«يُجزِئُ عن الجماعةِ، إذا مرُّوا، أن يُسلِّم أحدُهم، ويُجزِئُ عن الجلوسِ أن يردَّ أَحَدُهم».
رواه أبو داود برقم: (5210)، وأبو يعلى برقم: (441)، والبيهقي في الكبرى برقم: (17946)، من حديث علي -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (8023)، إرواء الغليل برقم: (778).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «يُجزِئُ عن الجماعةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يُجزِئُ» بضم أوله وكسر الزاي بعده همزٌ، أي: يكفي «عن الجماعةِ إذا مرُّوا» وكذا إذا دخلوا أو وَقَفوا على جمعٍ، أو على أحد. مرقاة المفاتيح (7/ 2945).
وقال ولي الله الدهلوي -رحمه الله-:
أقول: وذلك؛ لأن الجماعة واحدةٌ في المعنى، وتسليم واحدٍ منهم يدفعُ الوحشة، ويوددُ بعضهم بعضًا. حجة الله البالغة (2/ 306).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يُجزِئُ عن الجماعةِ» أي: يسقط عنهم ندبيَّةُ الابتداء بالسَّلام «إذا مرُّوا» بمن يُسلِّمون عليه. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 589).
وقال عبد الله بن مانع الروقي -حفظه الله-:
إن سلَّم الجميع فهو أَولى، والمراد بالجماعة: اثنان فصاعدًا، وحينئذٍ يكون الرد على القاعدين فرض كفايةٍ. اللباب شرح فصول الآداب (ص19).
قوله: «إذا مروا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا مروا» بمن يسلمون عليه. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 589).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وكذا إذا دخلوا أو وقفوا على جمع أو على أحد. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2945).
قوله: «أن يُسلِّم أحدُهم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن يُسلِّم أحدُهم» أي: أحد المارِّين ونحوهم، واعلم أن ابتداء السَّلام سُنَّة مستحبةُ، ليست بواجبة، وهي سُنَّة على الكفاية، فإن كانوا جماعةً كفى عنهم تسليمٌ واحدٌ، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل. مرقاة المفاتيح (7/ 2945).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أن يُسلِّم أحدُهم» يعني: التَّسليم سُنَّة على الكفاية. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 127).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أن يُسلِّم أحدهم» فيه حجةٌ على أن الجماعة إذا سلَّم واحدٌ منهم على جمعٍ أو واحد، تأدَّت السُّنَّة. شرح سنن أبي داود (19/ 543).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أن يُسلِّم أحدهم» ويؤجروا كلُّهم. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 589).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
السَّلام سُنَّة كفايةٍ وليس سُنَّة عينٍ؛ الدليل أن سلام الواحد يكفي عن الجميع، وهل من فوائد الحديث: أنه يُسنُّ للجميع أن يُسلِّموا؛ لقوله: «يُجزِئُ عن الجماعةِ»؟ فيه نظرٌ، قد نقول: إنه يُجزِئُ شرعًا بمعنى: أن الشرع إنما ورد أن يُسلِّم واحدٌ عن الجماعةِ وهذا هو الظاهر، يعني: تتبع ذهاب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه ليعودَ مريضًا أو يُجيب دعوةً، تجد أن الذي يُسلِّم هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالظاهر أنه يُجزِئُ بمعنى: أنه تحصلُ به السُّنَّة، وأنه لا حاجة أن يُسلِّم الجميع، لكن في ظني أنه لو سلَّم الجميع والحال تقتضي ذلك فلا بأس؛ لأنه أحيانًا يأتي جماعةٌ ويدخلون أرسالًا واحدًا واحدًا، كل من دخل قال: سلام عليكم. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 258).
قوله: «ويُجزِئُ عن الجُلوسِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويُجزِئُ عن الجُلوسِ» أي: ذوي الجلوس أو الجالسين، والمراد بهم: المُسلَّم عليهم بأي صفةٍ كانوا، وإنما خصَّ الجلوس؛ لأنه الغالب على جمع مجتمعين، مع الإشعار بأن القائمَ ينبغي أن يُسلِّم على القاعدِ، ثم المعنى: ويكفي. مرقاة المفاتيح (7/ 2945).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«يُجزِئُ عن الجلوس» جمع جالسٍ، كقعود جمع قاعدٍ، والظاهر: أن حكم التَّلاقي كذلك، والحاصل: أن سُنِّيَّة التَّسليم ووجوب ردِّه على الكفاية، إن فعل واحدٌ سقط عن الجماعةِ. لمعات التنقيح (8/ 21).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ويجزئ» في ردِّ من سلَّم عليهم وهم قوم جلوس. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 589).
قوله: «أن يرُدَّ أحدُهم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن يرُدَّ أحدُهم» وهذا فرضُ كفايةٍ بالاتفاق، ولو ردُّوا كلهم كان أفضلَ، كما هو شأن فروض الكفايةِ كلِّها. مرقاة المفاتيح (7/ 2945).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أن يرُدَّ أحدُهم»: فيسقط وجوبُ الرَّدِّ على مَن عداه ممَّن لم يردّ، ويؤجرون جميعًا، فلو رَدُّوا جميعًا في الابتداء والانتهاء لكان حسنًا وأعظمَ أجرًا. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 589).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وجواب التَّسليمِ فرضٌ على الكفاية، فإذا سلَّم واحدٌ من جماعة فقد أدَّوْا سُنَّة التسليم، فإذا أجاب واحدٌ من جماعةٍ فقد أدَّوْا ما عليهم من فرضِ جواب التَّسليم. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 127).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وتوجُّه فرض الرَّدِّ على سامعه من الجماعة إن كان واحدًا، وإن سمعه الجميعُ كفى ردّ واحدٍ. شرح سنن أبي داود (19/ 543).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإن كان المسلَّمُ عليه واحدًا، وجب الرَّدُّ عليه عينًا، وإن كان المسلَّم عليهم جماعة فالرد فرض كفاية في حقهم ... ويشترط كون الرَّدِّ على الفورِ، وعلى الغائبِ في ورقة أو رسول. سبل السَّلام (2/ 611).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أن ابتداء السَّلام سُنَّة مستحبَّة ليس بواجبٍ، وهو سُنَّة على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة، كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلّموا كلهم كان أفضل ... وأما ردَّ السَّلام، فإن كان المسلّم عليه واحدًا تعيّن عليه الرد، وإن كانوا جماعة، كان رد السَّلام فرض كفاية عليهم، فإن رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، وإن ردّوا كلهم، فهو النهاية في الكمال والفضيلة، كذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن، واتفق أصحابنا على أنه لو رد غيرهم، لم يسقط الردّ، بل يجب عليهم أن يردوا، فإن اقتصروا على ردِّ ذلك الأجنبيّ أَثِموا. الأذكار، للنووي (ص: 246).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
ولما أجمعوا على أن الواحد يُسلِّم على الجماعة، ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعةِ، كذلك يرُدّ الواحد عن الجماعةِ وينوبُ عن الباقين كفروض الكفاية. الجامع لأحكام القرآن (5/ 299).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الفقهاء اختلفوا في القول به: فقال مالك والشافعي وأصحابهما وهو قول أهل المدينة: إذا سلم رجل على جماعة من الرجال فرد عليه واحد منهم أجزأ عنهم وشبهه الشافعي -رحمه الله- بصلاة الجماعة والتفقه في دين الله، وغسل الموتى ودفنهم والصلاة عليهم، وبالسفر إلى أرض العدو لقتالهم قال: هذه كلها فروض على الكفاية إذا قام بشيء منها بعض القوم أجزأ عن غيرهم، قال أبو عمر: الحجة في فرض رد السَّلام قول الله -عز وجل-: {وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوْا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوْهَاْ} النساء: 86، والحجة في أن هذا الفرض لا يتعين في هذه المسألة حديث زيد بن أسلم هذا، وقال أبو جعفر الأزدي الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف أنه كان ينكر الحديث الذي روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا رد السَّلام بعض القوم أجزأ عن الجميع» وقال: لا يُجزِئُ إلا أن يردُّوا جميعًا، قال أبو جعفر: ولا نعلم في هذا الباب شيئًا روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير حديث مالك عن زيد بن أسلم، وشيء روي فيه عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكلا الوجهين لا يحتج به، قال: وحديث زيد بن أسلم إنما فيه إذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم، قال: وإنما هو ابتداء السَّلام وابتداء السَّلام خلاف رد السَّلام؛ لأن السَّلام المبتدأ تطوع ورده فريضة، قال: وليس هو من الفروض التي على الكفاية؛ لأنه لو كان مع القوم نصراني فرد النصراني دون أحد من المسلمين لم يسقط ذلك عنهم فرض السَّلام؛ فدل على أن فرض السَّلام من الفروض المتعينة التي تلزم كل إنسان بنفسه، قال أبو عمر: أما قوله: إن حديث زيد بن أسلم هذا معناه الابتداء فغير مُسلَّم له ما ادعاه من ذلك، وظاهر الحديث: يدل على خلاف ما تأول فيه، وذلك قوله: أجزأ عنهم؛ لأنه لا يقال: أجزأ عنهم إلا فيما قد وجب عليهم والابتداء بالسَّلام ليس بواجب عند الجميع، ولكنه سُنَّة وخير وأدب، والرد واجب عند جميعهم؛ فاستبان بقوله: أجزأ عنهم: أنه أراد بالحديث الرد -والله أعلم-. التمهيد (5/ 287-289).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قال الحليمي: وإنما كان الرد فرضًا والابتداء سُنَّة لأن أصل السَّلام أمان ودعاء بالسَّلامة، وكل اثنين أحدهما آمن من الآخر يجب أن يكون الآخر آمنًا منه؛ فلا يجوز لأحد إذا سلم عليه غيره أن يسكت لئلا يخافه، وعلى كونه فرض كفاية؛ فإذا ردَّ الجميع ولو مرتبًا أثيبوا عليه ثواب الفرض كالمصلين على الجنازة؛ لأن الساقط بسلام البعض: الحرج والإثم. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (5/ 304).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«ويُجزِئُ عن الجلوسِ أن يَرُدَّ أحدهم» نعم لا بد أن يكون الراد مكلَّفًا حتى يُجزِئُ عن الباقين؛ فلو رد كافر لم يُجْزِ، وكذا إن كان فيهم صبي فرد وحده لم يسقط عنهم الفرض. قال ابن حمدان: إن سلم بالغ على بالغ وصبي رده البالغ، ولم يكفِ ردُّ الصبي. انتهى.
ومفهوم كلامه: أنه لو كان بالغ وصبي فسلم الصبي على بالغ وصبي أجزأ رد الصبي، ولعله ليس مرادًا؛ لأنه يلزم الرد على تسليم الصبي في الأصح، وقد علمت أن الرد لا يسقط بالصبي فتأمل.
وقال أبو المعالي: والسَّلام على الصبي لا يستحق جوابًا؛ لعدم أهليته للخطاب والأمر به؛ فإن سلم صبي على بالغين فوجهان في وجوب الرد مخرَّجان من صحة سلامه. انتهى.
والمذهب (الحنبلي): الوجوب، قال في الغاية: ولا بأس به، يعني: السَّلام على الصبيان تأديبًا لهم ولا يلزمهم ردّ، ويلزم ردُّ عليهم كشابة أجنبية سلَّمت وإرسالها به لأجنبي وإرساله إليها لا بأس به لمصلحة وعدم محذور. غذاء الألباب (1/ 287).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وذكر الماوردي أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق أنه لا يُسلِّم إلا على البعض؛ لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن المهم الذي خرج لأجله وخرج به عن العرف. سبل السَّلام (2/ 619).
وللمزيد من الفائدة ينظر: