السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«مَن ‌سَترَ ‌عَورة ‌أخيهِ ‌المُسلمِ، ‌سترَ ‌اللهُ ‌عورتَهُ ‌يومَ ‌القيامةِ، ومَن ‌كَشفَ ‌عَورة ‌أخيهِ ‌المُسلمِ، ‌كشفَ ‌اللهُ ‌عَورتَهُ، ‌حتى ‌يفضَحَهُ ‌بِها ‌في ‌بَيتِهِ».


رواه ابن ماجة برقم: (2546)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (‌‌2341)، وصحيح الترغيب والترهيب برقم: (2338).  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سَتَرَ»:
السِّينُ والتاءُ والراءُ: كلمةٌ تدلُّ على الغِطاءِ، تقول: سترتُ الشيءَ سَتْرًا، والسُّترةُ: ما استَترتَ بِه، كائنًا ما كانَ. مقاييس اللغة، لابن فارس (3/ 132).
وقال الراغب -رحمه الله-:
السَّتْرُ: تغطيةُ الشّيء، والسِّتْرُ والسُّتْرةُ: ما يُسْتتَرُ بِهِ. المفردات في غريب القرآن (ص:396).

«عَوْرَة»:
العَوْرَةُ: سوأةُ الإنسانِ، وذلك كِنايَةٌ، وأصلُها: من العَارِ؛ وذلك لما يلحقُ في ظُهورهِ من العارِ، أي: المَذمَّة؛ ولذلك سمّي النِّساء عَوْرَةً، ومن ذلك: العَوْرَاءُ للكلِمةِ القَبيحةِ. المفردات، للراغب (ص:595).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
والعَوْرةُ: سوءةُ الإنسان وكلُّ ما يُستحيَى منه، والجمعُ عَوراتٌ، سُمِّيت بذلك؛ لقُبحِ ظُهورهَا، والعَورةُ: الكلِمةُ القبيحةُ، وأصلُها في اللُّغة: النقصُ والخَللُ، وفي الشرع: ما يجبُ سترهُ من البَدنِ. فتح القريب (10/ 127).


شرح الحديث


قوله: «مَن سَترَ عَورة أخيهِ المُسلمِ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
مَما يتعيَّن على المسلم أن يستر أخاه المسلمَ في كل ما ظهر عليه له من عَورة، ما دامَ صاحب العَورة يُخفيها من الناس، وليكن نُصحه له سرًّا ما استطاع، فأما إذا جاهره فاعلهُ بها فليس إلا مجاهرتهُ بالإنكار، وإني لأخافُ على قوم يحمُلهم إنكارُ المنكرينَ والغيرة للدِّين على أن يخاصِموا ذلك العاصي، ثم يتَّخذونه عدوًّا، ثم يحرصون على إظهارِ عورتهِ فليتقوا الله. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 36).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
المراد بسترِ المسلم: سترُ عورته الحسِّيَّة أو المعنويَّة، بإعانته على سَتر دِينه؛ كأن يكون محتاجًا لنكاح فيتوصَّل له في التزوُّج، أو لكسبٍ فيتوصَّل له إلى بضاعة يتَّجِرُ فيها، أو بنحو ذلك. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص:569).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
العَورةُ نوعانِ: عَورة حسيَّة، وعَورة معنويَّة، فالعَورة الحسِّيَّة: هي ما يحرم النظر إليه؛ كالقُبُل والدُّبُر وما أشبه ذلك، مما هو معروف في الفقه، والعَورة المعنويَّة: وهي العَيب والسوءُ الخُلقي أو العَملي، ولا شكَّ أن الإنسان كما وصفه الله -عز وجل- في قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب: 72، فالإنسان موصوفٌ بهذين الوصفين: الظُّلم والجهل، فإما أن يرتكبَ الخطأ عن عمدٍ؛ فيكون ظالِمًا، وإما أن يرتكب الخطأ عن جهلٍ؛ فيكون جهولًا، هذه حال الإنسان إلا مَن عصم الله -عز وجل- ووفَّقه للعلم والعدل، فإنه يمشي بالحق ويهدي إلى الحق. شرح رياض الصالحين (3/ 5).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما السّترُ المندوبُ إليه ... فالمراد به: السَّتر على ذوي الهيئات ونحوهم، ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروفُ بذلك فيُستحب أن لا يسترَ عليه؛ بل ترفع قضيته إلى وليِّ الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن السَّتر على هذا يطمُعهُ في الإيذاء والفسادِ وانتهاكِ الحُرماتِ، وجسارةِ غيره على مثل فِعله، هذا كله في ستر معصيةٍ وقعت وانقضتْ، أما معصيةٌ رآه عليها وهو بعدُ متلبِّسٌ بها، فتجب المبادرةُ بإنكارها عليه، ومنعهُ منها على مَن قدَر على ذلك، ولا يحلُّ تأخيرها، فإن عجزَ لزمهُ رفعُها إلى وليِّ الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدةٌ، وأما جرحُ الرواة والشهود والأمناءِ على الصدقات والأوقاف والأيتامِ ونحوهم، فيجب جرحُهم عند الحاجة، ولا يحل السَّتر عليهم إذا رأى منهم ما يقدحُ في أهليتهم، وليس هذا من الغِيبة المحرَّمة، بل من النصيحةِ الواجبة، وهذا مجمعٌ عليه، قال العلماء في القسم الأول الذي يُستر فيه، هذا السّتر مندوبٌ فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلافُ الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروهٌ -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (16/ 135).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
فإن قلت: فما حدُّ الظهورِ والاستتار؟، فاعلم أن مَن أغلق باب دارهِ وتستّر بحيطانه، فلا يجوز الدخولُ عليه بغير إذنهِ؛ لنعرفَ المعصية إلا أن يظهرَ في الدار ظهورًا يعرفهُ من هو خارج الدَّار، كأصوات المزاميرِ والأوتار إذا ارتفعت بحيثُ جاوز ذلك حِيطان الدار؛ فمَن سمع ذلك فله دخول الدار وكسرُ الملاهي، وكذا إذا ارتفعت أصواتُ السُكارى بالكلمات المألوفة بينهم بحيث يسمعُها أهل الشوارع؛ فهذا إظهارٌ موجبٌ للحِسْبَة، فإذن إنما يُدرك مع تخلل الحيطان صوتٌ أو رائحة، فإذا فاحت روائحُ الخمر فإن احتمل أن يكون ذلك من الخُمورِ المحترمةِ فلا يجوزُ قصدها بالإراقةِ، وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت لتعاطيهم الشُّرب فهذا محتملٌ، والظَّاهر: جواز الحِسبة. إحياء علوم الدين (2/ 325).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
واعلم أن الناس على ضربين: أحدهما: مَن كان مستورًا لا يُعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنه لا يجوز كشفُها، ولا هتكُها، ولا التَّحدث بها؛ لأن ذلك غيبةٌ محرَّمةٌ، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، وفي ذلك قد قال الله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} النور : 19، والمراد: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمن المستتِر فيما وقع منه، أو اتّهم به وهو بريءٌ منه، كما في قصَّة الإفك، قال بعض الوزراء الصالحين لبعض مَن يأمر بالمعروفِ: "اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهورَ معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلامِ"، وأولى الأمور سترُ العيوب، ومثل هذا: لو جاء تائبًا نادمًا، وأقر بحدٍّ، ولم يفسِّره، لم يُستفسر، بل يؤمرُ بأن يرجعَ ويستُرَ نفسه، كما أمر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- ماعزًا والغامدية، وكما لم يستفسر الذي قال: أصبتُ حدًّا، فأقمه عليَّ، ومثل هذا لو أُخذ بجريمته، ولم يبلغ الإمامَ، فإنه يُشفع له حتى لا يبلغَ الإمامَ، وفي مثله جاء الحديث عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «أقيلُوا ذوي الهيئاتِ عثَراتهِم» خرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة.
والثاني: مَن كان مشتهرًا بالمعاصي، معلنًا بها لا يبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيل له، فهذا هو الفاجِر المعلنُ، وليس له غيبةٌ، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البصري وغيره، ومثل هذا لا بأسَ بالبحثِ عن أمره؛ لتُقام عليه الحدودُ، صرَّح بذلك بعض أصحابنا، واستدل بقول النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «واغْدُ يا أُنيسُ على امرأةِ هذا، فإن اعترفت، فارجمُها» ومثلُ هذا لا يُشفعُ له إذا أُخذ، ولو لم يبلغ السُّلطان، بل يُترك حتى يُقامَ عليه الحدُّ لينكفَّ شرُّه، ويرتدع به أمثالُه، قال مالك: "مَن لم يُعرف منه أذًى للناس، وإنما كانت منه زلَّة، فلا بأس أن يشفعَ له ما لم يبلغ الإمام، وأما مَن عُرف بشرٍّ أو فسادٍ، فلا أحبُّ أن يشفع له أحدٌ، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد"، حكاه ابن المنذر وغيره، وكره الإمامُ أحمد رفع الفسَّاقِ إلى السلطان بكل حال؛ وإنما كرههُ لأنهم غالبًا لا يقيمون الحدودَ على وجهها؛ ولهذا قال: إن علمتَ أنه يقيمُ عليه الحدَّ فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا فمات، يعني: لم يكن قتله جائزًا، ولو تاب أحدٌ من الضرب الأول، كان الأفضل له أن يتوبَ فيما بينه وبين الله -تعالى-، ويسترَ على نفسه، وأما الضرب الثاني، فقيل: إنه كذلك، وقيل: بل الأَولى له أن يأتيَ الإمامَ، ويقرَّ على نفسه بما يوجبُ الحدَّ حتى يطهِّره. جامع العلوم والحكم (ص: 737-739).

قوله: «سَترَ اللهُ عورتهُ يومَ القِيامةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«سَترَ اللهُ عورتهُ» أي: عيْبه عن الناسِ، أو عن الحفظةِ، ولا مانع من الجمعِ. مرقاة المفاتيح (8/ 3199).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يكون سترهُ له، سترُ عيوبهِ ومعاصيه عن إذاعتِها على أهلِ المحشرِ، وقد يكونُ تركُ محاسبتهِ عليها وذكرِهَا له، والأول أظهرُ؛ لما جاء في الحديث الآخر: «يقرره بذنوبه» يقول: «سترتُها عليكَ في الدنيا، وأنا أغفرُها لك اليومَ». إكمال المعلم (8/ 61).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قلت: ويجوزُ الأمران: فلا يذيعُ معاصيه وعيوبَه لأهلِ الموقفِ، ويتركُ محاسبتهُ عليها. شرح سنن أبي داود (19/ 39).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
«سَترَ اللهُ عورتهُ يومَ القيامةِ» فهذا إنما يُرجى لعبدٍ مؤمنٍ ستر على الناس عيوبَهم، واحتمل في حق نفسهِ تقصيرَهم، ولم يحرك لسانهُ بذكرِ مساويهم، ولم يذكرهم في غيبتهِم بما يكرهُون لو سمعُوه، فهذا جديرٌ بأن يُجازى بمثله في القِيامةِ، وهب أنه قد سترهُ عن غيرِك، أليس قد قرعَ سمعك النداء إلى العرض، فيكفيك تلك الرَّوعة جزاء عن ذُنوبك، إذ يؤخذُ بناصيتك فتُقاد، وفؤادكَ مضطربٌ، ولبُّك طائرٌ، وفرائصُك مرتعدةٌ، وجوارحك مضطربةٌ، ولونك متغيِّر، والعالَمُ عليك من شدة الهول مُظلمٌ. إحياء علوم الدين (4/ 519).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: أن المجازاةَ في الآخرةِ قد تكونُ من جِنس العملِ في الدنيا من خيرٍ أو شرٍّ. إكمال المعلم (8/ 49).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وهذا يرجعُ إلى قاعدةِ: الجزاءُ على العمل من جنسهِ، كما أن مَن أعتق رقبةً أعتق اللهُ بكل عضوٍ منه عضوًا منها من النار، ومَن نفَّس عن مسلم كُربةً من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كُرب الآخرة، ومَن يسَّر على مُعسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرةِ، ومَن سترَ مسلمًا في الدنيا، سترهُ الله في الآخرة، والراحمونَ يرحمهُم الرحمنُ، ومثلُ هذا كثيرٌ. فتح الباري (3/ 320).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
مَن سترَ مسلمًا اطَّلع منه على ما لا ينبغي إظهارُه من الزلات والعثراتِ، فإنه مأجورٌ بما ذكره من سترهِ في الدنيا والآخرةِ، فيستره في الدنيا بأن لا يأتي زلةً يكرهُ اطّلاع غيره عليها، وإن أتاها لم يُطلع الله عليها أحدًا، وستره في الآخرة بالمغفرة لذنوبهِ، وعدم إظهار قبائحهِ وغير ذلك. سبل السلام (2/ 638).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: لم يفضحهُ على رؤوس الخلائقِ بإظهار عيوبهِ وذنوبه، بل يسهِّل حسابهُ ويتركُ عقابهُ؛ لأن الله حَييٌّ كريمٌ، وسَتر العَورة من الحياءِ والكرمِ، ففيه تخلُّق بخُلق الله، والله يحبُّ التَّخلُّق بأخلاقه، ودُعِيَ عثمانُ إلى قومٍ على ريبةٍ، فانطلق؛ ليأخذهم فتفرقوا فلم يدركهم، فأعتق رقبةً شكرًا لله -تعالى- ألا يكونَ جرى على يديه خزيُ مسلم. فيض القدير (6/ 149).

قوله: «يومَ القيامةِ»:
قال الطبري -رحمه الله-:
وأما «القيامة» فهي مصدر من قول القائل: قمتُ قيامًا وقِيامةً كما يقال: "عدتُّ فلانًا عيادةً"، و "صُنتُ هذا الأمرَ صيانةً" ...؛ فمعنى «يوم القيامة»: يوم قيامِ الخلائق من قبورهم لمحشرهم. تفسير الطبري (2/ 518).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«يوم القيامة»: هو اليوم الذي يُبعث فيه الناس، وسُمِّي يومَ القيامةِ لأمور ثلاثة:
أولًا: لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} المطففين: 6.
والثاني: أنه يُقام فيه العدلُ؛ كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} الأنبياء: 47.
والثالث: لأنه يقوم فيه الأشهاد؛ كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِيْنَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} غافر: 51. تفسير الزمر (ص342).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقد حث -صلى الله عليه وآله وسلم- على السّتر للمسلم فقال في حق ماعز: «هلّا سترتَ عليه بردائك يا هزالُ» وقال العلماء: وهذا السّتر مندوبٌ لا واجبٌ؛ فلو رفعه إلى السلطان كان جائزًا له ولا يأثم به، قلت: ودليله: أنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لم يلُم هزالًا، ولا أبان له أنه آثمٌ؛ بل حرَّضهُ على أنه ينبغي له سترهُ، فإن علمَ أنه تاب وأقلع حرُمَ عليه ذكر ما وقعَ منه، ووجب عليه سترهُ، وهو في حقِّ من لا يُعرفُ بالفساد والتَّمادي في الطُّغيان، وأما مَن عُرف بذلك، فإنه لا يُستحب السَّتر عليه، بل يرفع أمرهُ إلى مَن له الولاية، إذا لم يخف من ذلك مفسدة؛ وذلك لأن السّتر عليه يغريهِ على الفساد، ويجرّؤه على أذية العبادِ، ويجرِّئ غيره من أهل الشر والعناد، وهذا بعد انقضاء فعل المعصية، فأما إذا رآه وهو فيها، فالواجبُ المبادرة لإنكارها والمنع منها مع القدرةِ على ذلك، ولا يحلُّ تأخيره؛ لأنه من باب إنكار المنكر، لا يحل تركهُ مع الإمكان، وأما إذا رآه يسرق مالَ زيد، فهل يجب عليه إخبار زيد بذلك أو سترُ السارق؟ الظاهر: أنه يجبُ عليه إخبار زيدٍ، وإلا كان معينًا للسَارق بالكتم منه على الإثمِ، والله -تعالى- يقول: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة: 2، وأما جرحُ الشهودِ والرواةِ والأمناء على الأوقافِ والصدقات وغير ذلك، فإنه من باب نصيحة المسلمينَ الواجبة على كل مَن اطَّلع عليها، وليس من الغِيبة المحرَّمة، بل من النَّصيحة الواجبة وهو مجمعٌ عليه. سبل السلام (2/ 638-639).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال الأبي: ليس من لوازم السَّتر عدم التغيير للمنكرِ، بل يغيِّر ويستُرُ، فمن وجد سكرانًا فلا يجبُ عليه رفعه إلى الحاكمِ، نعم إذا طلبه الحاكم بالشهادةِ عليه، تعيَّن عليه أن يشهد، ا. هـ. الكوكب الوهاج (25/ 63).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فإذا كان المرءُ يؤجرُ في السَّتر على غيره، فسترهُ على نفسه كذلك، أو أفضل، والذي يلزمه في ذلك التوبةُ والإنابةُ والندم على ما صنع، فإن ذلك محوٌ للذنب -إن شاء الله-. التمهيد (3/ 733).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فإن كان الرجل مُتَسَتِّرًا بذلك؛ وليس معلنًا له أنكر عليه سرًّا وستر عليه؛ كما قال النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «من ستر عبدًا ستره الله في الدنيا والآخرة» إلا أن يتعدى ضرره، والمتعدي لا بد من كَفِّ عدوانه، وإذا نهاه المرء سرًّا فلم ينته فعل ما ينكفُّ به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين. وأما إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه علانية، ولم يبق له غيبة، ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره؛ فلا يسلم عليه، ولا يُرَدُّ عليه السلام إذا كان الفاعل لذلك متمكنًا من ذلك من غير مفسدة راجحة.
وينبغي لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتًا كما هجروه حيًّا إذا كان في ذلك كفٌّ لأمثاله من المجرمين؛ فيتركون تشييع جنازته؛ كما ترك النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- الصلاة على غير واحد من أهل الجرائم، وكما قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك مات البارحة. فقال: لو مات لم أُصَلِّ عليه: يعني: لأنه أعان على قتل نفسه فيكون كقاتل نفسه. وقد ترك النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- الصلاة على قاتل نفسه، وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم. فإذا أظهر التوبة أظهر له الخير. مجموع الفتاوى (28/ 217-218).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وهذا ليس على إطلاقه؛ فهناك نصوص تدل على أنه غير مطلق، فالستر قد يكون مأمورًا به محمودًا، وقد يكون حرامًا، فإذا رأينا شخصًا على معصية، وهو رجل شرير منهمك في المعاصي، لا يزيده الستر إلا طغيانًا؛ فإننا لا نستره، بل نبلغ عنه حتى يردع ردعًا يحصل به المقصود.
أما إذا لم تبدر مه بوادر سيئة، ولكن حصلت منه هفوة، فإن من المستحب أن تستره ولا تبينه لأحد، لا للجهات المسؤولة ولا لغيرها، فإذا سترته ستر الله عليك في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أيضًا: أن تستر عنه العيب الخلقي، إذا كان فيه عيب في خلقته كجروح مؤثرة في جلده أو برص أو بهق أو ما أشبه ذلك، وهو يتستر ويحب ألا يطلع عليه الناس- فإنك تستره، إذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة. وكذلك إذا كان سيئ الخلق لكنه يتظاهر للناس بأنه حسن الخلق وواسع الصدر، وأنت تعرف عنه خلاف ذلك، فاستره؛ «فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». شرح رياض الصالحين (2/ 568).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والذي يظهر: أن الستر محله في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها؛ فيجب الإنكار عليه، وإلا رفعه إلى الحاكم، وليس من الغيبة المحرمة؛ بل من النصيحة الواجبة، وفيه: إشارة إلى ترك الغيبة؛ لأن من أظهر مساوئ أخيه لم يستره. فتح الباري (5/ 97)

قوله: «ومَن كَشفَ عَورة أخيهِ المُسلمِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ومَن كشفَ» وأظهرَ بين الناس «عَورةَ أخيهِ المسلم». مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 42).

قوله: «كَشفَ الُله عَورتَهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «كَشَفَ اللهُ عَورتهُ» أي: عَيْبه في الدنيا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 42).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
الجزاءُ من جنس العملِ، يُجازى الإنسانُ من جنس عمله. شرح سنن ابن ماجه (15/ 6).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد روي عن بعض السلف أنه قال: أدركتُ قومًا لم يكن لهم عيوبٌ، فذكروا عُيوب الناسِ، فذكر الناس لهم عيوبًا، وأدركت أقوامًا كانت لهم عُيوبٌ، فكفُّوا عن عيوب الناس، فنُسيت عيوبُهم، أو كما قال، وشاهد هذا: حديث أبي برزة، عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أنه قال: «يا معشرَ من آمن بلسانهِ، ولم يدخل الإيمانُ في قلبِه، لا تغتابوا المُسلمين، ولا تتبَّعوا عوراتِهم، فإنه مَن اتَّبع عوراتِهم، تتبَّع اللهُ عورتهُ، ومن تتبَّع الله عورتهُ، يفضحْه في بيتِه» خرجه الإمام أحمد وأبو داود، وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر. جامع العلوم والحكم (ص: 736).

قوله: «حتى يَفضَحَهُ بِها في بَيتِهِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «يَفضحهُ» بفتح الياء «بها» أي: بعَورتهِ. حاشية على سنن ابن ماجه (2/ 112-113).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتَّى يفضحَهُ» بفتح الياء والضاد من باب: فَتَحَ، «بها» أي: بتلك العَورة التي فضحَ بها أخاه «في» أهلِ «بيْتهِ» في الدنيا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 42).
وقال المجددي الحنفي -رحمه الله-:
«حتَّى يفضَحهُ بها في بَيْته» أي: بهذه العَورة، أي: العيْب في بيتهِ، أي: مع وجود ستره، وهذا مآل قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا تُظهر الشماتةَ لأخيكَ فيُعافيهِ الله ويبتليكَ» ففيه عقوبة من جهتين: الابتلاء بتلك البليَّة، ثم إظهارُه بين الناس، وإن سترهُ على نفسِه. شرح سنن ابن ماجه، للسيوطي وغيره (ص 183).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الكبيرة الخامسة والخمسون بعد الثلاثمائة: هتك المسلم وتتبع عوراته حتى يفضحه ويذله بها بين الناس. الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 207).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

النهي عن إيذاء المسلمين وتتبع عوراتهم.


إبلاغ عن خطأ