الوجه، وإنْ كان أصحابنا (الحنفية) قالوا: لو مات المحرم يُغطى وجهه لدليل آخر. فتح القدير (2/ 441).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الحديث دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام، وهو مذهب الشافعي، وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة، وهو مقتضى القياس؛ لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف وهو الحياة، لكن اتبع الشافعي الحديث وهو مقدَّم على القياس، وغاية ما اعتذر به عن الحديث ما قيل: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علل هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا يَعلم وجودها غيره؛ وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي -صلى الله عليه وسلم-، والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته، وغير هؤلاء يرى أن هذه العلة إنما تثبت لأجل الإحرام، فيعم كل محرم. إحكام الأحكام (1/ 368).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم- «وكفنوه في ثوبيه»...وفيه فوائد:
منها: الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن حكم الإحرام باقٍ فيه.
ومنها: أنَّ التكفين في الثياب الملبوسة جائز، وهو مجمع عليه.
ومنها: جواز التكفين في ثوبين والأفضل ثلاثة.
ومنها: أن الكفن مقدم على الدَّين وغيره؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسأل هل عليه دين مستغرق أم لا؟
ومنها: أن التكفين واجب وهو إجماع في حق المسلم، وكذلك غسله والصلاة عليه ودفنه. شرح صحيح مسلم (8/ 129).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه باقٍ، وأنه لا يكفن في المخيط. فتح الباري (3/ 138).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفيه: أن الوتر (أي في الكفن) ليس بشرط في الصحة، وأن الثلاث في حديث عائشة المتقدم (حديث: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-كُفِّن في ثلاثة أثواب...») ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، وهو قول الجمهور، وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بدّ منه بالاتفاق، وقيل: يحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه؛ لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد غيرهما. مرعاة المفاتيح (5/ 348).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
هذا الحديث مما اعتمد عليه الشافعي في المحرم إذا مات؛ أنه لا يحنَّط ولا يغطى رأسه، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال مالك والكوفيون والحسن والأوزاعي: إن المحرم يفعل به ما يفعل بالحلال، وقد احتج مالك على هذا بأن العمل إنما يلزم الإنسان ما دام حيًّا، وهذا هو الأصل، وتأويل الحديث عند من قال بخلافه: أنها قضية في عين مخصوصة، لا تتعدى إلا بدليل، وهذا حجة في إحرام الرجل في رأسه، ولا خلاف فيه. إكمال المعلم (4/ 221).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه أيضًا: النهي عن تخميره وتغطية رأسه؛ لأجل الإحرام، فمَن ليس بمحرم يحنط ويخمر رأسه، والقول بأنه ينقطع حكم الإحرام بالموت كما تقوله الحنفية وبعض المالكية خلاف الظاهر. سبل السلام (1/ 470).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ غير المحرم يحنط كما يخمَّر، وأنَّ النهي وقع لأجل الإحرام. السنن الكبرى (3/ 567).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: دليل على استحباب دوام التلبية في الإحرام، وعلى استحباب التلبيد. شرح صحيح مسلم (8/ 130).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه من العلم: أنه استبقى له شعار الإحرام مِن كشف الرأس واجتناب الطيب، ولم يزد في الكفن إلى ثوبيه ثالثًا فيكون أسوة سائر الأموات، وإنما استبقى له سمة الإحرام تكرمة له، كما استبقى للشهداء شعار الطاعة التي تقربوا بها إلى الله -عز وجل- في جهاد أعدائه فلم يغسَّلوا ودفنوا بدمائهم.
وفيه: أن حُرْم الرجل في الرأس دون الوجه.
وفيه: أنه يُجعل الكفن من رأس المال وإن استوفاه كله. أعلام الحديث (1/ 671- 672).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: جواز التكفين في ثوبين، والأفضل الثلاثة إذا تيسر لغير المحرم...
ومنها: إباحة غسل المحرم الحي بالسدر، خلافًا لمن كرهه له.
ومنها: أن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحة، بل هو مستحب لغير المحرم، وهو قول الجمهور، واختلف فيما إذا شح بعض الورثة بالثاني، أو الثالث، والمرجح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن، فلا بدّ منه بالاتفاق.
ومنها: أن الإحرام يتعلق بالرأس. البحر المحيط الثجاج (22/ 395- 396).


إبلاغ عن خطأ