السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إنَّ أخْوَفَ ما أَخافُ على أُمَّتي عَمَلُ قومِ لُوطٍ».


رواه أحمد برقم: (15093)، والترمذي برقم: (1457)، وابن ماجه برقم: (2563)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1552)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2417).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ أخوفَ...» اسم التفضيل مبنيٌّ للمفعول؛ ولذا أضيفَ إلى ما أتخوَّفُ، أي: الذي هو أكثرُ خوفًا وأشدُّ ضررًا، من الأمور التي «أخافُ» منها ... والمراد: "مِن أخوف" لا أنه الأخوفُ؛ لئلا يعارضُه نحو: «أخوفُ ما أخافُ على أُمَّتي الأئمةُ المضلُّونَ». كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/ 118).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ» أضافَ أفعلَ إلى «ما» وهي نكرةٌ موصوفةٌ؛ ليدلَّ على أنه إذا استقصى الأشياءَ الْمَخوفَ منها شيئًا بعد شيءٍ، لم يوجد شيءٌ أخوفُ من فعلِ قومِ لُوط. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2526).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ» وذلك إما لتوهُّم عدم الصَّبر والوقوعِ في تلك الوَرطةِ، أو لغايةِ شناعتِها وتأكُّدِ حُرمتها. لمعات التنقيح (6/ 382-383).

قوله: «على أُمَّتي»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «على أُمَّتي» في دينِها ودنياها. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 568).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«على أُمَّتي» عقوبة عملهم مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 103).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «على أُمَّتي»: أمةُ الإجابةِ. فيض القدير (2/ 419).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قال الشارحون: الأمة جمعٌ لهم جامعٌ، من دِين أو زمانٍ أو مكانٍ، أو غير ذلك، فإنه مجملٌ، يطلقُ تارةً ويراد بها: كلّ من هو مبعوثٌ إليهم، آمنَ به أو لم يُؤمن، ويُسمّون أمةَ الدعوة، وتُطلق أخرى ويُرادُ بها: المؤمنونَ به الْمُذعِنونَ له، وهم أمَّةُ الإجابةِ. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 449).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأمة يراد بها: أمَّة الدعوة، يعني: الأمَّة التي وُجِّهَت إليها دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يعمُّ جميع الناس منذ بعث الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى يومِ القيامةِ كلُّهم أمتُه، وأمَّةُ الإجابة هم الذين استجابوا للرسول -عليه الصلاة والسلام-، فأمَّة الدعوة وُجِّهت إليهم الدعوة؛ فمنهم مَن آمنَ ومنهم مَن كفرَ، وأمَّة الإجابة هم الذين استجابوا، فكلُّ فضلٍ وردَ في الأمة -أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنَّه يُحملُ على أمَّةِ الإجابةِ؛ لأن أمَّة الكُفرِ ليس لها فضيلةٌ. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 190).

قوله: «عملُ قومِ لُوطٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عملُ قومِ لُوطٍ» وهو اللِّواطة، سواءٌ كان في دُبُرِ الرجالِ أو النِّساءِ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (15/ 99).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«عملُ قومِ لُوطٍ» يعني: إتيان الذُّكورِ، وإنما أضاف إليهم هذا العملَ؛ لأنهم هم الفاعلون ابتداءً، كما قال الله -تعالى-: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} الأعراف: 80. شرح المصابيح (4/ 205).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وقوله: «عملُ قومِ لُوطٍ» هو إتيانُ الذُّكور، قال الحسن: كانوا لا يَنكحون إلّا الغُرباء، وقال الكلبي: إنّ أوّلَ مَن عمل معه قومُ لُوطٍ إبليسُ لعنه الله، لأنّ بلادَهم أخصبت فانتجعها أهلُ البُلدان، فتمثّل لهم إبليسُ لعنه الله في صورةِ شابٍّ ثم دعاهم إلى دُبُره فنَكَح دُبُره، وكذلك من عملِهم بَخْسُ المكايلِ والموازينِ ومَكْسُ الأشياء، وروي أنّهم كانوا إذا دخل الغريبُ بلدَهم أخذوا دراهمَه الجيادَ وقالوا: هي زُيوف، فقطَعوها، ثم أخذوها بنقصانٍ ظاهرٍ وأعطَوه بدلَها زُيوفًا، وكذلك من عملِهم الضَّرْطُ بالفم واستنطاحُ الكباشِ وغيرُ ذلك من الأفعال القبيحة، وأشهرُ أعمالهم هو إتيانُ أدبارِ الرجال، قال ابن سيرين: ليس شيءٌ من الدوابّ يعمل عملَ قومِ لُوطٍ إلّا الخنزيرُ والحمار.. فتح القريب المجيب (10/ 306-307).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عملُ قومِ لُوطٍ» عبَّرَ به تلويحًا بكونهم الفاعلين لذلك ابتداءً، وأنه من أقبحِ القبيح؛ لأنَّ كلَّ ما أوجده الله في هذا العالَمِ جعله صالحًا لفعلٍ خاصٍّ، فلا يصلحُ له سِواه، وجعل الذَّكرَ للفاعليةِ، والأنثى للمفعوليةِ، وركَّبَ فيهما الشَّهوةَ؛ للتَّناسلِ وبقاءِ النَّوعِ، فمَن عكسَ فقد أبطلَ الحِكمةَ الرَّبانيَّة، وقد تطابقَ على ذمِّه وقُبحِهِ شرعًا وعقلًا وطبعًا، أما شرعًا فلِآية {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} الحجر : 74، روي أن جبريل -عليه السلام- رفعَ قُرى قومِ لُوطٍ على جناحهِ، حتى سَمع أهلُ السماء نباحَ كلابهم، وصياحَ ديكتهم ثمَّ قلبها، وأمطر عليهم الحجارةَ، وأما عقلًا؛ فلأنه -تعالى- خلقَ الإنسانَ أفضل الأنواعِ، وركَّبَ فيه النفسَ النَّاطقة الْمُسمَّاة بالرُّوح بلسان الشرع، والقوةَ الحيوانية؛ لمعرفته -تعالى- ومعرفةِ الأمورِ العالية، التي منها معرفةُ وجهِ حكمته، وفي ذلك إبطال حكمته كما تقرَّرَ، وأما طبعًا؛ فلأن ذلك الفعل لا يحصلُ إلا بمباشرة فاعلٍ ومفعولٍ به، والقبحُ الطَّبيعي هو ما لا يُلائمُ الطَّبع، وهذا الفعلُ لا يلائمُ المفعولَ به، إلا لأحد أمرين، إما فيضانُ صورةِ الأنوثةِ عليه، وإما لتولُّد مادةِ المنفذ فيحصل تآكلٌ ورعدةٌ بالمحلِّ تسكنُ بالفعل به، وذلك نقيصةٌ لا يلائمُ طَبعَ الفاعلِ إلا بجعل النفسِ الناطقة تابعة للقوة الحيوانية، وهو نقصٌ لا يُكْتَنَهُ كنههُ. فيض القدير (2/ 420)،
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«عملُ قومِ لُوطٍ» وهو من أعظمِ الفواحشِ وأخطرِها، والله -عز وجل- عاقب تلك الأمَّة التي ابتُلِيَتْ بذلك البلاءِ بعقوبةٍ شديدةٍ وعظيمةٍ، وهي أنه رُفعت أرضُهم وقُلِبت، وجُعلَ عاليها سافلها، وأهلَكهم اللهُ بذلك، فهو جُرمٌ من أعظمِ الجرائمِ وأكبرِ المعاصي. شرح سنن أبي داود (502/ 23).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
اتفق أهلُ العلمِ على تحريمِ عملِ قومِ لُوط وأنه من كبائرِ الذنوب، وقد ذمَّ الله -تعالى- هذه الفِعلةَ الشنيعةَ، وقصَّ علينا قصتهم تحذيرًا لنا أن نسلكَ سبيلهُم، فيُصيبنا ما أصابهُم، وذلك في أكثرِ من موضعٍ في القرآن. منحة العلام (8/ 422).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
لا خلاف بين الأمة أن عمل قوم لُوط أعظم من الزنا. شرح صحيح البخاري (8/ 430).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
ومن تأمل قوله تعالى: {وَلَاْ تَقْرَبُوْا الْزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيْلَاً} الإسراء: 32، وقوله في اللواط: {أَتَأْتُوْنَ الْفَاحِشَةَ مَاْ سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِيْنَ} الأعراف: 80، تبين له تفاوت ما بينهما؛ لأنه سبحانه نكَّر الفاحشة في الزنا، أي: هو فاحشة من الفواحش، وعرَّفها في اللواط، وذلك يفيد أنه اسم جامع لمعاني اسم الفاحشة؛ كما تقول: زيد الرجل ونعم الرجل زيد، أي: أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد؛ فهي لظهور فحشها وكماله غَنِيَّةٌ عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها، وأكد -سبحانه وتعالى- فحشها بأنه لم يعملها أحد من العالمين قبلهم، وحكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد فقال: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُوْنَ} الأعراف: 81، وسماهم فاسقين، وأكَّد ذلك سبحان بقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِيْ كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إنَّهُمْ كَانُوْا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِيْنَ} الأنبياء: 74، وسماهم أيضًا مفسدين في قول نبيهم: {رَبِّ انْصُرْنِيْ عَلَىْ الْقَوْمِ الْمُفْسِدِيْنَ} العنكبوت: 30، وسماهم ظالمين في قول الملائكة: {إنَّ أَهْلَهَاْ كَاْنُوْا ظَاْلِمِيْنَ} العنكبوت: 31. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 75-76).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
واعلم أن الله جلَّت قدرته وتقدست أسماؤه لم يجمع على أمة من الأمم من أنواع العقوبة ما جمع على اللُّوطية؛ فإنه -سبحانه وتعالى- طمس أبصارهم وسودَّ وجوههم، وأمر جبريل أن يقتلع قراهم من أصلها ثم يلقيها عليهم؛ فجعل عاليها سافلها، ثم خسف بهم الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من السماء، وهذه العقوبات لم يجمعها على أُمَّة غيرهم لشدة مفسدة هذا الذنب العظيم وفحشه وقبحه، وشدة غضب الله على أهله، وقد أجمع الصحابة -رضي الله عنهم- على قتل فاعله، وإن تنوعت آراؤهم في كيفية قتله. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (10/ 311)

وللمزيد من الفائدة ينظر:

جريمة اللواط الصغرى.


إبلاغ عن خطأ