«إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يدَّعِيَ الرَّجل إلى غير أبيه، أو يُرِيَ عَيْنَهُ ما لم تَرَ، أو يقول على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يَقُلْ».
رواه البخاري برقم: (3509)، من حديث واثلة بن الأَسْقَع -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الفِرَى»:
جمع فرية، والفرية: الكذب والبهتان والإخبار بكون ما لم يكن. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 438).
«يَدَّعِيَ»:
أي: ينتسب. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 438).
«أَوْ يُرِيَ»:
بضم التحتانية أوله، وكسر الراء، أي: يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئًا ما رأتاه. فتح الباري(6/ 541).
شرح الحديث
قوله: «إن مِن أِعظم الفِرَى»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
يعني: أكذب الكذب، والفرية: الكذبة العظيمة التي يُتَعَجَّبُ منها، وجمعها: فِرَىْ مقصور، مثل: لحية ولحى. شرح صحيح البخاري (9/ 556).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
و«الفِرَى» جمع الفرية: وهو الكذب المختلق. الكواكب الدراري (14/ 120).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إن من أَعظم الفِرَى» بكسر الفاء مقصور وممدود، وهو جمع: فرية، والفرية: الكذب والبُهْت، تقول: فرَى بفتح الراء فلان كذا: إذا اختلق، يفري بفتح أوله، وافترى: اختلق. فتح الباري (6/ 541).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن مِن أَعظم الفِرَى» بوزن: الشرى، أي: أكذب الكذبات الشنيعة؛ إذِ الفرية: الكذبة العظيمة، وجمعه: فرى، كمِرْيَة ومِرَىْ مقصور وممدود. فيض القدير (2/ 534).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
في رواية الشافعي: «إن أفرى الفِرَى» فجعل هذه الثلاثة أعظم أنواع الكذب بما قلنا، وفي رواية البخاري: «من أعظم الفِرَى» فجعلها بعضها، وجدير بها أن تكون أعظم أبواب الكذب بما قلنا. الشافي (5/ 562، 563).
قوله: «أن يدَّعي الرَّجل إلى غيرِ أبيه »:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«يَدَّعِيَ» بمعنى: ينتسب. كشف المشكل (4/ 135).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«إلى غير أبيه» هو من يرغب عن أبيه، ويلتحق بغيره، إما تركًا للأدنى، ورغبة في الأعلى، أو خوفًا من الإقرار بِنَسَبِهِ، أو تقرُّبًا إلى غيره بالانتماء إليه، وغير ذلك من الأغراض الداعية للإنسان إلى ارتكاب ذلك. الشافي (5/ 562).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لأنه كاذب آثم، كالذي يدَّعي أن الله -تعالى- خلقه من ماء فلان غير ماء أبيه، فهو كاذب على الله -تعالى-. التيسير (1/ 478).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أن يدَّعي الرَّجل إلى غيرِ أبيه» عدَّى الادعاء بـ«إلى» لتضمنه معنى الانتساب، وإنما صار أعظم؛ لأنه افتراء على الله -تعالى-؛ لأن المدَّعي إلى غير أبيه كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان، وإنما خلقه من ماء غيره. دليل الفالحين (5/ 320).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أن يدِّعي» بتشديد الدال المهملة «الرجل» أي: ينسب «إلى غير أبيه» بمعنى: ينسب هو نفسه، أو ينسبه غيره، فإنه لا يحل ذلك. التنوير (4/ 125).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أن يدَّعي الرَّجل إلى غيرِ أبيه» بفتح الياء؛ وتشديد الدال، وكسر العين، أي: أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه، والتعبير بالرجل للغالب، والمرأة حكمها حكم الرجل، ويجوز أن يبقى الادعاء على أصله، ويقدر مفعول محذوف، أي: أن يدَّعِيَ الرجل نسبًا إلى غير أبيه، وهذا أولى؛ لورود لفظ النسب في بعض الروايات. المنهل الحديث (3/ 202).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فإن حقَّ الوالدين مقرون بحق الله، في مثل قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} لقمان: 14، وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الإسراء: 23، فالوالد: أصله الذي منه خلق، والولد من كسبه، كما قال: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} المسد: 2، فالجحد لهما شُعبة من شُعب الكُفر؛ فإنه جحد لما منه خلقه ربه، فقد جحد خلق الرَّب إياه. مجموع الفتاوى (7/ 356).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
تختلف درجات الكذب باختلاف درجة المكذوب به، ودرجة المكذوب عليه، وكلما كانت آثار الكذبة أشد ضررًا، كانت الكذبة أعظم جرمًا، وأي كذبة أشد خطرًا من كذبة ينتسب بها المرء إلى غير أبيه، فيستحل مالًا لم يكن ليحل له، ويحمل اسمًا لم يكن ليحمله، ويأخذ حقوقًا لم يكن ليأخذها، جريمة كبرى يشترك فيها من يدعي أبًا غير أبيه مع هذا الرجل الذي ليس أبًا حقيقيًّا، ينتهكان بذلك شرع الله، وحقوق الناس، فما أعظم هذه الفرية؟! وما أشد خطرها على المجتمع الإسلامي؟! المنهل الحديث (3/ 201).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
وقد دلت الأحاديث المذكورة على أن هذا الحكم مشروط بالعلم بأنه غير أبيه، وهذا واضح؛ لأن الإثم إنما يترتب على العلم بالشيء المتعمد. المنهل الحديث (3/ 203).
قوله: «أو يُرِيَ عَيْنَهُ ما لم تَرَ»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وأشد الكذب إخبار الرجل بأنه رأى في المنام ما لم يره، وقد بيَّنَّا فيما تقدم أنه إنما اشتد الأمر في كذب من يكذب في منامه؛ لأن المنام جزء من الوحي، فكأنه يخبر أن الله -تعالى- ألقى إليه ما لم يلقه. كشف المشكل (2/ 589-590).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يريد: الكذب في رؤيا النوم، وسمى ذلك رؤيا عين: لأن الرؤيا وإن كانت رؤياه بنفسه لا بجارحة عينه، فإنه إنما يرى في النوم ما يراه مُتخيِّلًا بجارحة العين، ويسمع بجارحه الأذن، وغير ذلك من الجوارح؛ لأنها هي الطرق المألوفة في اليقظة في إيصال المحسوسات إلى النفس. الشافي (5/ 562).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«مَا لَمْ تَرَ» أي: العين، وفي بعضها: «مَاْ لَمْ تَرَيَاْ» باعتبار رؤية عينيه مثنى، فإن قلت: هو لا يري عينيه، بل ينسب إليهما الرؤية.
قلت: المقصود نسبته إليهما، وإخباره عنهما بالرؤية. الكواكب الدراري (24/ 135).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
أي: يزعم أنه رأى في المنام كذا، ولا يكون قد رآه، يتعمد الكذب، فهذا في الحقيقة كذب على الله؛ فإنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام. مصابيح الجامع (7/ 190).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولأحمد وابن حبان والحاكم من وجه آخر عن واثلة: «أن يفتري الرجل على عينيه، فيقول: رأيت، ولم يَرَ في المنام شيئًا». فتح الباري (6/ 541).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
«يُرِيَ» بضم أوله وكسر الراء، قوله: «عَيْنَهُ مَاْ لَمْ تَرَ» كذا فيه بحذف الفاعل وإفراد العين، ووقع في بعض النسخ: «مَاْ لَمْ يَرَيَاْ» بالتثنية، ومعنى نسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئًا: أنه أخبر عنهما بالرؤية وهو كاذب. فتح الباري (12/ 430).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وأما الكذب على المنام، فقال الطبري: إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه، إذ قد تكون شهادة في قتل أو حد، أو أخذ مال؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين؛ لقوله -تعالى-: {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} هود: 18 الآية، وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله؛ لحديث: «الرؤيا جزء من النبوة» وما كان من أجزاء النبوة، فهو من قبل الله -تعالى-. انتهى ملخصًا. فتح الباري (12/ 428).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وأما المنام فإنه لما كان جزءًا من الوحي، كان المخبر عنه بما لم يقع كالمخبر عن الله بما لم يلْقَهُ إليه؛ أو لأن الله يرسل ملك الرؤيا فيُرِيْ النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذبًا على الله وعلى الملك، كما أن الذي يكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- ينسب إليه شرعًا لم يقله، والشرع غالبًا إنما تلقاه النبي -صلى الله عليه وسلم- على لسان الملك، فيكون الكاذب في ذلك كاذبًا على الله وعلى الملك. فتح الباري (6/ 541-542).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أجاب بعضهم: بأن الرؤيا جزء من النبوة، فمن زعم أنه رأى شيئًا لم يره فقد ادعى أنه أُعْطِيَ جزءًا من النبوة، وهذا افتراء على الله -تعالى-، والافتراء عليه -تعالى- أعظم من الافتراء على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا ليس بشيء؛ لأن الرؤيا الصادقة هي جزء من النبوة كما سبق، لا مطلق الرؤيا، بل الجواب: أن خلق الرؤيا في قلب النائم فعل الله -تعالى-، فإذا أخبر بما لم يَرَهُ فقد افترى على الله، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا.
فإن قلت: فأيُّ فرق في الكذب على الله بين اليقظة والمنام؟
قلت: الفرق أن حالة النوم ليس للرأي إحساس وكسب، بل بمحض خلق الله، فهو في ذلك يدَّعي الاتصال بعالم الملكوت، وحلول الفيض عليه، ولا شك أن الجناية في ذلك أعظم. الكوثر الجاري (6/ 354).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لما كان سلطان النوم يظهر في العين، ويُنْسَبُ إليها، فيقال: نامت عينه، كما قال:
لا ينزل المجد إلا في منازلنا *** كالنوم ليس له مأوى سوى الْمُقَلِ
نسبت الرؤيا إليها؛ لأن العين عمدة الرؤية ليلًا ونهارًا. التنوير (4/ 126).
قوله: «أو يقول على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يَقُلْ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أو يقول» بفتح التحتانية أوله، وضم القاف، وسكون الواو، وفي رواية المستملي: بفتح المثناة والقاف، وتثقيل الواو المفتوحة (تَقَوَّل). فتح الباري (6/ 541).
وقال العيني -رحمه الله-:
ومعناه (أي: «تقوَّل» في رواية المستملي): افترى، قوله: «ما لم يَقُل» مفعول: يقول، أي: ما لم يقل الرسول. عمدة القاري(16/ 80).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أو يقول على رسول الله» أي: ينسب إليه من الحديث «ما» أي: شيئًا أو الذي «لم يقل» وقد صح متواترًا: «من كذب عَلَيَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». دليل الفالحين (5/ 320).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أو تقول على رسول الله ما لم يقل» أي: ينسب إليه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا فإنهما من القول، فإن إثمه من أعظم الإثم. التنوير (4/ 125).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فالكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجدر ألا يصلح في دين ولا دنيا؛ إذ الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، وأن الدعاء الذي دعا على من كذب عليه لأحق بمن كذب عليه في كل شيء. شرح صحيح البخاري (1/ 184).
وقال البغوي -رحمه الله-:
اعلم أن الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافر على الله، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار» ولذلك كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ خوفًا من الزيادة والنقصان والغلط فيه، حتى إن من التابعين من كان يهاب رفع المرفوع، فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم من يسند الحديث حتى إذا بلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: ولم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم من يقول: رفعه، ومنهم من يقول: رواية، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكل ذلك هيبة للحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخوفًا من الوعيد. شرح السنة (1/ 255-256).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
من أعظم الكذب إثمًا: الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الكذب عليه يشتمل على تبديل الشرع، وتقلب الأحكام، فقد جاء في الحديث: «تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وإذا حدثتم عني فلا تكذبوا علي، فليس كذبًا علي ككذب على غيري» يعني -صلى الله عليه وسلم-: أن الحكاية عن بني إسرائيل لا تتخذ شرعًا، وأن القول عنه -صلى الله عليه وسلم- يتخذ شرعًا. الإفصاح (1/ 253).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكبائر الموبقة، والذنوب المهلكة؛ لأنه مُضِرٌّ بأصل الدين، مفسدة في أمر الإيمان، والكاذبون على النبي كثيرون، وقد اختلفت طرق كذبهم، وقد أشرنا إلى بعض ذلك في مقدمة كتابنا جامع الأصول، ولعناية الله بدينه، وحفظ شريعته، قيض لهؤلاء الكاذبين أولئك الأئمة الأعلام، الذين بحثوا عن أحوال الرواة، ونقبوا عن أمورهم، وتطلبوا مخرج الأحاديث ومصدرها وموردها، وكشفوها كشفًا جليًّا، حتى أظهروا ما فيها من العوار، وأسقطوا ما تقوله الكذبة الأشرار، حيث لم يثبت على محل الاعتبار، ولا اطَّرد في قضية الأخبار. الشافي (5/ 564).
وقال النووي -رحمه الله-:
تعظيم تحريم الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم-، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف. شرح صحيح مسلم (1/ 69).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه من الكبائر، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فحكم بكفر من وقع منه ذلك، وكلام القاضي أبي بكر ابن العربي يميل إليه، وجهل من قال من الكرامية وبعض المتزهدة: إن الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- يجوز فيما يتعلق بتقوية أمر الدين، وطريقة أهل السنة الترغيب والترهيب، واعتلوا بأن الوعيد ورد في حق من كذب عليه، لا في الكذب له، وهو اعتلال باطل؛ لأن المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب، سواء كان له أو عليه، والدين بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب. فتح الباري (6/ 499).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
والحكمة في التشديد في الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- واضح، فإنه إنما يخبر عن الله؛ فمن كذب عليه كذب على الله -عز وجل-، وقد اشتدَّ النكير على من كذب على الله -تعالى- في قوله -تعالى-: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} الأعراف: 37، فسوَّى بين من كذب عليه وبين الكافر، وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} الزمر: 60، والآيات في ذلك متعددة، وقد تمسك بعض أهل الجهل بقوله -تعالى-: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 144، وجاء في بعض طرق الحديث: «من كذب عَلَيَّ». فتح الباري (6/ 541، 542).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
ومعنى الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن يُنْسَبَ إليه قول أو فعل لم يصدر عنه، سواء كان ذلك في نفسه حسنًا أو قبيحًا. الكوثر الجاري (1/ 225).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وحينما يكون المكذوب عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي يبلغ عن ربه ما أنزله إليه، حين يدعي مدع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وهو لم يقل، تضطرب الشريعة، وينسب إلى الله ما لم يأذن به -جل شأنه-. المنهل الحديث (3/ 201).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
إنما صح جمع بين هذه الثلاثة في حديث واحد لمناسبة بينها، وأنها من أعظم أبواب الكذب؛ وذلك أن الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- لا شبهة في عظمه وإكباره؛ وذلك أنه كذب في أصل من أصول الدين، وهدم لقاعدة عظيمة من قواعد الشرع، والكذب عليه كذب على الله؛ لأنه ما نطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وأما الكذب في النوم؛ فلأن الرؤيا الصالحة جزء من أربعين جزءًا من النبوة، أو من ستة وأربعين، أو غير ذلك على اختلاف الروايات، وقد كان الوحي إلى الأنبياء وإلى نبينا -صلى الله عليه وسلم وعلى آل كلٍ وسلم-، في كثير من الأمر في النوم، والمنام طرف من الوحي يريه الله -تعالى- عباده، فإذا كذب فيه فقد كذب في نوع من الوحي؛ فلذلك كان من أعظم أبواب الكذب، وأما الادعاء إلى غير الأب؛ فلأمور؛ منها: أنه قد جاء في الحديث: أن مما كانوا يتلونه من القرآن: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم»، والذي جاء في القرآن صريحًا في حق الأدعياء قوله -تعالى-: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} الأحزاب: 5، وهذا نص في لزوم النسب، وإذا خالف أحدهم نص القرآن كاذبًا كان ذلك مع اعتقاده كفرًا، وهو من أعظم أبواب الكذب؛ لأنه تكذيب للوحي، وقد لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأة أدخلت على قوم ولدًا ليس منهم، ويكفي ذلك تعظيمًا وتغليظًا.
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أن هذه الخصال الثلاث من أعظم الكذب؛ لأن المنتسب إلى غير أبيه يدعي أن الله خلقه من ماء فلان، والكذب في الرؤيا كذب على الله؛ لأنها جزء من النبوة، وعن ابن عباس مرفوعًا: «من تحلم بحلم لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» والكذب على الرسول -صلى الله عليه وسلم- كذب في الدين، وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». تطريز رياض الصالحين (ص:512).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث: تشديد الكذب في هذه الأمور الثلاثة، وهي الخبر عن الشيء أنه رآه في المنام، ولم يكن رآه، والادعاء إلى غير الأب، والكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح الباري (6/ 541).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ففيه: تحريم دعوى ما ليس له من كل شيء، سواء تعلَّق به حق لغيره أم لا، وأنه لا يحل لأحدٍ أنْ يأخذ ما حكم له الحاكم إذا كان لا يستحقه. التوضيح (20/ 58).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
في الحديث: تشديد الوعيد على ثلاث كذبات: الكذب في الانتساب وادعاء ابن لفلان وهو غير أبيه، أو الرضا بادعاء آخر بُنُوَّتَه وهو يعلم أنه غير أبيه، الثانية: الكذب في المنام، وادعاء أنه رأى ما لم يَرَ، والثالثة: الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. المنهل الحديث (3/ 202).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
* كيف تتعامل مع ما ترى في منامك؟
* خطر تغيير الأنساب والانتساب لغير الأب.