«من لَبِسَ ثوبَ شُهرَةٍ في الدنيا، ألبسه الله ثوبَ مَذَلَّةٍ يوم القيامة، ثم أَلهَبَ فيهِ نارًا».
رواه أحمد برقم: (6245)، وأبو داود برقم: (4029)، والنسائي في الكبرى برقم: (9487) وابن ماجه برقم: (3607) واللفظ له، وأبو يعلى برقم: (5698)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ولفظ أبي داود: «...أَلبَسَهُ اللَّهُ يوم القيامةِ ثوبًا مِثْلَهُ».
صحيح الجامع برقم: (6526)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2089).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شُهرَةٍ»:
الشُّهرة: وضوح الأمر. مختار الصحاح، للرازي (ص: 170).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الشُّهرة: ظهور الشيء في شُنْعَة (الأمر الشنيع) حتى يشهره الناس. النهاية (2/ 515).
«مذلَّةٍ»:
الذُلُّ: ضد العز، وقد ذَلَّ يذِلُّ بالكسر ذُلًّا وذِلَّة ومَذَلَّة، فهو ذليل، وهم أذِلَّاء وأذِلَّة. مختار الصحاح، للرازي (ص: 113).
شرح الحديث
قوله: «من لَبِسَ ثوبَ شُهرَةٍ في الدنيا»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«ثوب شُهرة» ثوب الشهرة: هو الذي إذا لبسه الإنسان افتضح به، واشتهر بين الناس، والمراد به: ما ليس من لباس الرجال، ولا يجوز لهم لبسه شرعًا، ولا عُرفًا. جامع الأصول (10/ 658).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«من لبس ثوب شهرة...» الحديث... ويكون ذلك فيما لا يحل لبسه من الثياب، فإن الوعيد على المباح غير جائز، اللهم إلا أن يدخله فساد القصد، كالذي يلبس لباسًا يريد به ليشهر نفسه في الناس بالزهد والتقشُّف، أو الذي يتخذ لباسًا لا يشاكل لباس أهل الدين، وذوي المروءة؛ ليجعل نفسه به ضُحَكَة بين الناس كالمساخرة.
وإنْ ذَهَب فيه مأولٌ إلى الاشتهار بالعمل الذي يراد به المراءاة، فله محمل؛ فإن الكناية بالثوب عن العمل شائع في كلامهم (الصواب: حمله على الظاهر ولا داعي لحمله على الكناية). الميسر (3/ 979).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
... أو ما يقصد بلبسه التفاخر والتكبر على الفقراء، والإذلال لهم، وكسر قلوبهم، أو ما يتخذه المساخر ليجعل به نفسه ضُحَكَة بين الناس، أو ما يرائي به من الأعمال، فكُنِّي بالثوب عن العمل، وهو شائع. تحفة الأبرار (3/ 144).
وقال الطيبي -رحمه الله- معقبًا على كلام البيضاوي:
أقول: والوجه الثاني أظهر؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألبسه الله ثوب مذلة». الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2901).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «من لبس ثوب شهرة» يعني: من لبس ثوبًا مُزَيَّنًا للتفاخر والتكبر. المفاتيح (5/ 18).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
تكره الشهرة من الثياب وهو المترفع الخارج عن العادة، والمتخفض الخارج عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين المترفع والمنْخَفِض، وفي الحديث: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة» وخيار الأمور أوساطها. مجموع الفتاوى (22/ 138).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
وكان هديه في اللباس: أن يلبس ما تيسَّر من اللباس من قُطْن أو صوف أو غيرهما.
فالذي رغب عمّا أباحه الله من لباس القطن والكتان وغيرهما تزهُّدًا وتعبّدًا، هم نظير الذين يمتنعون أيضًا عن لباس الصوف ونحوه، ولا يلبسون إلا أعلى الثياب ترفُّهًا وتكبّرًا، كلاهما مذموم؛ ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض. جامع المسائل (7/ 140-141).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال: «من لبس ثوب شُهرة»...يعني: يشتهر بين الناس بمخالفة ثوبه لألوان ثيابهم، ويبرز ثوبه الذي اشتهر به، ويرفع الناس إليه أبصارهم وينظرونه، ويختال عليهم بالعجب والتكبر؛ ولذلك قال عيسى -عليه السلام-: «جودة الثياب خيلاء القلب».
وليس هذا الحديث مختصًّا بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوبًا يخالف ملبوس الناس من الفقراء؛ ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه. شرح سنن أبي داود (16/ 206).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وقيل: هو أن يلبس ثوبًا أحمر أو أصفر ليشتهر بذلك... وروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «نهى عن الشهرتين في اللباس» المرتفعة جدًّا والمنخفضة جدًّا...
«نهى عن الشهرتين قيل: يا رسول الله، وما الشهرتان؟ قال: رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتهما وطولها وقصرها» (حكم عليه الشيخ الألباني -رحمه الله- بالوضع في ضعيف الجامع برقم: (6044)، والسلسلة الضعيفة برقم: (2326) ).
وقال البيهقي: يكره لبس ثوب الشهرة من الثياب في النفاسة أو في الخساسة، قال عمر: بلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى أن تلبس الثياب الخسيسة التي ينظر فيها، والحسنة التي ينظر إليه فيها» وقال: -صلى الله عليه وسلم- «خير الأمور أوساطها» ويدخل في الثياب الشهيرة من لبس ثوبًا مقلوبًا أو محوًلا كجُبَّة أو قباء كما يفعل بعض أهل الجفاء والسخافة.
قال ابن عبد البر: كان يقال: كل من الطعام ما اشتهيت والبس من الثياب ما اشتهى الناس.
وقيل: ثوب الشهرة ما خالف زي بلده، وأزري به، ونقص مروءته، وفي المستوعب للحنابلة: ما يشتهر به عند الناس، ويزري بصاحبه، وينقص مروءته، تقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الشيطان يحب الحمرة، فإياكم والحمرة، وكل ثوب ذي شهرة» (ضعيف جدًا. ينظر: ضعيف الجامع برقم: (1481) ) ا. هـ، قاله في الديباجة (للدميري، وأكثره مخطوط). فتح القريب المجيب (9/ 268- 272).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ثوب شهرة»...والشهير والمشهور: المعروف، والمراد بثوب الشهرة: ما يلبسه تغررًا وتكبرًا، سواء كان نفيسًا تفاخرًا بالدنيا وزهرتها، أو خسيسًا إظهارًا للزهد والرياء...، والتكبر والتفاخر مما يترتب عليه الوعيد خصوصًا بالمذلة والهوان. لمعات التنقيح (7/ 356).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«من لبس ثوب شهرة» أي: غرض اللابس ومقصده بهذا اللباس: الشهرة. بذل المجهود (12/ 58).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مَن لبس ثوب شهرة» أي: ثوب تكبر وتفاخر وتجبر، أو ما يتخذه المتزهد ليشهر نفسه بالزهد، أو ما يشعر به المتسيد من علامة السيادة، كالثوب الأخضر، أو ما يلبسه المتفقهة من لبس الفقهاء، والحال أنَّه من جملة السفهاء. مرقاة المفاتيح (7/ 2782).
قوله: «ألبسه الله ثوبَ مذلَّةٍ يوم القيامة»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
و«ثوب مذلَّة» من إضافة السبب إلى المسبب، أو بيانية تشبيهًا للمذلة بالثوب في الاشتمال. لمعات التنقيح (7/ 356).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ألبسه الله تعالى ثوب مذَلَّة» لفظ أبي داود: «ثوبًا مِثْلَه» والمراد بقوله: «ثوب مذلَّة» ثوب يوجب ذلته يوم القيامة، كما لبس في الدنيا ثوبًا يتعزز به على الناس، ويترفع به عليهم. نيل الأوطار (2/ 131).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثوب مذلَّة» ضد المعزة «يوم القيامة»...ومفهومه: أن من اختار ثوب مذلَّة وتواضع لله في الدنيا ألبسه الله ثوب معزَّة في العُقبى...، وروى ابن ماجه والضياء، عن زيد بن أرقم بلفظ: «من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه». مرقاة المفاتيح (7/ 2782).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ألبسه الله يوم القيامة» التي هي دار الجزاء، وكشف الغطاء، «ثوبًا مثله» كذا بخط المصنف (السيوطي)، وفي رواية: «ثوب مذلَّة» أي: يشمله بالذل...؛ لأنه لبس شهوة الدُّنيا ليفتخر بها على غيره، فيلبسه الله مثله. فيض القدير (6/ 219).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
هذا لأنه قَصَد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك فأذلَّه، كما يعاقب الذي يطيل ثوبه خيلاء بأن خَسَف به الأرض ونحو ذلك، كما فعل بقارون. جامع المسائل (7/ 140-141).
قوله: «أَلبَسَهُ اللَّهُ يوم القيامةِ ثوبًا مِثْلَهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ألبسه اللَّه تعالى يوم القيامة ثوبًا مِثْلَه» في شهرته به بين الناس؛ لأنه لبس الشُّهرة في الدنيا ليعز به، ويفتخر على غيره، ويلبسه اللَّه يوم القيامة ثوبًا يشتهر بمذلته واحتقاره بينهم؛ عقوبة له، والعقوبة من جنس العمل. شرح سنن أبي داود (16/ 206-207).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ألبسه الله يوم القيامة ثوبًا مِثْلَه» يشتهر به بين أهل الموقف، ويعرف أنه من العُصاة. التنوير(10/ 389).
قوله: «ثم أَلْهَبَ فيه نَارًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم ألهب» الله وأوقد «فيه» أي: في ذلك الثوب «نارًا» مسعَّرة متَّقِدة شديدة الالتهاب. مرشد ذوي الحجا والحاجة (21/ 160).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وزاد محمد بن عيسى (الطَّباع، ثقة) عن أبي عوانة: «ثم تُلهب» بضم التاء وسكون اللام وفتح الهاء، ويجوز أن يكون بفتح التاء واللام والهاء المشددة، أي: تتلهَّب، ثم حذفت إحدى التاءين، أي: ثم تلهب «فيه النار» ويجوز أن يكون بضم التاء وسكون اللام وكسر الهاء، أي: ثم يلهب اللَّه فيه النار، بدليل رواية رزين: «من لبس ثوب شهرة ألبسه اللَّه إياه يوم القيامة، ثم ألهب فيه النار». شرح سنن أبي داود (16/ 207).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«ثم تلهب فيه النار» يعني: هذا الثوب الذي يشتهر به تلهب فيه النار، أي: أنه يعذب بهذا الثوب، أو بمثل هذا الثوب الذي لبسه، وحصل منه التكبر؛ ولهذا جاء في بعض الروايات: «ثوب مذلة» ومعناه: أنه كما أنه حصل منه التكبر؛ فإنه يحصل له في الآخرة إذلال مقابل ذلك، وهو أنه يلبس ثوب مذلة، فيكون فيه إذلال له، وفيه أيضًا تعذيبه به، حيث جاء في هذه الرواية أنها: «تلهب فيه النار» وثوب الشهرة قد يكون بقصد وهو داخل في الوعيد، وقد يكون بغير قصد وهذا يخشى عليه أن يكون داخلًا في الوعيد أيضًا، علاوة على أنه قد يتهم في عقله بلبسته تلك. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ثم تلهب فيه النار» عقوبة له بنقيض فعله. فيض القدير (6/ 219).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وكذلك لبس الدَّنيء من الثياب يذم في موضع، ويحمد في موضع، فيذم إذا كان شُهرة وخيلاء، ويمدح إذا كان تواضعًا واستكانة، كما أنَّ لبس الرفيع من الثياب، يُذم إذا كان تكبرًا وفخرًا وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملًا وإظهارًا لنعمة الله. زاد المعاد (1/ 141).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: أما ثوب الشُّهرة إنْ أُريد به التجمُّل، وإظهار النعمة، فهو مذموم؛ إذ ذلك يتم بغيره مما يتجمل به، ولا شُهرة فيه. التنوير (10/ 389).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث يدلُّ على تحريم لبس ثوب الشُّهرة، وليس هذا الحديث مختصًّا بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوبًا يخالف ملبوس الناس من الفقراء؛ ليراه الناس، فيتعجبوا من لِبسه ويعتقدوه. نيل الأوطار (2/ 132).