عن عمرو بن عوف الأنصاري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث أبا عُبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بِجِزْيَتِهَا، وكان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- هو صالح أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقَدِمَ أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعتِ الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافَت صلاة الصبح مع النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فلمَّا صلَّى بهم الفجر انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رآهم، وقال: «أظُنكم قد سمِعتم أنَّ أبا عبيدة قد جاء بشيء» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأَبْشِروا وأمِّلُوا ما يسُرُّكم، فو الله لا الفَقر أَخشى عليكم، ولكن أَخشى عليكم أن تُبْسطَ عليكم الدُّنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنافسُوها كما تنافسُوها، وتُهلِككُم كما أَهلَكَتْهم».
رواه البخاري برقم: (3158)، ومسلم برقم: (2961)، من حديث عمرو بن عوف الأنصاري -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«البحرين»:
أي: البلد المشهور بالعراق، وهي بين البصرة وهجر. فتح الباري، لابن حجر (6/262).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«البحرين» موضع بين البَصرة وعُمان. [منحة الباري (7/ 245).
«بجزيتها»:
الْجِزْيَة: من جزَّأت الشيء إذا قسَّمته، ثم سُهِّلَتِ الهمزة، وقيل: من الجزاء، أي: لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء؛ لأنها تكفي مَن تُوضع عليه في عصمة دمه. فتح الباري، لابن حجر (6/ 259).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وهي عبارة عن المال الذي يُعْقَد للكتابي عليه الذِّمَّة، وهي فِعْلَةٌ من الجزاء، كأنها جَزَتْ عن قتله. النهاية (1/ 271).
«فوافت»:
«فوافت» من الموافاة، وفي نسخة: «فوافقت» من الموافقة. منحة الباري ، لزكريا الأنصاري(6/ 267).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أي: صلوا معه؛ قال الجوهري: وافيت فلانًا: إذا أتيته. الكوثر الجاري (6/ 134).
«فتعرضوا له»:
تعرض فلان لفلان: إذا وقف له بطريق ونحوه. الدر النقي، ابن المبرد (3/ 526).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
أي: سألوه بالإشارة. التوشيح شرح الجامع الصحيح (5/ 2069).
شرح الحديث
قوله: «إلى البحرين يأتي بجزيتها»:
قال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
بلاد البحرين: بين البصرة وهَجَر، وسُمِّيَت البحرين لاجتماع البحر العذب والْمَلِح فيها، فإن الماء العذب تحت البحر، فإذا حفر الحاجز بينهما نبع العذب وارتفع. تطريز رياض الصالحين (ص: 312).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يأتي بجزيتها» أي: بجزية أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس، ففيه تقوية للحديث الذي قبله (وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- أخذها من مجوس هجر)، ومن ثم ترجم عليه النسائي: أخذ الجزية من المجوس، وذكر ابن سعد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية. فتح الباري (6/ 262).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء، فيمن تؤخذ منه الجزية، فروى ابن القاسم عن مالك: أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب، ومن المجوس وعبدة الأوثان، وكل المشركين غير المرتدين، وقريش.
وفي مختصر ابن أبي زيد: «وتقاتل جميع الأمم حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية».
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: أن الجزية تقبل من أهل الكتاب، ومن سائر كفار العجم، ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف.
وقال الشافعي: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، وزعم أن المجوس كانوا أهل كتاب؛ فلذلك تُؤخذ منهم الجزية، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. شرح صحيح البخاري (5/ 329-331).
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
كان ذلك في سنة الوفود، سنة تسع من الهجرة، والعلاء بن الحضرمي صحابي شهير واسم الحضرمي: عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت، فقدم مكة فحالف بها بني مخزوم، وقيل: كان اسم الحضرمي في الجاهلية: زهرمز، وذكر عمر بن شبة في كتاب (مكة) عن أبي غسان، عن عبد العزيز بن عمران: أن كسرى لما أغار بنو تميم وبنو شيبان على ماله أرسل إليهم عسكرًا عليهم زهرمز، فكانت وقعة ذي قار، فقتلوا الفرس، وأسروا أميرهم، فاشتراه صخر بن رزين الديلي، فسرقه منه رجل من حضرموت، فتبعه صخر حتى افتداه منه، فقدم به مكة، وكان صناعًا فعُتق، وأقام بمكة، وولد له أولاد نجباء، وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة، فصارت دعواهم في آل حرب، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان والد طلحة أحد العشرة، فولدت له طلحة.
قال: وقال غير عبد العزيز: إن كلثوم بن رزين، أو أخاه الأسود خرج تاجرًا، فرأى بحضرموت عبدًا فارسًا نجارًا، يقال له: زهرمز، فقدم به مكة، ثم اشتراه من مولاه، وكان حميريًا، يكنى أبا رفاعة، فأقام بمكة، فصار يقال له: الحضرمي، حتى غلب على اسمه، فجاور أبا سفيان، وانقطع إليه، وكان آل رزين حلفاء لحرب بن أمية، وأسلم العلاء قديمًا، ومات الثلاثة المذكورون: أبو عبيدة، والعلاء باليمن، وعمرو بن عوف في خلافة عمر -رضي الله عنهم-. فتح الباري (6/ 262).
قوله: «فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين» أي: بجزية أهلها. الكوكب الوهاج (26/ 337).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
روى ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال مرسلًا: أنه كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول خراج حُمل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وعند المصنف (أي: البخاري) في المغازي من حديث عمرو بن عوف: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم، فقدم أبو عبيدة بمال، فسمعت الأنصار بقدومه».. الحديث.
فيستفاد منه: تعيين الآتي بالمال، لكن في الردة للواقدي: أن رسول العلاء بن الحضرمي بالمال هو العلاء بن حارثة الثقفي، فلعله كان رفيق أبي عبيدة.
وأما حديث جابر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «لو قد جاء مال البحرين أعطيتك» وفيه: «فلم يقدم مال البحرين حتى مات النبي -صلى الله عليه وسلم-».. الحديث، فهو صحيح، كما سيأتي عند المصنف، وليس معارضًا لما تقدم، بل المراد: أنه لم يقدم في السنة التي مات فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان مال خراج أو جزية، فكان يقدم من سنة إلى سنة. فتح الباري (1/517).
قوله: «فسمعتْ الأنصارُ بقدوم أبي عُبيدة، فوافت صلاة الصبح مع النبي -صلى الله عليه وسلم-»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه؛ ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنَّهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها، لا الحرص على الدنيا، ولا الرغبة فيها؛ ولذلك قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أبشروا وأملوا ما يسركم» وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم. المفهم (7/ 112).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فوافت» من الموافاة، ولأبي ذر عن الكشميهني: «فوافقت» بالقاف بعد الفاء من الموافقة. إرشاد الساري (5/ 230).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يؤخذ منه: أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات في التجميع إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في مساجدهم؛ إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه؛ فلأجل ذلك عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر، وهو احتياجهم إلى المال للتوسعة عليهم، فأبوا إلا أن يكون للمهاجرين مثل ذلك، وقد تقدم هناك من حديث أنس: «فلما قدم المال رأوا أن لهم فيه حقًا».
ويحتمل: أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضر، وقد وعد جابرًا بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين، فوفَّى له أبو بكر. فتح الباري (6/ 262-263).
قوله: «فلمَّا صلَّى بهم الفجر انصرف، فتعرَّضوا له»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«فتعرَّضوا له» أي: سألوه بالإشارة. فتح الباري (6/ 263).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انصرف»، أي: ذاهبًا إلى مقصده «فتعرَّضوا له» أي: قصدوا له، قال في الصحاح: تعرَّضتُ أسأَلُهم. ا. هـ. دليل الفالحين (4/ 380).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح» أي: فرغ منها «انصرف» أي: قام وذهب من مصلاه «فتعرَّضوا له» أي: استقبلوه في عرضه، وقاموا قدَّامه. الكوكب الوهاج (26/ 337).
قوله: «فتبسَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رآهم»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
التَّبسم: هو ظهور الأسنان عند التعجب بلا صوت، وإن كان مع الصوت فهو إمّا بحيث يسمع جيرانه أم لا، فإن كان فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك. فتح القريب المجيب (12/ 720).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقال أصحابنا -أي: الأحناف-: الضحك أن يسمع هو نفسه فقط، والقهقهة: أن يسمع غيره، والتبسم: لا يسمع هو ولا غيره. عمدة القاري (32/ 277).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون تبسمه لما ظهر من مقتضى الطبع من طلب الدنيا، مع أن قضية حالهم وشرفهم، وكون المصطفى بين أظهرهم مع كمال إعراضه عنها، ترك ذلك. دليل الفالحين (4/380).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يعني: ضحك، لكن بدون صوت، تبسم؛ لأنهم جاؤوا مُتَشَوِّفين للمال. شرح رياض الصالحين (3/360).
قوله: «وقال: أظنكم قد سمعتم أنَّ أبا عبيدة قد جاء بشيءٍ؟»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
قوله «بشيءٍ» يحتمل: أن يكون تنوينه للتعظيم، باعتبار كثرة كميته. ويحتمل: أن يكون للتحقير؛ لحقارة الدُّنيا في جانب ما أعد الله للمؤمنين في الدار الآخرة. دليل الفالحين (4/ 380-381).
قوله: «قالوا: أجل يا رسول الله»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الأخفش: (أجل) في المعنى مثل (نعم)، لكن (نعم) يحسن أن تُقال جواب الاستفهام، و(أجل) أحسن من (نعم) في التصديق.
وفي هذا الحديث: أنَّ طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه (أي: لا نقص وكراهة وإنكار). فتح الباري (6/ 263).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أجل يا رسول الله» وأتوا به تلذُّذًا بالخطاب، وإلا فقد حصل بقولهم: «أجل» الجواب. دليل الفالحين (4/ 381).
قال: «فأبشروا وأملوا ما يَسُرُّكُم»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
ومعنى ذلك: أي: أَمِّلوا أكثر ما تطلبون من العطاء؛ لأنهم لم يعرفوا مقدار ما قَدِمَ به أبو عبيدة، فسرهم بأكثر مما يظنون. شرح صحيح البخاري (5/ 333).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«فأبشروا» أمر معناه: الإخبار بحصول المقصود.
وفيه: البشرى من الإمام لأتباعه، وتوسيع أملهم منه. فتح الباري (6/ 263).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «فأبشروا» بزيادة الفاء، ولكن إسقاطها أولى؛ لأنه لا معنى لها هنا؛ أي: أبشروا بنيل مرادكم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 107).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وإشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم. فتح القريب المجيب (12/ 720).
قوله: «فو الله لا الفقرَ أخشى عليكم»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الفقر منصوب على أنه مفعول مقدم، بـ«أخشى» ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وهو أن يحذف ضمير المفعول، ونعامله معاملة الملفوظ، كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . . . . *** فثوبًا نسيت وثوبًا أجر.
فكأنه قال: فثوب نسيته، وثوب أجره، وهي قليلة بعيدة.
وفيه: ما يدلّ على أن الفقر أقرب للسلامة، والاتساع في الدنيا أقرب للفتنة -فنسأل الله الكفاف والعفاف-. المفهم (7/112-113).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
بنصب الفقر، أي: ما أخشى عليكم الفقر، ويجوز الرفع بتقدير ضمير، أي: ما الفقر أخشاه عليكم، والأول هو الراجح، وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر.
وهذه الخشية يحتمل أن يكون سببها: علمه أن الدنيا ستفتح عليهم، ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد ذكر ذلك في أعلام النبوة مما أخبر -صلى الله عليه وسلم- بوقوعه قبل أن يقع فوقع.
وقال الطيبي: فائدة تقديم المفعول هنا: الاهتمام بشأن الفقر؛ فإن الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال، فأعلم -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب، لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده.
والمراد بالفقر العهدي، وهو ما كان عليه الصحابة من قلة الشيء، ويحتمل الجنس، والأول أولى، ويحتمل: أن يكون أشار بذلك إلى أن مضرَّة الفقر دون مضرة الغنى؛ لأن مضرة الفقر دنيوية غالبًا، ومضرة الغنى دينية غالبًا. فتح الباري (11/ 245).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والظاهر: أن المراد بالفقر: ما لم يكن عنده جميع ما يحتاج إليه من ضروريات الدين والبدن، وبالغنى: الزيادة على مقدار الكفاية الموجبة للطغيان، وشغل الإنسان عن عبادة الرحمن. مرقاة المفاتيح (8/ 3233).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الفقر قد يكون خيرًا للإنسان، كما جاء في الحديث القدسي الذي يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله قال: «إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى» يعني: أطغاه وأضله وصده عن الآخرة -والعياذ بالله- ففسد، «وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر» (ضعفه الشيخ الألباني -رحمه الله- في ضعيف الجامع برقم: (75))
فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «ما الفقر أخشى عليكم» يعني: لا أخشى عليكم من الفقر؛ لأن الفقير في الغالب أقرب إلى الحق من الغني.
وانظروا إلى الرُّسل -عليهم الصلاة والسلام-؛ من الذي يكذبهم؟ يكذبهم الملأ الأشرار الأغنياء، وأكثر من يتبعهم الفقراء، حتى النبي -عليه الصلاة والسلام- أكثر من يتبعه الفقراء. شرح رياض الصالحين (3/360).
قوله: «ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها»:
قال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «ولكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُم» «ولكن» ها هنا لإِفادة قصر القلب(قصر القلب: أحد أساليب البلاغة ومعناه: أن يخاطب الشخص غيره بعكس ما يعتقده أو يتصوره). فيض الباري (7/ 220).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولكن أخشى عليكم أن تُبسط» أي: توسَّع «عليكم الدنيا» أي: فتعملوا معاملة الأغنياء الأغبياء، فتهلكوا بأنواع البلاء «كما بُسِطَت على من كان قبلكم» أي: فهلكوا بسبب عدم ترحمهم على الفقراء؛ لأجل كمال الميل إلى المال. مرقاة المفاتيح (8/ 3233).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولكن أخشى أن تُبسط» أي: توسع «الدُّنيا عليكم» وما فتحه الله عليهم من الدنيا بعده حتى إن أحدهم لا يجد للمال موضعًا يحطه فيه.
«كما بسطت» (ما) موصول اسمي، أو نكرة موصوفة، أي: الدُّنيا، يعود الضمير النائب عن الفعل المستتر في بسطت عليه «على من كان قبلكم» أي: من الأمم. دليل الفالحين (4/ 381).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«فتنافسوها كما تنافسوها» أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون وتتقاتلون، فيهلك بعضكم بعضًا، كما قد ظهر ووجد، وقد سمى في هذا الحديث التحاسد تنافسًا توسعًا؛ لقرب ما بينهما. المفهم (7/ 113).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فتنافسوها» بفتح المثناة فيها، والأصل: فتتنافسوا، فحذفت إحدى التاءين، والتنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء، ومحبة الانفراد به، والمغالبة عليه، وأصلها: من الشيء النفيس في نوعه، يقال: نافست في الشيء منافسة ونفاسة ونفاسًا، ونفُس الشيء -بالضم- نفاسة: صار مرغوبًا فيه، ونفِست به -بالكسر-: بخلت، ونفست عليه لم أره أهلًا لذلك. فتح الباري (11/ 245).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فتنافسوها» أي: فتختاروها، وترغبوا فيها، ويَكثر اشتغالكم في جمعها، وتقل طاعتكم، ويحصل بينكم العداوة بسبب المال، فيقتل بعضكم بعضًا، وتقعوا في المعاصي. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 278).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
«فتنافسوها» أي: تتنافسوا في الدنيا، وهو أن يحاول كل أحد أن يتقدَّم على الآخرين ويفوقهم فيها. منة المنعم (4/ 391)
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الضمير في «تنافسوها» منصوب بنزع الخافض، وأصله: تنافسوا فيها، ومعناه: ترغبون فيها فتشتغلون بجمعها، أو تحرصون على إمساكها، فتطغون فيها، فتهلكون؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} العلق: 6، 7.
ويحتمل: أن يكون هلاكهم من أجل أن المال مرغوب فيه، فيطمع الناس فيه...، فتقع العداوة بينهم، ويفضي ذلك إلى المقاتلة. شرح المشكاة (10/ 3279).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
قوله: «فتنافسوها كما تنافسوها» التنافس أول درجات الحسد. تطريز رياض الصالحين (ص: 312).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا، وتقدم في معنى ذلك حديث عمرو بن عوف مرفوعًا: «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم» وحديث أبي سعيد في معناه (أي: « إنَّ أكثر ما أَخاف عليكم ما يخرج الله لكُم من بركات الأرض، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: زَهرة الدُّنيا» الحديث)، فوقع كما أَخبر، وفُتِحَتْ عليهم الفتوح الكثيرة، وصُبَّتْ عليهم الدنيا صَبًّا. فتح الباري (6/ 614).
قوله: «وتهلككم كما أهلكتهم»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
أي: لأن المال مرغوب فيه، فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك.
قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها، وشر فتنتها، فلا يطمئن إلى زخرفها، ولا ينافس غيره فيها، ويستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى؛ لأن فتنة الدنيا مقرونة بالغنى، والغنى مظنة الوقوع في الفتنة التي قد تجر إلى هلاك النفس غالبًا، والفقير آمن من ذلك. فتح الباري (11/ 245).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وتهلككم كما أهلكتهم» فيه: أنَّ المنافسة في الدنيا قد تجرُّ إلى الهلاك في الدين. إرشاد الساري (5/ 231).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
ومعناه: تشغلكم عن أمور دينكم، وعن الاستعداد لآخرتكم. فتح القريب المجيب (12/ 722).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وتهلككم» بالنصب معطوف على تنافسوا الأول، أي: وتحجزكم عن التزود بالآخرة «كما أهلكتهم» أي: كما أهلكت الأمم السابقة، وحجزتهم عن الآخرة.
والتنافس والمنافسة معناهما واحد، وهو الرغبة في الشيء النفيس، وحب الانفراد به، والشيء النفيس هو الجيد في نوعه. الكوكب الوهاج (26/ 339).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فتهلككم» فالناس إذا تنافسوا على الدنيا أهلكتهم هلاكًا دينيًا، وهلاكًا بدنيًا، فهم إذا تنافسوها تقاتلوا عليها، فأهلك بعضهم بعضًا. شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري (ص: 20).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فالفقر لا يخشى منه، بل الذي يخشى منه أن تبسط الدنيا عليهم، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أخشى أن تبسط عليكم» يعني: كما بسطت على من كانوا قبلنا، «فتهلككم كما أهلكتهم».
وهذا هو الواقع، وانظر إلى حالنا نحن هنا -يعني: في المملكة- لما كان الناس إلى الفقر أقرب، كانوا لله أتقى وأخشع وأخشى؛ ولما كَثُر المال؛ كثُر الإعراض عن سبيل الله، وحصل الطغيان، وصار الإنسان الآن يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها...، سيارة، بيت، فرش، لباس، يباهي الناس بهذا كله، ويعرض عما ينفعه في الآخرة.
وصارت الجرائد والصحف وما أشبهها لا تتكلم إلا بالرفاهية، وما يتعلق بالدنيا، وأعرضوا عن الآخرة، وفسد الناس إلا من شاء الله.
فالحاصل: أن الدنيا إذا فُتِحَتْ -نسأل الله أن يقينا وإياكم شرها- تجلب شرًّا، وتطغي الإنسان. شرح رياض الصالحين (3/ 361).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفي الحديث من أعلام النبوة: إخباره -صلى الله عليه وسلم- بما يفتح عليهم، وفيه: أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين. عمدة القاري (15/ 81).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وفيه -أي: هذا الحديث- أيضًا: جواز الحلف بدون استحلاف، يؤخذ من قوله: «فو الله ما الفقر أخشى عليكم». شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري (ص: 20).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه حُجة لمن فضل الفقر على الغنى، قالوا: قال ذلك لأصحابه، وهم آية الشاكرين، فما بالك بغيرهم من المساكين! فيض القدير (5/ 415).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث: حُسن خلق الرسول -عليه الصلاة والسلام-، حينما تبسَّم عندما رآهم، وقد جاؤوا يتشوقون إلى المال، وهذا لا شك أنه من أحسن الأخلاق، فبعض الناس إذا رأى أحدًا يتشوق لطلب شيء تجده يشمئز، ويعبس وجهه، أما هو -عليه الصلاة والسلام- فجعل يتبسم. شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري (ص: 19).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
وفي هذا: حُسن خلقه -صلى الله عليه وسلم- حيث تبسم لصنيعهم، وكان السبب في ذلك حاجتهم -رضي الله عنهم- بسبب الحروب. الحلل الإبريزية (3/ 23).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وفيه -أي: هذا الحديث- أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يُلقي البشرى للناس؛ لما في ذلك من إدخال السرور عليهم، وكل شيء تُدخل به السرور على أخيك، فإنك تحتسبه عند الله، ولك فيه أجر؛ لقوله: «أبشروا، وأمِّلوا ما يسركم»...
وفيه -أي: هذا الحديث-: التحذير من الدنيا؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا...». شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري (ص:18-20).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
أيُّهما أخطر: الفقر أم إغراق الدنيا؟