الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«كنَّا خلفَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في صلاةِ الفجرِ، فَقَرَأَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فَثَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلمَّا فَرَغَ قال: «لعلَّكُمْ تَقْرَؤونَ خلفَ إمامِكُم؟» قلنا: نعمْ هَذًّا يا رسولَ اللَّهِ، قال: «لا تَفْعَلُوا إلَّا بفاتحةِ الكتابِ؛ فإنَّه لا صلاةَ لمنْ لم يَقْرَأْ بها».


رواه أحمد برقم: (22694) وأبو داود برقم: (823) والترمذي برقم: (311)، من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (756)، ومسلم: برقم (394) بلفظ: «‌لا ‌صلاة ‌لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌فَثَقُلَتْ»:
الثِقّلَ: ضد الخِفة وقد ثَقُلَ الشيء بالضم فهو ثَقِيلٌ. مختار الصحاح (ص: 90).

«هَذًّا»:
الهَذُّ: سرعة القطع، وسرعة القراءة. العين، للفراهيدي (3/ 349).


شرح الحديث


قوله: «كنَّا خلفَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في صلاةِ الفجرِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كُنَّا خَلف النبي -صلى الله عليه وسلَّم- في صلاة الفجر» رواية ابن حبان: «صلَّى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح». شرح سنن أبي داود (4/ 559).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كنَّا خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: مقتدين به. بذل المجهود (4/ 226).

قوله: «فَقَرَأَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فَثَقُلَتْ عليه القراءةُ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فثَقُلَت عليه القراءة» يعني: تعسَّرت القراءةُ على النبيِّ -عليه السلام-؛ لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة. المفاتيح (2/ 138).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فثقُلَت عليه القراءة» أي: شَقَّ عليه التلفظ والجهر بالقراءة، ويحتمل أن يراد به أنها الْتبسَتْ عليه القراءة. شرح سنن أبي داود (4/ 559).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فثقُلَت عليه» أي: عَسُرَت، وسبب الثقل في الظاهر: سماعه أصوات القارئين خلفه، حتى شوشت عليه، ولا يلائمه قوله: «لعلكم»؛ لأنَّ ذلك عند الجهر، وهو متيقَّن، وقيل: يحتمل أنْ يكون تأثره -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن النَّقص الناشئ لهم بترك إصغائهم لقراءته، كما اختلطت قراءته -صلى اللَّه عليه وسلم- بتأثرهِ عن ترك البعض إحسان الطهور.. («أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى صلاة الصُّبح فقرأَ الرُّومَ فالتبَسَ عليه، فلمَّا صلَّى قال: ما بالُ أقوامٍ يُصلُّونَ معنا لا يُحْسِنُونَ الطَّهورَ؟ وإنَّما يُلَبِّسُ علينا القرآنَ أُولئك»)، والكامل قد يتأثر عن نقص مَنْ وراءه، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (2/ 615).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فثقلت عليه القراءة» أي: شَقَّ عليه التلفظ والجهر بالقراءة، ويحتمل أن يراد به أنها الْتَبَسَتْ عليه القراءة، بدليل ما عند أبي داود من حديث عُبادة، في رواية له بلفظ: «فالْتَبَسَتْ عليه القراءة». نيل الأوطار (2/ 252، 253).

قوله: «فلمَّا فَرَغَ قال: «لعلَّكُمْ تَقْرَؤونَ خلفَ إمامِكُم؟»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«لعلكم» سؤال فيه معنى الاستفهام، يقرِّر فعلهم؛ ولذلك أجابوا بنعم، كأنه -صلى الله عليه وسلم- عَسُرَت عليه القراءة، ولم يدرِ السبب، فسأل منهم، يَدُلُّ عليه قول: «وأنا أقول: ما لي أُنازَع القرآن؟». الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1008).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لعلكم تقرؤون» سؤال في معنى الاستفهام تقريرًا لفعلهم، وفيه تشديد وتوبيخ، وقوله: «خَلْف إمامكم» من إقامة المُظْهَر موضع المُضْمر؛ للتنبيه على الوصف المقتضي لترك القراءة، وللإشارة إلى تعميم الحكم. لمعات التنقيح (2/ 615).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟» وهذا يدل على أن الصحابة -رضي الله عنهم- (كانوا) يقرؤون خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برأيهم بغير إذنه -عليه السلام-. بذل المجهود (4/ 226).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» يعني نفسه -صلى الله عليه وآله وسلم- وقال: «خَلف إمامكم» ولم يقل: خلفي، مع أنه الظاهر؛ ليُؤْذِنَ بأن تلك الفعلة غير مناسبة لمن يقتدي بالإمام، وأتى بــ«لعل» لعدم تحققه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قراءتهم، وفي روايةٍ للدارقطني: «إني لأراكم تقرؤون وراء إمامكم» وفي رواية له: «كأنكم تقرؤون خلفي». المنهل العذب المورود (5/ 252).

قوله: «قلنا: نعمْ، هَذًّا يا رسولَ اللهِ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
الْهَذُّ: سرد القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال، وقيل: أراد بــ(الْهَذِّ) الجهر بالقراءة، وكانوا يُلْبِسُون عليه قراءته بالجهر. معالم السنن (1/ 205).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قلنا: نعم هَذًّا» بفتح الهاء والذال المعجمة المشددة، منصوبٌ على المصدر، أي: نهذُّه هَذًّا، أي: نُسرع في قراءتها ونستعجل، والهذُّ: سرعة القطع، «يا رسول الله» فيه: الأدب في مخاطبة الكبير، ألَّا يُسمِّيه باسمه، بل يقول: في جوابه: نعم يا سيدي، أو: يا أستاذي، ونحوه. شرح سنن أبي داود (4/ 560).

قوله: «لا تفعلوا إلَّا بفاتحةِ الكتابِ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «لا تفعلوا» يُحتمل أنْ يكون المراد به (الْهَذُّ) من القراءة، وهو: الجهر بها، ويُحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد من القراءة على فاتحة الكتاب. معالم السنن (1/ 205).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» هذا مخصوص بالصلاة التي يَجهر فيها الإمام؛ لِمَا روى الإمام مالك في الموطأ، والترمذي وحسنه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انصرف من صلاته فقال: «هل قرأ معي أحد منكم؟» فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: «ما لي أُنازَع القرآن؟» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما جهر فيه، حين سمعوا ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورواه الدارقطني بلفظ آخر، قال: صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاةً، فلما قضاها قال: «هل قرأ أحد منكم معي شيئًا من القرآن؟» فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «إني أقول: ما لي أُنازَع القرآن؟ إذا أسررتُ بقراءتي فاقرؤوا، وإذا جهرتُ بقراءتي فلا يَقرأ معي أحد»، ففي هذين الحديثين دليل على أن حديث هذا الباب (حديث عبادة بن الصامت) بالصلاة الجهرية أن المأموم لا يقرأ السورة، بل يستمع؛ فإن الاستماع مستحبٌ. شرح سنن أبي داود (4/ 560، 561).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» النهي للكراهة؛ فيكره القراءة وقت قراءة الإمام؛ للوسوسة. مرقاة المفاتيح (2/ 700).
وقال العيني -رحمه الله-:
«بفاتحة الكتاب» ومن أسمائها: السَّبْع المثاني والوافية والكافية والأساس والشافية والكنز والصلاة، وسورة تعليم المسألة، وسورة الواقية، وسورة الحمد، والشكر، والدعاء، والفاتحة، وأول القرآن.
وهي مكيّة، وقيل: مدنية ومكية؛ لأنها نزلت بمكة مرة، وبالمدينة أخرى، وهي سبع آيات بالاتفاق، إلا أن منهم مَن عَدَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} الفاتحة: 7 دون التسمية (أي: البسملة)، ومنهم مَن مذهبه على العكس...، وسبع وعشرون كلمة، ومائة واثنان وأربعون حرفًا. نخب الأفكار (4/ 83، 84).

قوله: «فإنَّه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها»:
قال المازري -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلَّم-: «لاَ صلاة» اخْتَلَف أهل الأصول في مثل هذا اللفظ إذا وقع في الشرع، على ماذا يحمل؟
فقال بعضهم: يُلحق بالمجملات؛ لأن نصه يقتضي نفي الذات، ومعلوم ثبوتها حسًّا، فقد صار المراد مجهولًا، وهذا الذي قالوه خطأ؛ لأن المعلوم من عادة العرب أنها لا تضع هذا لنفي الذات، وإنما تورده مبالغة، فتذكر الذات ليحصل لها ما أرادت من المبالغة، وقال آخر: بل يُحمل على نفي الذات وسائر أحكامها، وتخص الذات بالدليل على أن الرسول لا يكذب، وقال آخرون: لم تقصد العرب قط إلى نفي الذات، ولكن لنفي أحكامها، ومن أحكامها الكمال والإِجزاء في هذا الحديث، فيُحمل اللفظ على العموم فيهما، وأنكر هذا بعض المحققين؛ لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى، ولا شك أن نفي الكمال يُشعر بحصول الإِجزاء، فإذا قدَّروا الإِجزاء منتفيًا بحق (أي: لأجل) العموم قُدِّر ثابتًا بحق (أي: لأجل) إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا يتناقض، وما يتناقض لا يُحمل الكلام عليه، وصار المحققون إلى التوقف بين نفي الإِجزاء ونفي الكمال، وادَّعوا الاحتمال من هذه الجهة لا مما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يُخرَّج قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة...» الحديث. المعلم (1/ 393، 394).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
بعضُ علماء الأصول اعتَقَدَ في مثل هذا اللفظ (لا صلاة...) الإجمال؛ من حيث إنه يدل على نفي الحقيقة، وهي غير منتفية، فيحتاج إلى إضمار، ولا سبيل إلى إضمار كلٍّ منهما؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ الإضمار إنَّما احتيج إليه للضرورة، والضرورة تندفع بإضمار فرد، ولا حاجة لإضمار أكثر منه.
وثانيهما: أنَّ إضمار الكل قد يتناقض، فإنَّ إضمار الكمال يقتضي إثبات أصل الصحة، ونفي الصحة يعارضه، وإذا تعيَّن إضمار فرد فليس البعض أولى من البعض فتعيَّن الإجمال.
وجواب هذا: أنَّا لا نسلِّم أنَّ الحقيقة غير منتفية، وإنَّما تكون غير منتفية لو حُمل لفظ الصلاة على غير عُرْف الشرع، وكذلك لفظ الصيام وغيره، أما إذا حُمِلَ على عُرْف الشرع، فيكون منتفيًا حقيقةً، ولا يحتاج إلى الإضمار المؤدي إلى الإجمال، ولكن ألفاظ الشارع محمولة على عُرْفه؛ لأنه الغالب؛ ولأنه المحتاج إليه فيه، فإنه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة. إحكام الأحكام (ص: 171).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
وفي هذا الأخير نَظَر؛ لأنَّا إن سلمنا تعذُّر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم؛ ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس؛ فيكون أولى، ويؤيده رواية الإسماعيلي... بلفظ: «لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب». فتح الباري (2/ 241).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» زاد الحميدي: «فيها»...، وهذا يُعيِّن أن المراد: القراءة في نفس الصلاة. فتح الباري (2/ 241).
وقال السندي -رحمه الله-:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ليس معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في عمره قط، أو لمن لم يقرأ في شيء من الصلوات قط، حتى لا يقال: لازِمُ الأول افتراض الفاتحة في عمره مرة، ولو خارج الصلاة، ولازِمُ الثاني: افتراضها مرة في صلاة من الصلوات، فلا يلزم منه الافتراض لكل صلاة، وكذا ليس معناه: لا صلاة لمن ترك الفاتحة ولو في بعض الصلوات؛ إذ لازمه أنه بترك الفاتحة في بعض الصلوات تفسد الصلوات كلها ما ترك فيها وما لم يترك فيها؛ إذ كلمة "لا" لنفي الجنس، ولا قائل به، بل معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة من الصلوات التي لم يقرأ فيها، فهذا عمومٌ محمول على الخصوص بشهادة العقل، وهذا الخصوص هو الظاهر المتبادَر إلى الإفهام من مثل هذا العموم، وهذا الخصوص لا يضر بعموم النفي للجنس؛ لشمول النفي بعد لكل صلاة ترك فيها الفاتحة، وهذا يكفي في عموم النفي، ثم قد قرروا أن النفي لا يعقل إلا مع نسبة بين أمرين، فيقتضي نفي الجنس أمرًا مستندًا إلى الجنس؛ ليتعقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر مذكورًا في الكلام فذاك، وإلا يقدر من الأمور العامة، كالكون والوجود، أما الكمال فقد حقق المحقِّق الكمال ضعفه؛ لأنه مخالف للقاعدة، لا يصار إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي دون الحسي، فمفاد الحديث: نفي الوجود الشرعي للصلاة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وهو عين نفي الصحة. حاشية السندي على سنن النسائي (2/ 137-138).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا الحديث نص بأنَّ قراءة فاتحة الكتاب واجبة على مَن صلَّى خلف الإمام، سواء جَهَر الإمام بالقراءة أو خَافَتَ بها، وإسناده جيد لا طعن فيه. معالم السنن (1/ 205).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قلتُ: الأمر كما قال الخطابي، لا شك في أنَّ هذا الحديث نصٌّ صريحٌ في أنَّ قراءة فاتحة الكتاب واجبة على مَن خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية، وهو القول الراجح المنصور عندي. تحفة الأحوذي (2/ 193).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
أما حديث عُبادة فقد بيَّن الأمر، وأخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه أمر المأمومين بالقراءة خلفه بفاتحة الكتاب... (وذكر بعض الآثار المعارضة لذلك وقال): فقد بيَّنا بما ذكرنا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلاف ما روى عُبادة، فلما اختلفت هذه الآثار المروية في ذلك، الْتَمَسْنَا حُكمه من طريق النظر، فرأيناهم جميعًا لا يختلفون في الرجل يأتي الإمام وهو راكع أنَّه يكبِّر ويركع معه، ويعتدُّ تلك الركعة، وإنْ لم يقرأ فيها شيئًا، فلما أجزأه ذلك في حال خوفه فَوْت الركعة، احتمل أنْ يكون إنَّما أجزأه ذلك لمكان الضرورة، واحتمل أنْ يكون إنما أجزأه ذلك لأن القراءة خلف الإمام ليست عليه فرضًا، فاعتبرنا ذلك، فرأيناهم لا يختلفون أنَّ مَن جاء إلى الإمام وهو راكع فركع قبل أنْ يدخل في الصلاة بتكبير كان منه أنَّ ذلك لا يجزئه، وإنْ كان إنما تركه لحال الضرورة وخوف فَوَات الركعة، فكان لا بد له من قومة في حال الضرورة وخوف فوات الركعة،...وغير حال الضرورة، فهذه صفات الفرائض التي لا بد منها في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة إلا بإصابتها، فلما كانت القراءة مخالفة لذلك، وساقطة في حال الضرورة، كانت عن غير جنس ذلك، فكانت في النظر أنها ساقطة في غير حالة الضرورة، فهذا هو النظر في هذا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-. شرح معاني الآثار (1/ 216-218).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قد أجاب الحنفية عن حديث عبادة هذا بوجوه كلها مخدوشة مردودة، ذكر هذه الوجوه الشيخ اللكنوي في "إمام الكلام" وحاشيته "غيث الغمام" مع بيان ما فيها من الخدشات. مرعاة المفاتيح (3/ 163).
وقال المظهري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الأئمة اختلفوا في قراءة الفاتحة خلفَ الإمام، فأصحُّ قولي الشافعي: أنه يقرأها في السرية والجهرية، ومذهبُ مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي: أنه يقرأها في السرية دون الجهرية؛ لأن استماعه في الجهرية قراءة الإمام يكفيه، ومذهبُ أبي حنيفة: لا يقرأها؛ لا في السرية، ولا في الجهرية. المفاتيح في (2/ 138).
وقال القدوري الحنفي -رحمه الله-:
الواجب في القراءة: قال أبو حنيفة: الواجب من القراءة ما يتناوله الاسم، وقال الشافعي: الواجب فاتحة الكتاب، لنا: قوله تعالى: {فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} المزمل: 20، وهذا غاية ما يقال في إسقاط التعيين. التجريد (1/ 485).
وقال ابن عبد البر المالكي -رحمه الله-:
اختلف العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين (في حكم القراءة مع الإمام) على ثلاثة أقوال:
أحدها: يقرأ معه فيما أَسَرَّ فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر.
والثاني: لا يقرأ معه لا فيما أسر، ولا فيما جهر.
والثالث: يقرأ معه بأم القرآن خاصة فيما جهر، وبأم القرآن وسورة فيما أسر.
فأما القول الأول: فقال مالك: الأَمر عندنا: أنْ يقرأ الرجل مع الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة، ويترك القراءة معه فيما يجهر فيه بالقراءة، وهو قول سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب، وقتادة، وبه قال عبد الله بن المبارك، وأحمد وإسحاق وداود والطبري، إلا أن أحمد بن حنبل قال: إنْ سَمِعَ في صلاة الجهر لم يقرأ، وإن لم يسمع قرأ. الاستذكار (1/ 464).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
حديث هذا الباب مقيد بالصلاة الجهرية أنَّ المأموم لا يقرأ السورة، بل يستمع؛ فإنَّ الاستماع مستحبٌ.
وفي "فوائد المهذب" للفارقي شيخ ابن أبي عصرون وتلميذ الشيخ أبي إسحاق: الجزم بوجوب الاستماع، وهو مقتضى الحديث.
وفي "التتمة" وجهٌ أنَّ قراءة السورة مستحبة، وهذا في الجهرية، وأما السرية فوجهان لأصحابنا (الشافعية):
أحدهما: لا يقرأ غير الفاتحة، وإذا قلنا بهذا الوجه لا يقرأ غير الفاتحة فالقياس أنه يشتغل بالذكر، ولا يسكت؛ لأنَّ السكوت في الصلاة منهي عنه، وهذا الوجه هو مقتضى إطلاق الحديث.
والثاني -وهو الأصح-: أنَّه يقرأ السورة لانتفاء المعنى الموجب للسكوت والإنصاف. شرح سنن أبي داود (4/ 560-561).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أما القراءة خلف الإمام: فالناس فيها طرفان ووسط، منهم مَن يَكره القراءة خلف الإمام حتى يبلغ بها بعضهم إلى التحريم، سواء في ذلك صلاة السر والجهر، وهذا هو الغالب على أهل الكوفة، ومَن اتبعهم كأصحاب أبي حنيفة، ومنهم مَن يؤكد القراءة خلف الإمام حتى يوجِب قراءة الفاتحة وإنْ سمع الإمام يقرأ، وهذا هو الجديد من قولَي الشافعي، وقول طائفة معه، ومنهم مَن يأمر بالقراءة في صلاة السر وفي حال سكتات الإمام في صلاته الجهرية، وللبعيد الذي لا يسمع الإمام، وأما للقريب الذي يسمع قراءة الإمام، فيأمرونه بالإنصات لقراءة إمامه؛ إقامة للاستماع مقام التلاوة، وهذا قول الجمهور، كمالك وأحمد وغيرهم من فقهاء الأمصار، وفقهاء الآثار، وعليه يدل عمل أكثر الصحابة، وتتفق عليه أكثر الأحاديث، وهذا الاختلاف شبيه باختلافهم في صلاة المأموم هل هي مبنية على صلاة الإمام أم كل واحد منهما يصلي لنفسه كما تقدم التنبيه عليه، فأصل أبي حنيفة أنها داخلة فيها، ومبنية عليها مطلقًا، حتى إنه يوجب الإعادة على المأموم حيث وجبت الإعادة على الإمام، وأصل الشافعي أنَّ كل رجل يصلي لنفسه لا يقوم مقامه، لا في فرض ولا سنة؛ ولهذا أُمر المأموم بالتسميع، وأوجب عليه القراءة، ولم يبطل صلاته بنقص صلاة الإمام إلا في مواضع مستثناة، كتحمل الإمام عن المأموم سجود السهو، وتحمل القراءة إذا كان المأموم مسبوقًا، وإبطال صلاة القارئ خلف الأمي، ونحو ذلك، وأما مالك وأحمد فإنها عندهما مبنية عليها من وجه دون وجه، كما ذكرنا من الاستماع للقراءة في حال الجهر، والمشاركة في حال المخافتة، ولا يقول المأموم عندهما: سمع الله لمن حمده، بل يحمد جوابًا لتسميع الإمام، كما دلت عليه النصوص الصحيحة، وهي مبنية عليها فيما يُعذران فيه دون ما لا يُعذران، كما تقدم في الإمامة. القواعد النوارنية(ص: 85-86).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله-:
ففيه (الحديث): وجوب قراءة الفاتحة، وأنها متعينة لا يجزئ غيرها، إلا لعاجز عنها، وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمَن بعدهم، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- وطائفة قليلة: لا تجب الفاتحة، بل الواجب آية من القرآن؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اقرأ ما تيسر»، ودليل الجمهور قوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن» فإن قالوا: المراد لا صلاة كاملة، قلنا: هذا خلاف ظاهر اللفظ، ومما يؤيده حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»...، وأما حديث «اقرأ ما تيسر» فمحمول على الفاتحة؛ فإنها متيسرة، أو على ما زاد على الفاتحة بعدها، أو على مَن عجز عن الفاتحة. المنهاج شرح صحيح مسلم (4/ 102، 103).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن يقرأ بها، إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه. عمدة الفقه (ص: 24، 25).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
قراءة أم القرآن: فرض في كل ركعة من كل صلاة، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء. المحلى بالآثار (2/ 265).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث استَدَل به مَن قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، وهو الحق، وقد تقدم بيان ذلك، وظاهر الحديث الإذن بقراءة الفاتحة جهرًا؛ لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه، ولكن أخرج ابن حبان من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أتقرؤون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟ فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه». نيل الأوطار (2/ 253).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وهذا يَعُمُّ الإمام والمأموم والمنفرد جميعًا، وقال بعض أهل العلم: إنَّ المأموم ليس عليه فرض، بل هو تابع لإمامه، والصواب: أنه يعمه، وأنه يلزمه القراءة إلا إذا فاتته القراءة، بأن جاء والإمام راكع، سقطت عنه، أو سها عنها، أو اجتهد فرأى أنها لا تجب عليه، أو قال بِقول مَن قال: لا تجب عليه، إن كان له عذر، سقطت عنه وإلا فالواجب أنه يقرأ الفاتحة ولو في الجهرية، يقرؤها ثم ينصت لعموم الحديث؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ولم يقل: إلا المأموم مستثنى، وفي اللفظ الآخر قال -عليه الصلاة والسلام-: «لعلكم تقرؤون خلف إمامِكم؟» قلنا: نعم، قال «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» وهذا صريح في وجوبها على المأموم. الإفهام (ص: 218).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«تقرؤون خلف إمامكم» فيه: أنَّ السُّنة للمأمومين أن يقفوا خلف الإمام صفًّا؛ فإن وقفوا قدامه لم يصح عند الشافعي وأحمد، وقال إسحاق ومالك: يصح؛ لأن ذلك لا يمنع الاقتداء به؛ فأشبه مَن خلفه. شرح سنن أبي داود (4/ 559).

وللمزيد من الفائدة ينظر حديث: «مَن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاج ...».


إبلاغ عن خطأ