«إنَّ أبغضَ الرجالِ إلى اللهِ الألَدُّ الخَصِمُ»
رواه البخاري برقم: (2457)، ومسلم برقم: (2668)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الألَدُّ»:
أي: الشديد الخصومة، واللَّدَد: الخصومة الشديدة. النهاية، لابن الأثير (4/ 244).
«الخَصِمُ»:
بكسْرِ الصَّاد، أي: الكثير الخِصَام. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 242).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«الألدُّ الخَصِم» الرواية «الخصم» بسكون الصاد، وقد قيَّده بعضهم بكسرها، وكلاهما اسم للمخاصم...، فأما الذي بالكسر فهو الشديد الخصومة. المفهم (6/ 689-690).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إنَّ أبغضَ الرجالِ إلى اللهِ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أبغضُ الرجالِ» هذه صيغةٌ تفضيل من البُغض، وهو: الكراهة، وقوله: «الرجال» هذا من باب التغليب، وإلا فالمرأة مثلُه؛ لكن لما كانت المرأةُ ضعيفةً في الخصومة، كما قال الله -تعالى- عنها: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الزخرف: 18، كان ذِكر الخصومة في جانبها لا حاجة له. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 416-417).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أبغض الرجال إلى الله» أشدهم مبغوضية إليه. التنوير (1/ 248).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«أبغض الرجال إلى اللَّه» أي: أكثر الناس استحقاقًا لغضب اللَّه وسخطه ومقته. فقه الإسلام (10/ 284).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«أبغض الرجال...» ولا وجه لتخصيص هذا بالكافر؛ لأن الغرضَ تنفير المسلم عن ارتكابه، ولا ضررَ في أن يكون المسلم أبغض الرجال باعتبار الوصف. الكوثر الجاري (11/ 88).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أبغض الرجال» المخاصمِين، وكذا الخناثي والنساء، وإنما خصّ الرجال؛ لأن اللَّدَد فيهم أغلب؛ ولأن غيرهم لهم تبعٌ في جميع المواطن، ألا ترى إلى قول الزمخشري (في الكشاف): اكتفى الله بذكر توبة آدم دون حواء؛ لأنها كانت تبعًا، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك. فيض القدير (1/ 80).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلت: الأبغض: هو الكافر، قلتُ: معناه: أبغض الكفار، الكافر المعاند، أو أبغض الرجال المخاصِمين. الكواكب الدراري (24/ 226-227).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: والثاني هو المعتمد، وهو أعمّ من أن يكون كافرًا أو مسلمًا، فإن كان كافرًا فأفعل التفضيل في حقه على حقيقتها في العموم، وإن كان مسلمًا، فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تفضي غالبًا إلى ما يُذَمُّ صاحبه، أو يخصّ في حق المسلمين بمَن خاصم في باطل، ويشهد للأول حديث: «كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا» أخرجه الطبراني، عن أبي أمامة بسند ضعيف (وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4186)، وورد الترغيب في ترك المخاصمة، فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة رفعه: «أنا زعيمٌ ببيت في رَبَض الجنة (أي: ما حولها خارجًا عنها أو طرفها)، لمَن ترك المراء وإن كان محقًّا» فتح الباري (13/ 181).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: لما كان اللَّدَد حاملًا على المَطْل بالحقوق، والتعريج بها عن وجوهها، واللَّيِّ بها عن مستحقيها، وظلم أهلها؛ استحق فاعل ذلك بغضةَ اللهِ، وأليم عقابه. شرح صحيح البخاري (8/ 259).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصدُ بخصومته: مدافعة الحق، وردّه بالأوجه الفاسدة، والشُّبه الْمُوهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كخُصومة أكثر المتكلمين المُعرضين عن الطرق التي أرشدَ إليها كتاب الله، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وسلف أُمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية. المفهم (6/ 690).
قوله: «الألدُّ الخَصِمُ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «الألد الخَصم» الألدّ: الشديد الخُصومة، مأخوذة من لَديدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما أخذت عليه جانبًا من الحُجَّة أخذ في جانبٍ آخر، وقيل لأعماله: لدِيديَه عند كثرة الكلام، وهما جانباه (أي: جانبا فمه)، و«الخصم» على مثال "سمع": الحاذق بالخصومة، وكانت الجاهلية تتمادح بذلك، فذمَّه -عليه السلام-؛ لأنه قلَّ ما يكون في حقّ، قال الله -تعالى-: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} غافر:5، وأما الخصومة في الحق وطلبه على وجهه، والجدال بالتي هي أحسن، فغير مذموم، قال الله -تعالى-: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} العنكبوت: 46. إكمال المعلم (8/ 162).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«الألدُّ الخصِم» الألدّ: اسم فاعل من: لدّ في الخصومة، يَلَدُّ -بفتح العين- لَدًّا: إذا اشتد في خصومته، فهو ألد، والجمع: لُدٌّ، ومنه قوله -تعالى-: {قَوْمًا لُدًّا} مريم: 97، وامرأة لدّاء...، وعلى هذا: فالألدّ صفة، فكان حقّه أن يكون تابعًا للخصم، فيقول: "الخصم الألد" لكنّه لَمّا كثر استعماله، عُومِلَ معاملة الأسماء، وحُذِي به حذو قوله تعالى: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} فاطر: 27؛ لأن الأصل أن يقال: "أسودٌ غِربِيب" فلو جاء على الأصل لقال: "وسودٌ غرابيبُ"، وهذا «الخَصِم» المذموم: هو الذي يعدل عن الحق في خصومته، ويُوهِّيه، ويعضدُ الباطل، ويُقوِّيه، فأما مَن اشتدت خصومته في حق؛ حتى يظهره ويُبديه، ويزيح الباطل ويُخفيه؛ فهي حالة القائمين بالحق، الناصرين له، الذين لا يزالون ظاهرين إلى يوم الدين. المفهم (5/ 180).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الخَصِم» كثيرُها، بحيث تصيرُ الخصومة عادتهُ وشأنه. تحفة الأبرار (2/ 567).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«الخَصِم» بفتح المعجمة، وكسر المهملة، تأكيد للأول، أو أبلغ منه في الخصومة، فهو أخص منه. تحفة الباري (7/ 546).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
«الألدُّ الخَصِم» فهو يجادلُ عن نفسه بالباطل، وفيه لَدَد، أي: ميلٌ واعوجاجٌ عن الحق، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن تكون مجادلته وذبُّه عن نفسه مع الناس.
والثاني: فيما بينه وبين ربه، بحيث يقيم أعذار نفسه، ويظنها محقّة، وقصدها حسنًا، وهي خائنة ظالمة، لها أهواء خفية، قد كتمتها حتى لا يُعرف بها الرجل. مجموع الفتاوى (14/ 445).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«الألدُّ الخَصِم» بفتح المعجمة، وكسر الصاد المهملة...، يحتمل أن يكون المراد: الشديد الخصومة؛ فإن «الخَصِم» من صيغ المبالغة، فيحتمل الشدة، ويحتمل الكثرة... «الألدُّ» مشتق من اللَّدَ د، وهو الاعوجاج والانحراف عن الحق، وأصله من اللّديد، وهو جانب الوادي، ويطلق على جانب الفم...، وعن محمد بن كعب قال: «الألدّ» الكذاب، وكأنه أراد أن مَن يكثر المخاصمة يقع في الكذب كثيرًا. فتح الباري (13/ 180-181).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الألدُّ» بفتح الهمزة واللام وشدّ الدال، أي: الشديد الخصومة بالباطل، الآخذ في كُل لَدَد، أي: في كل شيء...، وسمي ألدّ لاستعماله لَدَديه، أي: جانبي فمه وعنقه، وذهب بعضهم إلى أن "أل" في: «الرجال» للجنس، وفي: «الألد» للعهد، والمراد به: الخصم الذي خصامه ومجادلته مع الله، والذم وصف للمخاصم، والصفة، وهو كونه مُنشأ من موات وهو المنيّ: {أَوَ لَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} يس: 77...، أو أن المراد: «الألدّ» في الباطل، المستحل له، أو أن ذلك ورد على منهج الزجر لمَن هذه صفته، وتنبيهًا على قُبح حاله، وتفضيحه بتهجين عادته، وتفظيع طريقته، فعسى أن ينجع فيه هذا التشنيع، فيلين قلبُه، وتنقاد نفسُه، وتضمحل رذائلُه، فيرجع عما هو عليه من الشرور، فيحصل له السرور بدخوله في قوله -تعالى-: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} البقرة: 160. فيض القدير (1/ 80).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«الخَصِم» بفتح المعجمة، وكسر المهملة، أي: المولَع بها، الماهر فيها، الحريص عليها، المتمادي في الخصام بالباطل، لا ينقطع جداله، وهو يُظهرُ أنه على الحسن الجميل، ويوجه لكل شيء من خصامه وجهًا؛ ليصرفه عن إرادته من القباحة إلى الملاحة، ويزين بشقشقته الباطل بصورة الحق، وعكسه، بحيث صار ذلك عادتهُ ودَيْدنه. فيض القدير (1/ 80).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «الألدّ» يعني: الصعب، الذي كلَّما ذكرت له شيئًا، حملهُ على محمل آخر، أو قال: نعم هذا صحيح، لكن ربّما، فهذا الألدّ مأخوذ من لدودة الوادِي، أي: جانبيه؛ لأنه كلما حملته على جانب، حوّله الى جانب آخر، و«الخَصِم» يعني: الذي يخصم غيره، لكن بالباطل، وأما الذي يخصم غيره بحق، فهذا حق، وليس مبغوضًا إلى الله -عز وجل-، وهذا يقع كثيرًا، خصوصًا فيمَن أعجبوا بأنفسهم، ورأوا أنهم أصحاب الرأي والعقل والعلم، فتجدهم إذا حاجّهم أحد في ذلك، جعلوا يأتون بالأشياء البعيدة، والاحتمالات البعيدة؛ من أجل إفحام الخصم، والانتصار لأنفسهم. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 417).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
إذا كان الرجل ذا قُدرة عند الخصومة -سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا- على أنْ ينتصر للباطل، ويخيّل للسامع أنه حق، ويوهِنُ الحق، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات، ومن أخبث خصال النفاق. جامع العلوم والحكم (ص: 905).
وقال محمد الخولي -رحمه الله-:
الحديث بإطلاقه يشمل مَن يجادل لاستيفاء حق، ولكن ذلك لا يدخل فيه؛ فإن لصاحب الحق مقالًا، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما المراد به: مَن يخاصم في باطل، أو يجادل بغير علم، كالمُحامين الذين لم يدرسوا القضية، أو درسوها، وعرفوا باطلها، ودافعوا فيها، وكالجدليِّين الذين يحامون عن الآراء الباطلة، والعقائد الزائغة، حتى يضل بهم العامة، أو ذوو العقول الصغيرة، سواء كان ذلك بالتأليف، أو بالحديث في المجالس، ويدخل في الذم: من يخاصم في الحق، ويتجاوز في الخصومة قدر الحاجة فيسب ويكذب لإيذاء خصمه، أو يخاصمه عنادًا؛ ليقهره ويذله، وفي الدفاع بالباطل جاء قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} النساء: 107. الأدب النبوي (ص: 200).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: لا بُدَّ للإِنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه.
فالجوابُ: ما أجابَ به الإِمامُ الغزالي: أنَّ الذَّمَّ المتأكّدَ إنما هو لمن خاصمَ بالباطل، أو بغير علمٍ، كوكيل القاضي، فإنه يتوكَّلُ في الخصومة قبل أنْ يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانب هو، فيخاصمُ بغير علم. الأذكار (ص: 371).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفي بعض كتب الشافعية: أنَّها تُرَدُّ شهادة من يكثر الخصومة؛ لأنها تنقص المروءة، لا لكونها معصية. سبل السلام (2/ 685).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث:
- التحذير من الخصومة، والخصومة من شدة الجدال، وأن كثير الخصومة يبغضه الله -عز وجل-.
- وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يكون سهلًا بعيدًا عن الخصومة والجدال والنزاع والشقاق، وأن يسلك الطريق الأيسر والأسهل «يسروا ولا تعسروا».
- وفيه: إثبات البغض لله -عز وجل-، والرد على مَن أنكره. توفيق الرب المنعم (7/ 471).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث فوائد:
- إثبات البغض لله -عز وجل-، وأن بغض الله -تعالى- يتفاوت؛ لقوله: «أبغض».
- أن الأعمال السيئة تتفاوت بالقبح؛ لقوله: «أبغض» كما أن الأعمال الصالحة تتفاوت في الحُسن والمحبة.
ومن فوائد الحديث: أنَّ اللدود الخصم مكروه عند الله، وهذا يقتضي أنْ يكون الاتصاف بهذه الصفة حرامًا.
فإن قال قائل: إذا كان هذا يحاج لإثبات الحق، وإبطال الباطل؟
قلنا: هذا محبوب عند الله، وليس هذا ممّن يتصف بهذه الصفة؛ لأنه ليس ألدّ خصِم، ولكنه يريد الوصول الى الحق. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 417).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ الخصومة بالباطل حرام، وكذا الخصومة الكثيرة بالحق.
قال العلماء: ومن أساء الأدب بتكذيب الشهود، أو اللَّدد، نهاه القاضي، فإنْ عاد عزَّره، واللدد مثل: (أن) يقطع على الخصم؛ زاعمًا أنَّ له بينة، ويحضره ثانيًا وثالثًا، وكما لو حضَّر رجلًا، وادعى عليه، وقال: لي بينة، وثانيًا وثالثًا إيذاءً. الأزهار، مخطوط، لوح (347).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. أنَّ اللَّدَدَ في الخصومة ليس من صفات كَمَلَةِ المؤمنين.
2. وأنه يستوجب غضب اللَّه وسخطه ومقته. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 284).
وللفائدة ينظر: