الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«من أَقَالَ مسلمًا، ‌أَقاله ‌الله ‌عَثْرَتَه يوم القيامة».


رواه أحمد برقم: (7431)، أبو داود برقم: (3460)، وابن ماجه برقم: (2199)، واللفظ له، وابن حبان برقم: (5030)، والحاكم برقم: (2291)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6071)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1758).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَقَالَ»:
أي: وافقه على نقض البيع، وأجابه فيه. المجموع المغيث (2/ 773).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يقال: أقاله يَقِيْلَه إِقَالَة، وتَقَايَلَا إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما، وتكون الإقالة في البيعة والعهد. النهاية (4/ 134).

«‌عَثْرَتَه»:
أي: خطيئته. المفاتيح، للمظهري (3/ 454).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
العَثرة: الزَّلة، ويقال: عثر به فرسه فسقط، وتعثر لسانه: تَلَعْثَم. لسان العرب (4/ 539).


شرح الحديث


قوله: «من أَقَالَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قَال» أي: وافق «مسلمًا» نادمًا في شرائه على نقض البيع وفسخه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (13/ 31).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال المطرزي: الإقالة في الأصل: فسخ البيع، وألفه واو أو ياء، فإن كانت واوًا فاشتقاقه من القول؛ لأن الفسخ لا بد فيه من قيل وقال، وإن كانت ياء فيحتمل أن ينحت من القيلولة. فيض القدير (6/ 79).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وعبَّر عنه بالإقالة للمشاكلة، ولأنه يلزم من غفران الزلة رفع تبعتها، والإقالة: هي رفع العقد، فهو من باب المجاز المرسل إطلاقًا للَّازم على الملزوم، والمشاكلة محسنة لذلك -والله أعلم-. البدر التمام (6/ 149).
وقال المجددي -رحمه الله-:
إقالة البيع صورته: إذا اشترى أحدٌ شيئًا من رجل، ثم ندم على اشترائه، إما لظهور الغبن فيه، أو لزوال حاجته إليه...، فرد المبيع على البائع، وقَبِلَ البائع رده، أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة؛ لأنه إحسان منه على المشتري؛ لأن البيع كان قد بُتَّ، فلا يستطيع المشتري فسخه. إنجاح الحاجة، مخطوط، لوح (398).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الإقالة في البيع، بأن يندم المشتري بعد أن يلزم البيع، فيرغب إلى البائع أن يقيله، بمعنى: أنه يترك البيع بحيث ترجع إلى هذا نقوده، وذاك يأخذ سلعته، أو العكس: بأن يكون البائع هو الذي ندم، فيطلب من المشتري الإقالة بحيث يرد عليه النقود، ويأخذ منه السلعة التي باعها عليه، هذه هي الإقالة، ومعناها: أن البيع لزم، واحتيج إلى الفسخ بموافقة الطرفين؛ لأن أحد الطرفين لا يملك الفسخ بمفرده بعد أن يلزم البيع، فإذا نَدم أحدهما طلب مِن الآخر أن يعفيه من هذا البيع، وأن يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل البيع. شرح سنن أبي داود (395/ 3).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الإقالة: هي طلب فسخ العقد، تكون أحيانًا مطلوبة من المشتري، وتكون أحيانًا مطلوبة من البائع، أحيانًا يأتي المشتري إلى البائع ويقول: أقلني، يعني: يندم المشتري على الشراء فيطلب من البائع أن يقيله، وأحيانًا يكون بالعكس يأتي الطلب من البائع يندم على البيع فيأتي للمشتري فيقول: أقلني، والحديث يشمل هذا وهذا، فـ «من أقال مسلمًا بيعته» يعني: البيعة التي وقعت بينه وبينه. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 623-624).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «من أقال مسلمًا» أي: وافقه على نقض البيع، والإقالة تجري في البيعة والعهد أيضًا. كفاية الحاجة (2/ 20).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أقال» يفيد العموم، وهو مخصص بالكافر والصبي والمجنون، بالمخصص المتصل، وأما الكافر فلقوله: «أخاه المسلم» والكافر ليس بأخ للمسلم، ولقوله: «أقاله الله عثرته» والكافر لا تُقال عثرته يوم القيامة، وأما الصبي والمجنون فلأنه لا يُتَصَوَّر منهما الإقالة؛ لأنه لا يتصور منهما البيع، ولا يكون لهما الذنب حتى يتصور الإقالة من عثرتهما. الإزهار، مخطوط، لوح (273).

قوله: «مُسْلِمًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من أقال مسلمًا» هل مثل ذلك لو أقال ذِمِّيًّا؟
الجواب: نعم، ويكون ذكر المسلم بناء على الغالب، ويؤيد ذلك: أن في بعض الألفاظ: «من أقال نادمًا بيعته» فيشمل المسلم وغير المسلم. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 624).

قوله: «‌أقاله ‌الله ‌عَثْرَتَه يوم القيامة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أقال الله» أي: عفا الله «عثرته» أي: خطيئته. المفاتيح (3/ 454).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أقال الله عثرته» أي: غفر خطيئته. شرح المصابيح (3/ 440-441).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أقال الله عثرته» أي: رفعه من سقوطه. فيض القدير (6/ 79).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«أقاله الله عثرته» أي: دفع عنه شر ما يحدث له من زَلَل، وتجاوز له عنه. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (5/ 92).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: أقال الله عثرته من زلاته، وذنوبه، بمغفرته جزاءً وفاقًا. التنوير (10/ 131).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أقال الله عثرته» عثرته في أمور الدنيا، أو عثرته في أمور الدنيا والآخرة؟ نقول: يشمل الأمرين جميعًا، وفضل الله واسع، وإقالة العثرة لا شك أنها أمر مطلوب لكل واحد؛ إذ إنه لا يخلو واحد منا من العثرات، فإذا أقال الله عثراتنا فهذا فضل عظيم، ينبغي للإنسان ألا يفرط فيه، والمسألة سهلة جدًّا. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 624).
وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-:
إقالة النادم: إحسانٌ إليه؛ لما له من العوض فيما ندم عليه، لا سيما في بيع العقار، وتمليك الجوار. شجرة المعارف (ص: 123).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وذلك لما فيه من إدخال المسرة على المستقيل، فإنه لا يستقيل إلا نادمًا، فإقالته تفريج لكربته، وإزالة لندامته. التنوير (10/ 130).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه: دلالة على ندبية الإقالة. البدر التمام (6/ 147).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قال الشافعي: أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من أقال نادمًا بيعته أقاله الله عثرته» فهذا على النَّدب لا شك فيه، ولفظه يدل على ذلك. الاستذكار (6/ 477).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
فيه: سن الإقالة، ومحله في إقالة النادم، ولا يختص بالمسلم، وقد روى البيهقي: «من أقال نادمًا». فتح العلام (ص: 437).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
أولًا: جواز الإقالة، وهو كذلك، فالإقالة جائزة، بل نقول: في الحديث دليل على أن الإقالة مطلوبة مستحبة، ووجه الدلالة: أن الشارع رتَّب عليها ثوابًا، وهذا ترغيب من الشارع لفعلها، والترغيب إذا عُلِّق على حكم دل ذلك على أن هذا الحكم مطلوب شرعًا إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون مستحبًا حسب ما تقتضيه الأدلة.
ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هذا الذي أقال المسلم بيعته يقيل الله عثرته؛ لأن الغالب أن الإقالة إنما سببها الندم؛ فإذا أقلته وأزلت الندم عنه أقال الله عثرتك، فأزال الندم الذي يكون لك بالعثرة.
ومن فوائد الحديث -وإن كان يتكرر علينا كثيرًا-: الرد على الجبرية، حيث قال: «من أقال مسلمًا» وهذا يدل على أن للإنسان اختيارًا في الإقالة وعدمها، والجبرية يرون أنه لا اختيار للإنسان، وأن الإنسان مجبر على عمل.
وفي الحديث أيضًا: رد على غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله بأفعال العباد، ووجه ذلك قوله: «أقال الله عثرته» ولم يقل: «عثرته» إلا بعد العلم بإقالته. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (3/ 624-626).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا الحديث فيه: بيان أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل إقالة البيع، والجزاء إقالة العثرة يوم القيامة، وهو التجاوز عن الذنوب، فهو من الأدلة الدالة على أن الجزاء من جنس العمل، وهو مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». شرح سنن أبي داود (395/ 3).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
الإقالة هي: الفسخ بعد لزوم العقد. شرح المصابيح (3/ 440).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الإقالة في اللغة: الرفع.
وفي الشرع: رفع العقد الواقع بين المتعاقدين، وهي مشروعة إجماعًا، ولا بد من اللفظ المفيد لذلك، وهو لفظ: أقلتُ، أو: أنت مُقال، أو: أقالك الله، على ما جرى به العرف. البدر التمام (6/ 147).
وقال القاضي أبو يعلى -رحمه الله-:
واختلفت في الإقالة في البيع: هل هي فَسْخٌ أم بَيْع؟
فنقل يَعقوب بن بَختان: الإقالةُ فَسْخٌ، ونقل أبو طالب وأبو الحارث: الإقالةُ بَيْعٌ.
وَجْه الأولى: أنَّ المبيع عاد إلى البائع بلفظٍ لا ينعقد به بيع، فوجب أنْ يكون فَسْخًا كما لو عاد بالرَّدِّ بالعيب. ولأنها لو كانت بيعًا لَجازت بقدْر الثَّمن وأقلَّ منه وأكثر، وقد نصَّ أحمد –رحمه الله– في رواية ابن القاسم على أنها لا تجوز بزيادة، وإنما تجوز بالثَّمن، فثبت أنها فَسْخ.
ووجه الثانية: أنَّ المبيع يعود بالإقالة إلى البائع على الجهة التي خرج عليها منه، فلما كان العقد الأول بيعًا كذلك الثاني. ولأنها لو كانت فَسْخًا لجازت بعد تلف المبيع.
والأولى أصح، ولهذا الاختلاف فوائد:
إن قلنا: إنها فَسْخ لم يَجُز إلا بجِنس الثَّمن ونوعه وقدْره كالردِّ بالعيب، ولا يَستحقُّ الشريك الشُّفعة، ولو حَلَف لا يبيع فأقال لم يَحنَث، ويجوز في السَّلَم قبل قبضه، وفي البيع قبل القبض.
وإذا قُلنا: هي بَيْع استحقَّ الشريك الشُّفعة، ولم يَجز في السَّلَم، ولا في المبيع قبل القبض، ولا يمنع أن يجوز بزيادة في الثمن. المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 359-360)
وقال ابن الرفعة -رحمه الله-:
هل هي فَسْخ أم بَيْع؟ قولان:
أصحهما –وهو المنصوص عليه في الجديد–: الأوَّل؛ إذ لو كانت بيعًا لصحَّت من غير البائع، وبغير الثَّمن الأوَّل، ولا فُتِقَرَ إلى ذكر الثَّمن فيها، وكلُّ ذلك غيرُ مُعتبَر.
والمنصوص عليه في القديم –كما حكاه الإمام–: الثاني. كفاية النبيه في شرح التنبيه(9/260).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
اختلف العلماءُ في الإقالة: هل هي فَسْخ أو بَيْع؛ على قولين:
الأول: أنَّها فَسْخٌ وإلغاءٌ للعقد، وليست بيعًا؛ إذ هي ليست ابتداءَ عقد. وهذا روايةٌ عن الإِمام أحمد، اختارها الخَرَقي والقاضي والأكثرون، وهي أصحُّ الرِّوايتين.
ووجه هذا القول: أنَّ الإقالة هي الرَّفع والإزالة –كما تقدَّم–، وهذا عينُ الفَسْخ.
الثاني: أنَّها بَيْعٌ، وهو روايةٌ عن أحمد، ومذهبُ الإمام مالك؛ لأنَّ المبيع عاد إلى البائع الأوَّل على الصِّفة التي خرج عليها منه، فكان بيعًا كالأوَّل.
وهذا الخلافُ له فوائدُ كثيرةٌ، ذكرها ابن رجب في "ملحق القواعد". منحة العلام(6/١٥٠، 151)
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. استحباب إقالة النادم في البيع.
2. أن من ترك شيئًا لله -عزَّ وجلَّ- عوضه الله تعالى خيرًا منه. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (5/ 92).


إبلاغ عن خطأ