«الجاهرُ بالقُرآنِ كالجاهِرِ بالصّدقةِ، والْمُسرُّ بالقُرآنِ كالمُسرِّ بالصَّدقةِ»
رواه أحمد برقم: (17444)، وأبو داود برقم: (1333)، والترمذي برقم: (2919)، والنسائي برقم: (2561)، وابن حبان برقم: (734)، من حديث عُقبة بن عامر الجُهَني -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3105)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1204).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «الجاهرُ بالقرآنِ كالجاهِرِ بالصّدقةِ»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «الجاهرُ بالقرآن كالجاهرِ بالصّدقة» أي: الرافع صوتهُ بالقرآن كالْمُعلن بالصدقةِ في أنّه عُرضة للرياء. المنهل العذب المورود، (7/ 263).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة» أراد بالصدقة: النَّفل. الكوكب الدري (4/ 32).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الجاهرُ بالقرآن كالجاهرِ بالصدقةِ» أي: الذي يرفع صوته بقراءة القرآن كالذي يجهر بالصدقة، أي: كالمُعلن بالصدقة، وقد مدحه الله -تعالى- بقوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} البقرة: 271. ذخيرة العقبى (18/ 10).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: كما أن الجهرَ والسرَّ بالصدقة جائزان، فكذلك في القرآن، قال الله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} البقرة: 271، الحاصل: أن قراءة القرآن كصلاةِ النافلة، فكما أنّ إخفاء صلاة النافلة أفضل، فكذلك إخفاء قراءة القرآن، وهذا في غير الصلوات المفروضات، فإنَّ الجهر في صلاة الصبح، والركعة الأولى والثانية من المغرب والعشاء أولى؛ اقتداءً برسول الله -عليه السلام-، ولو قرأَ جماعة في مسجدٍ سُبعًا أو أكثر من القرآن جهرًا؛ ليعلِّم بعضُهم بعضًا اللحنَ والخطأ؛ وليستمع إليهم جماعة لينالوا ثواب الاستماع؛ وليرغب جماعةٌ في تعلم القرآن؛ وليحصل للمستمعين ذوقُ أصوات القارئين، وذوق معاني القرآن، وإظهار الدين، فإذا كان نيّتهم هذه الأشياء، فالجهر أَولى، كما أنّ الأذان في أي موضع أعلى أفضل؛ لأن رسول الله -عليه السلام- قال لأبي بكر: «ارفع من صوتك » ولأنه قال -عليه السلام-: «زيِّنوا أصواتَكم بالقرآن». المفاتيح (3/ 106-107).
وقال النووي -رحمه الله-:
جاءت آثارٌ بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثارٌ بفضيلة الإِسرار؛ قال العلماءُ: والجمع بينهما: أن الإِسرار أبعدُ من الرياء، فهو أفضل في حقّ مَن يخاف ذلك، فإن لم يَخَفِ الرياءَ، فالجهر أفضل، بشرط ألا يؤذي غيره من مصلٍّ، أو نائمٍ، أو غيرهما، ودليل فضيلة الجَهْر أن العمل فيه أكبرُ؛ ولأنه يتعدّى نفعه إلى غيره؛ ولأنه يُوقظ قلب القارئ، ويجمع همَّه إلى الفِكر، ويصرف سمعه إليه؛ ولأنه يطردُ النومَ، ويزيد في النشاط، ويُوقظ غيره من نائمٍ وغافلٍ، وينشّطهُ، فمتى حضَرهُ شيءٌ من هذه النيّات، فالجهرُ أفضل. الأذكار (ص:206).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا-:
اعلم أنه جاء أحاديث كثيرة في الصحيح وغيره، دالّة على استحباب رفع الصوت بالقراءة، وجاءت آثارٌ دالة على استحباب الإخفاء، وخفض الصوت، وسنذكر منها طرفًا يسيرًا إشارة إلى أصلها -إن شاء الله تعالى- ... ، ثبت في الصحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يقول: «ما أَذِنَ اللهُ لشيء ما أذن لنبيٍّ حسنَ الصوت، يتغنّى بالقرآنِ، يجهرُ به» رواه البخاري ومسلم، ومعنى أَذِنَ: استمع، وهو إشارة إلى الرضا والقبول (والسمع صفة ثابتة لله تعالى)، وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال: «لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آلِ داود» رواه البخاري ومسلم... وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة، وأما الآثار عن الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم، فأكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر، وهذا كله فيمَن لا يخاف رياءً ولا إعجابًا، ولا نحوَهما من القبائح، ولا يؤذي جماعةً يلبِّسُ عليهم صلاتهم، ويخلطها عليهم، وقد نُقِلَ عن جماعة السلف: اختيار الإخفاء لخوفهم مما ذكرناه...، ويُسْتَدَلُّ لهؤلاء بحديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والْمُسرّ بالقرآن كالْمُسرِّ بالصدقة» رواه أبو داود. التبيان في آداب حملة القرآن (ص:104-108).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«الجاهرُ بالقرآنِ كالجاهرِ بالصدقة...» هل المراد بالجاهر والْمُسِرّ: الذي يقرأ عند الناس في المسجد، يقرأ بين الناس إما برفع صوت، أو بخفض صوت، أو أن يقرأ بين الناس في المسجد، أو يقرأ في بيته؟ الجهر والإسرار كما يكون في الصّوت يكون أيضًا في الظهور والخفاء، والمطابقة إنما تتم بين الجهر والإسرار بالقرآن، مع الجهر والإسرار بالصدقة، أن تكون القراءةُ على الملأ أو في الخلوة؛ لأنه لا يُتصوّر أن يتصدق بصوت، أو بعدم صوت، إنما يتصدّق والناس ينظرون إليه، أو يتصدّق، فيخفي صدقته عن الناس، ومثل هذا قراءة القرآن، إذا قرأ بين الناسِ، ولو أسرّ بصوته، صار حكمُه حكم المُعلِن بالصدقة، لكن قد يعتري رفع الصوت بالقرآن بين الناس ما يعتريه، بخلاف الإسرار بالقراءةِ، ولو كانت بين الناس؛ لأنه إذا قرأ بصوتٍ يستحسنهُ الناس، ويمدحونه به، ويُثنون عليه، قد يتأثر بهذا المدح، بخلاف ما إذا قرأَ سرًّا، لا سيّما إذا كان هناك مَن يتشوّش بقراءته، فلا شك أن الإسرار أفضل. شرح الأربعين النووية (13/ 19).
قوله: «والمُسرُّ بالقُرآنِ كالمُسرِّ بالصَّدقةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والْمسِرُّ» أي: المُخفي «بالقرآن كالمُسرِّ بالصدقة». مرقاة المفاتيح (4/ 1503).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
معنى هذا الحديث: أن الذي يُسِرّ بقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بقراءة القرآن؛ لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدَقة العلانية، وإنما معنى هذا عند أهل العلم؛ لكي يأمنَ الرجل من العُجب؛ لأن الذي يسرُّ العمل لا يُخاف عليه العجب، ما يُخاف عليه من علانيتِه. سنن الترمذي (5/ 181).
وقال النووي -رحمه الله- معلقًا:
إن خافَ بسبب الجهر شيئًا مما يكرهُ، لم يجهر، وإن لم يخف، استحبّ الجهر، فإن كانت القراءة من جماعة مجتمعين تأكد استحبابُ الجهر... لما يحصل فيه من نفع غيرهم -والله أعلم-. التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 108).
وقال السندي -رحمه الله-:
الظاهر من الحديث: أن السرَّ أفضلُ من الجهر... لكن الذي يقتضيه أمره -صلى الله تعالى عليه وسلم- لأبي بكر «ارفعْ من صوتك» أن الاعتدال في القراءة أفضلُ، فإما أن يُحمل الجهر في الحديث على المبالغة، والسرّ على الاعتدال، أو على أن هذا الحديث محمولٌ على ما إذا كان الحال تقتضي السرَّ، وإلا فالاعتدال في ذاته أفضلُ -والله تعالى أعلم-. حاشية السندي على سنن النسائي (3/ 225).
وقال الألباني -رحمه الله- معلقًا:
قلت: والاحتمال الثاني أظهر والله أعلم-. جامع تراث العلامة الألباني (4/ 118).
وقال العيني -رحمه الله-:
وجه التشبيه بين الجاهرِ بالقرآن، والجاهر بالصدقة: أن الجاهر بالصدقة قلَّما يخلو عن الرياء؛ فلذلك كان الإخفاء فيها أفضل، فكذلك الإخفاء في القراءة أفضل، ووجه التشبيه بين المسرِّ بالصدقة، والمسرِّ بالقراَن: أن المسرَّ بالصدقة أسلم من الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، فكذلك المسرّ بالقراءة. شرح سنن أبي داود (5/ 238-239).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وأما تلاوةُ القرآن فهي من الذِّكرِ، فيكون الإسرار به أفضل، إلا أن يكون التدبّر مع الجهر أكثر، فهو أفضل؛ لأنه -تعالى- أمرَ بتدبّر آياته، وقد قرّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر على الإسرار وصوّبه، وقرّر عمر على الجهر وصوّبه، إذ علَّلَ كلُّ واحد منهما بعلّة تدل على صلاح النيّة فيما فعله. التنوير (2/ 242).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«والمسرُّ بالقرآن كالمسرِّ بالصدقة» ومن المعلوم أن الإسرار بالصدقة في بعض الأحيان يكون فيه فائدة أولى من الجهر، والجهر بالصدقة يكون أولى من الإسرار، فإذا كان الجهر بالصدقة وإظهارها يترتب عليه مصلحة، وهي أنه يُقتدى به في الخير، فهذا الجهر أولى، يعني: على نيّته، وإذا كان ليس هناك مَصلحة في إظهارها؛ فإن الإسرار يكون أولى، والجهر بالقرآن إذا كان هناك أحدٌ ينتفعُ منه ويستفيد، أو يستمع لقراءته، ولا يتأذَّى بقراءته أحدٌ، فهذا أفضل من هذه الناحية. شرح سنن أبي داود (162/ 20).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
وقال بعضهم: يستحبُّ الجهرُ ببعض القراءة، والإسرار ببعضها؛ لأن المسرّ قد يملُّ فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكلّ، فيستريح بالإسرار. الحاوي للفتاوي(1/ 470-471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث: أفاد أنَّ الإسرار أفضل؛ لبعده عن الرياء، وقيل: ما كان فيه التدبر أتم، فهو الأفضل، والحديث محمول على هذا. التنوير (5/ 285-286).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليلٌ على أن الإسرار بالقرآن أفضلُ من الجهر به، وهذا في القراءة خارج الصلاة، وفي صلاة الليل، لمَن يخشى رياءً أو تشويشًا من الجهر، أمّا مَن لم يخشَ ذلك فالتوسط في حقه أفضل؛ جمعًا بين الأحاديث. المنهل العذب المورود (7/ 263).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
1. بيان فضل إسرار القراءة على الجهرِ بها.
2. ومنها: جوازُ الجهر بالقراءة، والإسرار بها، وإن كان الإسرار أفضل.
3. ومنها: أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانِية. ذخيرة العقبى (18/ 11).
ينظر رأي الشيخ ابن باز -رحمه الله- في أفضيلة القراءة هل الجهر أم الإسرار ؟