الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447 | 2026-06-09

A a

«كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا إذا أخذنا مَضْجَعَنَا أنْ نقولَ: اللهُمَّ ربَّ السَّماواتِ، وربَّ الأرضِ، وربَّ العرشِ العظيمِ، ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوى، ومُنْزِلَ التَّوراةِ والإنجيلِ والفُرْقانِ، أَعُوذُ بكَ مِن شرِّ كلِّ شيءٍ أنتَ آخِذٌ بناصيتِهِ، اللهُمَّ أنتَ الأوَّلُ، فليسَ قبْلَكَ شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ، فليسَ بعْدَكَ شيءٌ، وأنتَ الظَّاهِرُ، فليسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطِنُ، فليسَ دُونَكَ شيءٌ، اقْضِ عنَّا الدَّيْنَ، وأغنِنَا مِن الفقرِ».


رواه مسلم برقم: (2713)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم: «مِن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنتَ آخذٌ بناصيتِهَا».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«مَضْجَعَنَا»:
المَضْجَع: موضع الاضطجاع، والمَضْجَع: المهاد، قال اللّه تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} السجدة: 16. شمس العلوم، للحميري (6/ 3921-3922).

«فَالِقَ»:
الفَلْقُ: شقّ الشيء، وإبانة بعضه عن بعض، يقال: فَلَقْتُهُ فَانْفَلَقَ، قال تعالى: {فالِقُ الْإِصْباحِ} الأنعام: 96، {إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى} الأنعام: 95. المفردات (ص: 645).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اسم فاعل (من فَلَقَ)...، وقال بعض أهل اللغة: الفَلْق: شق الشيء، وقيَّده الراغب: بإبانة بعضه من بعض، ومنه فلق موسى البحر فانفلق، ونقل الفراء: أنَّ فطر وخلق وفلق بمعنى واحد، وقد قيل في قوله تعالى: {فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى} الأنعام: 95: إنَّ المراد به: الشق الذي في الحبة من الحنطة، وفي النواة، وهذا يرُدُّ على تقييد الراغب. فتح الباري (12/ 361).

«النَّوَى»:
جمْع: نواة، وهي عَظْم النخل. المفاتيح، للمظهري (3/ 216).
وقال الثعالبي -رحمه الله-:
الحبة هي كل ما لم يكن لها نواة، مثل: البر والشعير والذرة والحبوب كلها، والنوى هي كل ما يكون له حب، مثل الخوخ والمشمش والتمر، ونحوها. الجواهر الحسان(4/ 172).

«بناصيتِهِ»:
قال الليث: النَّاصية: ‌هي قُصاصُ الشَّعر فِي مقدَّم الرَّأْس، وقال الفرّاء: ناصيتُه مُقدَّمُ رَأسه. تهذيب اللغة، للهروي(12/ 171).
وقال الراغب -رحمه الله-:
النَّاصِيَةُ: قُصاصُ الشَّعر، ونَصَوْتُ فُلانًا وانْتَصَيْتُهُ، ونَاصَيْتُهُ: أخذْتُ بناصِيَتِهِ، وقوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها} هود: 56، أي: متمكِّنٌ منها. المفردات (ص: 810).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا إذا أخذنا مَضْجَعَنَا أنْ نقولَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال أبو هريرة: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا» ومفرشنا «أنْ نقولَ». الكوكب الوهاج (25/ 106-107).

قوله: «اللهُمَّ ربَّ السَّماواتِ، وربَّ الأرضِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم رب السماوات» زيد في بعض روايات مسلم لفظة «السبع»، «ورب الأرض» أي: خالقهما، ومربي أهلهما. مرقاة المفاتيح (4/ 1670).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اللهم ربَّ» منصوب على النداء «السماوات» السبع «ورب الأرض» وهي سبع أيضًا. شرح سنن أبي داود (19/ 260).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اللهم رب السماوات» السبع، ومالكها وخالقها، وهو على حذف حرف النداء، وكذا ما بعده «و» يا «رب الأرض» السبع، ومالكها. الكوكب الوهاج (25/ 105).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وأصل رب: اسم فاعل، من رب الشيء يَرُبُّه: إذا أصلحه، وقام عليه، ثم إنَّه يُقال: على السيد والمالك. المفهم (7/ 42).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «اللهم رب السماوات، ورب الأرض» إشارة إلى أصول الأسباب الكلية لبقاء العالم. لمعات التنقيح (5/ 204-205).

قوله: «وربَّ العرشِ العظيمِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» يا «رب العرش العظيم» وخالقه، وَصَفَه بالعِظَمِ؛ لأنه أعظم المخلوقات. الكوكب الوهاج (25/ 105).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «العَظِيم» بالجر صفة العرش، وهو أبلغ، وبالنصب نعتُ الرب. الفتوحات الربانية (3/ 150).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ففيه من الفقه: أنَّه ذَكَرَ السماوات بلفظ الجمع، وذكر الأرض بلفظ التوحيد، ثم جمع ذلك كله بقوله: «رب العرش العظيم» فإنَّ العرش محيط بالأشياء كلها، فهن في جنبه كحلقة ملقاة في أرض فلاة، فدعا -صلى الله عليه وسلم- بالتفصيل والإجمال. الإفصاح (8/ 68).

قوله: «ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
يا «ربنا» أي: مالكنا «و» يا «رب كل شيء» من المخلوق ومالكه. الكوكب الوهاج (25/ 105).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «ربنا» هو وما بعده بالنصب، كما قبلهما على النداء، أو على الوصف. الفتوحات الربانية (3/ 150).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ورب كل شيء» تعميم بعد تخصيص. مرقاة المفاتيح (4/ 1670).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «ورب كل شيء» وهذا التعميم بعد التخصيص؛ لئلا يتوهم واهم اختصاص الحكم بما خُصص به، وانظر إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} النمل: 91، حيث قال: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} حتى لا يظن ظان أنَّه ليس ربًّا إلا لهذه البلدة. شرح العقيدة الواسطية (2/ 47-48).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «رب كل شيء» تعميم لربوبيته تعالى، أي: من العناصر والمواليد وأفرادها وجزئياتها. لمعات التنقيح (5/ 205).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «ربنا» أي: رب الخلق، وقوله: «رب كل شيء» إجمال، يشمل على الصور والمعاني وسائر الموجودات. الإفصاح (8/ 68).

قوله: «فَالِقَ الحَبِّ والنَّوى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ويا «فالق الحب» أي: شاق الحبة، ومخرج السنبلة منها «و» يا فالق «النوى» ولبِّ التمرة، فيخرج منها نخلة. الكوكب الوهاج (25/ 105).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فالق الحب والنوى» أي: الذي يشق حب الطعام، ونوى الثمر ونحوهما لللإنبات. تحفة الذاكرين (ص: 134).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فالِقُ الحَبِّ والنَّوى» أي: شاق الحبة، فيخرج منها سنبلة، والنواة: فيخرج منها نخلة، ومنه القسم المشهور عن عليٍّ: «والذي فَلَقَ الحبة، وبرأ النَّسَمَة» (النَّفْس والرُّوحُ) أي: شقها. المفهم (7/ 41).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فالق الحب» الفَلْق: بمعنى: الشق «والنوى» جمع النواة، وهي عظم النخل، وفي معناه: عظم غيرها، والتخصص لفضلها، أو لكثرة وجودها في ديار العرب، يعني: يا من شقها؛ فأخرج منهما الزرع والنخيل. مرقاة المفاتيح (4/ 1670).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
و«فالق الحب والنوى» إشارة إلى الأرزاق الجسمانية التي بها بقاؤها، والحب يُستعمل في الطعام، والنوى في التمر ونحوه. لمعات التنقيح (5/ 205).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ثم ذكر مصنوعاته، فقال: «فالق الحب والنوى» فإنَّه إذا نظر ناظر بعين فهمه إلى فلْق الحبة والنواة عن سنبلةٍ ونخلةٍ، رأى كلًّا منهما ينغلق عن كمام (غِلاف الثَّمر والحَبّ قَبْلَ أنْ يَظْهَر) فيها ودائع، من جنس ما أُنشئنا منه، فعلم أنَّ فاعل ذلك لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء. الإفصاح (8/ 68).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فالق الحب» حب الزروع، و«النوى» نوى الغرس، فالأشجار التي تخرج: إما زروع أصلها الحب، وإما أشجار أصلها النوى، فما للأشجار يسمى نوى، وما للزروع يسمى حبًّا، {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} الأنعام: 6، هذا الحب والنوى اليابس الذي لا ينمو، ولا يزيد، يفلقه الرَّب -عزَّ وجلَّ-، أي: يفتحه حتى تخرج منه الأشجار والزروع، ولا يستطيع أحد أنْ يفعل ذلك، مهما بلغ الناس في القدرة، ما استطاعوا أن يفلقوا حبة واحدة أبدًا! والنوى كذلك الذي كالحجر؛ لا ينمو، ولا يزيد، يفلقه الله -عزَّ وجلَّ-، وينفرج، ثم تكون منه الغريسة التي تنمو، ولا أحد يستطيع ذلك، إلا الذي فلقها -سبحانه وتعالى-. شرح العقيدة الواسطية (2/ 48).

قوله: «ومُنْزِلَ التَّوراةِ والإنجيلِ والفُرقانِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ومنزل التوراة» من الإنزال، وقيل: من التنزيل، «والإنجيل والقرآن» وفي الحصن (الحصين لابن الحزري) «الفرقان» بدل «القرآن» لأنَّه يُفرَّق به بين الحق والباطل، ولعل ترك الزبور؛ لأنَّه مندرج في التوراة، أو لكونه مواعظ ليس فيه أحكام. مرقاة المفاتيح (4/ 1670).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«منزل التوراة» وهي اسم لكتاب موسى -عليه السلام- «والإنجيل» اسم لكتاب عيسى -عليه السلام- «والقرآن» لفظ مسلم: «والفرقان» وهو إياه، اسم لكتاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، الذي فرَّق بين الحق والباطل. شرح سنن أبي داود (19/ 260-261).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
و«منزل التوراة والإنجيل والقرآن» إشارة إلى الأرزاق الروحانية المتعلِّقة بتدبير أحوال الآخرة وأحكامها، ولم يذكر الزبور؛ لعدم اشتماله على الأحكام والشرائع، كذا قيل. لمعات التنقيح (5/ 205).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ثم ذكر إنزاله الكتب، فقال: «منزل التوراة والإنجيل والفرقان» فهذه هي الكتب المتأخر نزولها، التي أفضى إليها أمر ما كان نزل قبلها، على أنَّها تصدق كل ما نزل بين يديها. الإفصاح (8/ 68-69).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «منزل التوراة والإنجيل والقرآن» وهذه الثلاثة الكتب: التوراة المنزل على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وخُصَّتْ هذه الكتب الثلاثة من بين الكتب المتقدمة؛ لأنها أشهرها وأهمها وأعظمها، وهي التي يأتي ذكرها كثيرًا في القرآن، ولم يذكر القرآن كتبًا أخرى سوى التوراة والإنجيل، إلا صحف إبراهيم وموسى، وإلا زبور داود -عليه الصلاة والسلام-، فصحف إبراهيم وموسى جاءت في موضعين: في سورة النجم، وفي سورة الأعلى، وزبور داود جاء في موضعين: في سورة النساء، وفي سورة الإسراء، وأما التوراة فجاءت في مواضع كثيرة، بلفظ الكتاب، وبلفظ التوراة، وكتاب عيسى -عليه الصلاة والسلام- جاء بلفظ الإنجيل كثيرًا في القرآن، والقرآن هو خير الكتب، وأفضلها وخاتمها. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولما ذكر الآية الكونية العظيمة (فلْق الحب والنوى) ذكر الآيات الشرعية، وهي قوله: «منزل التوراة والإنجيل والقرآن» وهذه أعظم كتب أنزلها الله -عزَّ وجلَّ-، وبدأها على الترتيب الزمني: التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والفرقان على محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وفي هذا نص صريح على أنَّ التوراة منزلة، كما جاء في القرآن: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} المائدة: 44، وقال في أول سورة آل عمران: {نزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} آل عمران: 3-4. شرح العقيدة الواسطية (2/ 48).

قوله: «أَعُوذُ بكَ مِن شرِّ كلِّ شيءٍ أنتَ آخِذٌ بناصيتِهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أعوذُ» في نسخة «وأعوذُ» بواو العاطفة، ولا يخفى ما فيها من عدم الملاطفة، والمعنى: أعتصمُ، وأعوذُ «بك من شرِّ كلِّ ذي شرٍ» وفي الحصن (الحصين): «من شرِّ كلِّ شيء». مرقاة المفاتيح (4/ 1671).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «أعوذُ بك» وأتحصَّنُ «من شرِّ» وضرر «كل شيء» من المخلوق، جواب النداءات المذكورة قبله. الكوكب الوهاج (25/ 105).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «أعوذُ بك من شر كل شيء، أنت آخذٌ بناصيته» أي: من شر كل شيء من المخلوقات؛ لأنها كلها في سلطانه، وهو آخذ بنواصيها. شرح صحيح مسلم (17/ 36).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنت آخذٌ بناصيته» وفي رواية لمسلم: «من شر كل دآبة أنت آخذ بناصيتها». مرقاة المفاتيح (4/ 1671).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أنت آخذٌ بناصيته» هذا عبارة عن القدرة والغَلَبة، يعني: أعوذ بك من شرِّ كلِّ شيء، أنت قادرٌ عليه؛ أي: من شرِّ جميع الأشياء؛ لأن الله تعالى قادر على جميع الأشياء، وإنما كنَّى عن القدرة بقوله: «أنت آخذٌ بناصيته» لأنَّ مَنْ أخذ بناصية أحدٍ، فقد قَهَره، وقَدَر عليه غايةَ القدرة. المفاتيح (3/ 217).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
جملة قوله: «أنت آخذٌ» وقابضٌ «بناصيته» صفة لـ«كل شيء» ولكنها سببية، والمعنى: أي: أتحفظ بك من شر كل شيء من المخلوقات؛ لأنها كلها في سلطانك، وأنت آخذٌ بنواصيها، فالأخذ بناصية الشيء كناية عن كونه في سلطان الآخذ وقبضته، وتحت قهره، كما أنَّ مالك الدابة يأخذ بناصيتها، فمراد الدعاء: التعوذ من شر كل شيء من المخلوقات؛ لأنها كلها في سلطانه تعالى فهو آخذٌ بنواصيها. الكوكب الوهاج (25/ 105).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذٌ بناصيته» يعني: جاء المطلوب الذي مهَّد له بهذا التمهيد؛ لأنَّ ما تقدَّم هو ثناء على الله -عز وجل-، وتعظيم للوصول إلى ما يريده، وما يطلبه من الله، وهو الاستعاذة بالله من كل ما فيه شرّ، فالله -عز وجل- هو آخذٌ بناصية كل مخلوق، وهو الذي بيده أمره، وبيده التصرف فيه، وهو الذي يجعله يضر، ويجعله لا يضر، ومن أعظم الوقاية من الضرر سؤال الله -عز وجل- ودعاؤه. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
في قوله: «أنت آخذٌ بناصيته» دلالة على أنَّ قدرة الله -عز وجل- فوق قدرة كل مخلوق، وأنَّ بطشه فوق كل ذي بطش. الفتح الرباني (14/ 247).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وذِكْر الناصية يُفيد أنَّه يريد الدواب والحيوانات والجن والإنس، والحديث التالي صريح في الدَّوابِّ (وهو قوله: «مِن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنتَ آخذٌ بناصيتِهَا»). منة المنعم (4/ 250).

قوله: «اللهُمَّ أنتَ الأوَّلُ، فليسَ قبْلَكَ شيءٌ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «أنت الأول؛ فليس قبلك شيء» هذا تفسير من النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله: «الأول» والأول من أسماء الله، وقد ذكرنا عند تفسير الآية ({هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} الحديد: 3 ) أنَّ أهل الفلسفة يسمُّون الله: القديم، وذكرنا أنَّ القديم ليس من أسماء الله الحسنى، وأنه لا يجوز أن يسمَّى به، لكن يجوز أنْ يُخبر به عنه، وباب الخبر أوسع من باب التسمية؛ لأنَّ القديم ليس من الأسماء الحسنى، والقديم فيه نقص؛ لأنَّ القِدَم قد يكون قِدَمًا نسبيًّا؛ ألم تر إلى قوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} يس: 39، والعرجون القديم حادث، لكنه قديم بالنسبة لما بعده. شرح العقيدة الواسطية (2/ 50-51).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اللهم أنت الأول» أي: القديم بلا ابتداء «فليس قبلك شيء» من المخلوق. الكوكب الوهاج (25/ 105).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أنت الأول» مفيد للحصر لتعريف الخبر باللام، فكأنه قيل: أنت مختص بالأولية، فليس قبلك شيء. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1887).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أنت الأول فليس قبلك شيء...» الحديث إلى آخره، تضمَّن هذا الدعاء من أسماء الله تعالى ما تضمنه قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} الحديد: 3، وقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، وأرشق عباراتهم في ذلك قول مَن قال: الأول بلا ابتداء. المفهم (7/ 42).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «فليس قبلك شيء» فالمعنى: أنت الأول ولا قبل لك. الإفصاح (8/ 69).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«أنت الأول، فليس قبلك شيء» فهو أول ليس قبله شيء، وكل شيء تابع له، وكل شيء عَقِبه، والأولية المطلقة إنَّما هي لله -عز وجل-، وكل من سوى الله كان عدمًا، فأوجده وخلقه بعد أنْ لم يكن، والله -عز وجل- هو الذي كان بلا بداية، وهو الذي يدوم بلا نهاية -سبحانه وتعالى-؛ ولهذا ذكر هذين الاسمين المتقابلين: الأول الذي ليس قبله شيء، ويقابله الآخر الذي ليس بعده شيء، وأنه الباقي الذي يدوم وغيره لا يدوم، وإن حصلت إدامة فإنما هي من الله -عز وجل- كما يكون في الجنة والنار وأهليهما، فإنه ليس لهما إلا العدم؛ ولكن الله -عز وجل- هو الذي شاء أن يحصل بقاؤهما، وأنْ يحصل استمرارهما، فبقاء الله -عز وجل- لازم لذاته، وأما بقاء الجنة والنار فهو مكتسب، والله تعالى هو الذي أكسبهما ذلك، ولو شاء أن ينهيهما لفعل -سبحانه وتعالى-. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فأولية الله -عزَّ وجلَّ- سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخريَّة كل ما سواه، فأوليته سبْقُه لكل شيء، وآخريَّته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور: يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه، وأحاط بباطنه وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه؛ هذا لون، وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا توارى منه سماء سماء، ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنًا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. طريق الهجرتين (ص: 47).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فقوله: «أنت الأول، فليس قبلك شيء» مطابق لقوله: «كان الله ولم يكن شيء قبله». الصفدية (2/ 78).

قوله: «وأنتَ الآخِرُ، فليسَ بعْدَكَ شيءٌ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وأنت الآخرُ، فليس بعدَك شيء» يعني: أنت الباقي بعد فَناءِ الخَلْق. شرح المصابيح (3/ 185).
وقال الشيخ سعيد القحطاني -رحمه الله-:
قوله: «أنت الآخر، فليس بعدك شيء» الآخر: الباقي بعد فناء الخلق، المتعالي في أوليته عن الابتداء، كما هو المتعالي في آخريته عن الانتهاء. شرح حصن المسلم (ص: 165).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال (أبو بكر ابن الباقلاني): وتعلَّقت المعتزلة بهذا الاسم، فاحتجوا به لمذهبهم في فناء الأجسام وذهابها بالكلية، قالوا: ومعناه: الباقي بعد فناء خلقه، ومذهب أهل الحق خلاف ذلك، وأنَّ المراد: الآخر بصفاته (وذاته) بعد ذهاب صفاتهم؛ ولهذا يقال: آخر من بقي من بني فلان: فلان، يُراد: حياته، ولا يراد: فناء أجسام موتاهم وعدمها، هذا كلام ابن الباقلاني. شرح صحيح مسلم (17/ 36-37).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأنت الآخر» أي: الباقي بلا انتهاء «فليس بعدك شيء» أي: بعد آخريتك، المعبَّر بها عن البقاء، شيء يكون له بقاء لذاته، ويمكن أنْ يكون «بعدك» بمعنى: غيرك، والمعنى: أنَّ غيرك فانٍ في حد ذاته، ولو كان له بقاء ما في حال حياته، كما يدل عليه قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْههُ} القصص: 88، و{كُلُّ مَن عَلَيْهَا فَانٍ} الرحمن: 26، بصيغة الفاعل، الدال على أنَّه موصوف به الآن. مرقاة المفاتيح (4/ 1671).

قوله: «وأنتَ الظَّاهِرُ، فليسَ فوقَكَ شيءٌ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء» الظاهر من الظهور وهو العلو، كما قال تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} الكهف: 97، {يظهروه} أي: يعلوا عليه.
وأما مَن قال: الظاهر بآياته؛ فهذا خطأ؛ لأنَّه لا أحد أعلم بتفسير كلام الله من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال: «الظاهر فليس فوقك شيء» بل هو فوق كل شيء سبحانه. شرح العقيدة الواسطية (2/ 51).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء» يعني: أنَّ الله -عز وجل- ليس فوقه شيء؛ لأنه عالٍ على كل شيء، فله علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فهو عالٍ فوق كل شيء، قاهر له، وهو فوق كل شيء في المنزلة والنفوس، فلا يكون أحد مُقدَّم عليه. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فإنَّ العلو مُقارِن للظهور، كلما كان الشيء أعلى، كان أظهر، وكل واحد من العلو والظهور يتضمَّن المعنى الآخر، ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء» ولم يقل: فليس أظهر منك شيء؛ لأنَّ الظهور يتضمَّن العلو والفوقية؛ فقال: «فليس فوقك شيء». مجموع الفتاوى (6/ 208).

قوله: «وأنتَ الباطِنُ، فليسَ دُونَكَ شيءٌ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء» المعنى: ليس دون الله شيء، لا أحد يدبر دون الله، ولا أحد ينفرد بشيء دون الله، ولا أحد يخفى على الله؛ كل شيء فالله محيط به؛ ولهذا قال: «ليس دونك شيء» يعني: لا يحول دونك شيء، ولا يمنع دونك شيء، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وهكذا. شرح العقيدة الواسطية (2/ 51).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «وأنت الباطن، فليس دونك شيء» يعني: أنَّ الله -عز وجل- مطلع على كل شيء، ولا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، ولكن ليس معنى ذلك: أنه يكون حالًّا في المخلوقات، وأنَّ المخلوقات تحويه، فالله أعلى وأجل من أنْ يحويه شيء مخلوق، بل هو مباين للمخلوقات؛ ولكن مع كونه عاليًا على المخلوقات، فإنه مطلع على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا يحجب عنه شيء -سبحانه وتعالى-، بل كل شيء أمامه، وتحت قهره ونظره وسمعه، لا يخفى عليه دبيب النمل في الظلام، وعلى الصخور الصَّمَّاء، ولا يخفى عليه دقيق ولا جليل، بل هو مطلع على كل شيء، وهو يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، يعلم السر، وما كان أخفى من ذلك. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فليس دونك شيء» بمعنى: الإحاطة بالكائنات. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1887).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد نُقل عن أبي سعيد الخراز أنه قيل له: بماذا عرفت ربك؟ قال: بجمعه بين الأضداد، وقرأ قوله: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الحديد: 3، أراد بذلك: أنَّه مجتمع في حقه سبحانه ما يتضاد في حق غيره، فإنَّ المخلوق لا يكون أولًا آخرًا، باطنًا ظاهرًا، وقد ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء». الجواب الصحيح (4/ 301-302).

قوله: «اقْضِ عنَّا الدَّيْنَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اقضِ عنا الدَّيْن» أي: سهِّل علينا أداء الدَّيْن وقضاءه وتوفيته. الكوكب الوهاج (25/ 106).
وقال النووي -رحمه الله-:
«اقض عنا الدَّيْن» يحتمل أنَّ المراد بالدَّيْن هنا: حقوق الله تعالى، وحقوق العباد كلها، من جميع الأنواع. شرح صحيح مسلم (17/ 36).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- مُعلقًا:
أي: اجعلنا ممن يقوم بأدائها؛ لئلا نؤاخذ بها عندك يوم القيامة. الكوكب الوهاج (25/ 106).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اقض عني» وفي رواية «عنا»، «الدَّيْن» يجوز أنْ يُراد به: حقوق الله، وحقوق العباد جميعًا؛ ولما قالت عائشة -رضي الله عنها-: «يا رسول الله، ما رأيتك تستعيذ من شيء أكثر مما تستعيذ من الدَّيْن» بيَّن لها -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الدَّيْن يترتب عليه مفاسد، كخلف الوعد، وتعمد الكذب. مرقاة المفاتيح (4/ 1671).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اقضِ عني الدَّيْن» دين الدنيا، ودين الآخرة، فيدخل فيه دين الصلوات، وغيرها. شرح سنن أبي داود (19/ 261).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «اقضِ عنا الدَّيْن» فيه: دليل على استحباب سؤال ذلك، وسؤال الغنى من غير كراهية لذلك. الإفصاح (8/ 69).

قوله: «وأغنِنَا مِن الفقرِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأغننا» بقطع الهمزة، من الإغناء «من الفقر» الظاهر أنَّ «من» هنا بمعنى البدل، كما في قوله تعالى: {أَرَضَيْتُم بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِن الآخِرَةِ} الآية التوبة: 38؛ أي: أبدِلْ فقرنا بالغنى. البحر المحيط الثجاج (42/ 310-311).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأغنني» بقطع الهمزة «من الفقر» أي: أعطني ما يكفيني؛ لأسلم من الفقر، يقال: أغنِ عني شَرَّك، أي: اصرفه وكُفَّه، ومنه قوله تعالى: {لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} الجاثية: 19. شرح سنن أبي داود (19/ 261).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأغنني» وفي رواية: «وأغننا»، «من الفقر» أي: الاحتياج إلى المخلوق، أو من الفقر القلبي؛ لما ورد: «كاد الفقر أنْ يكون كفرًا» (ضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم: 4148). مرقاة المفاتيح (4/ 1671).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أغنني من الفقر» لعل «من» بمعنى: بعد، كقوله تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} قريش: 4. لمعات التنقيح (5/ 205).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأغننا من الفقر» أي: أخرجنا من الفقر بغنى فضلك. الكوكب الوهاج (25/ 106).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وأغنني من الفقر» الفقر: خلو ذات اليد، ولا شك أنَّ الفقر فيه إيلام للنفس، والدَّيْن فيه ذل؛ المدين ذليل للدائن، والفقير مُعْوِزٌ ربما يجرُّه الفقر إلى أمر محرم. شرح العقيدة الواسطية (2/ 51).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«اقضِ عني الدَّيْن، وأغنني من الفقر» يعني: أنَّ الإنسان يدعو ربه أنْ يسلم من الدَّيْن، وأنْ يحصل له الغنى من الفقر، فيكون غنيًّا وإن لم يكن عنده غنى اليد، ولكن غنى النفس، وإذا كان غنى النفس موجودًا، فإنَّ هذا هو الغنى الحقيقي، وإذا كانت النفس ليست غنيَّة، فلو كانت اليد مليئة، فإنها تكون فقيرة، وتراها تبحث وتهتم وتشتغل بتحصيل على مزيد. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: ما وجه النظم بين هذه القرائن؟
قلتُ: وجهه: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر أنه تعالى: «رب السماوات والأرض» أي: مالكهما، ومدبر أمرهما، عقبه بقوله: «فالق الحب والنوى» ليضم معنى الخالقية مع المالكية؛ لأن قوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} الأنعام: 95، بيان لـ«فالق الحب والنوى» ومعناه: يخرج الحيوان والنامي من النطفة، والحب والنوى، ويخرج الميت من الحي، أي: يخرج هذه الأشياء من الحيوان والنامي، ثم عقب ذلك كله بقوله: «منزل التوراة» ليؤذن بأن لم يكن إخراج الأشياء من كتم العدم إلى فضاء الوجود، إلا بتعلم وتعبد، ولا يحصل ذلك إلا بكتاب ينزله، ورسول يبعثه، كأنه قيل: يا مالك، يا مدبر، يا خالق، يا هادي. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1886-1887).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
وهذا كلام طيب، ينبغي أنْ يكتب بماء الذهب، وتعقبه ابن حجر بما يليق أنْ يُغسل بماء زمزم حتى يذهب. مرقاة المفاتيح (4/ 1670-1671).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث أسماء وصفات:
- فمن الأسماء: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن.
- ومن الصفات: الأولية والآخرية، وفيهما الإحاطة الزمانية، والظاهرية والباطنية، وفيهما الإحاطة المكانية، ومنها: العلو، وعموم ربوبيته، وتمام قدرته، ومنها: كمال رحمته وحكمته بإنزال الكتب؛ لتحكم بين الناس وتهديهم صراط الله.
ومن غير الأسماء والصفات: التوسل إلى الله بصفات الله، والتحذير من شر النفوس، وسؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- أنْ يقضي الله دينه، ويغنيه من الفقر، وبيان ضعف الحديث الذي فيه سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحييه ربه مسكينًا.
وفيه: من الفوائد المسلكية: التحذير من شر النفس، وتعظيم شأن الدَّيْن، وأنْ يحرص على تلافي الدَّيْن بقدر الإمكان، ويقتصد في ماله طلبًا وتصرفًا؛ لأنه إذا اقتصد في ذلك، سلم غالبًا من الفقر والدَّيْن. شرح العقيدة الواسطية (2/52- 53).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا حديث عظيم، توسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الله تعالى بربوبيته. شرح العقيدة الواسطية (2/ 47).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وقد قيل: إنَّ هذا الدعاء لطلب الرزق. الفتوحات الربانية (3/ 151).
وقال السندي -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى أنَّه (تعالى) الكامل في هذه الأوصاف، فالقصر لإفادة الكمال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. حاشيته على مسند أحمد (2/694).

وللفائدة ينظر:

من هدي النبي ﷺ عند النوم.

قراءة سورة الكافرون عند النوم.


إبلاغ عن خطأ