الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال لقومٍ يَتَخَلَّفُونَ عنِ الجُمُعَةِ: لقدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ رجلًا يُصَلِّي بالناسِ، ثم أُحَرِّقَ على رجالٍ يَتَخَلَّفُونَ عنِ الجُمُعَةِ بُيُوتَهُم».


رواه مسلم برقم: (652)، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«هَمَمْتُ»:
بفتح الهاء، وبالميمين. الفيض الجاري، للعجلوني (13/213).
أي: قَصَدْتُ. الكواكب الدراري، للكرماني (5/ 36).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يُقال: هَمَمْتُ بِالشَّيْءِ هَمًّا، مِن بابِ قَتَلَ: إذا أَرَدْتَهُ ولم تَفْعَلْهُ، وفي الحديثِ: «لقدْ هَمَمْتُ أنْ أَنْهَى عَنْ الغِيلَةِ (أي: وطء المرْضِع)». المصباح المنير (2/ 641).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال لقومٍ يَتَخَلَّفُونَ عنِ الجُمُعَةِ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«قال لقومٍ» أي: شأنهم، أو عنهم. فتح الإله (5/235).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
«لقومٍ» أي: في شأنهم، قال ابن حجر (يعني: الهيتمي): أو عنهم، وهو غير صحيح، كما لا يخفى. مرقاة المفاتيح (3/ 1026).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اختلفت الروايات والعلماء في تعيين الصلاة المتوعَّد على تركها بالتخويف، هل هي العشاء أو هي الصبح أو الجمعة؟ فظاهر الرواية الثانية، وهي رواية الأعرج عن أبي هريرة: أنَّ المراد العشاء؛ لقوله في آخره: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا، أو مرماتين (سهمين) حسنتين لشهد العشاء» وقد ورد التصريح به فيما رواه عبد الله بن وهب...، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقن حول بيوتهم» وحكى ابن بطال هذا القول عن سعيد بن المسيب، وقيل: هي العشاء والصبح معًا، ويدل له ما رواه الشيخان في بعض طرق هذا الحديث: «إنَّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت...» فذكره، وقيل: هي الجمعة، ويدل له رواية البيهقي المذكورة في الأصل: «فأحرِّق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة» ويدل له أيضًا ما ذكرته في الأصل من كتاب مسلم من حديث ابن مسعود «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممتُ...» فذكره، وحكى ابن بطال هذا القول عن الحسن البصري وعن ابن معين أيضًا أنه قال: إنَّ هذا الحديث في الجمعة، لا في غيرها، انتهى.
وهذا مما يُضعِّف قول من احتج بالحديث على أنَّ الجماعة فرض عين؛ لأنه إذا كان المراد الجمعة فالجماعة فيها شرط، فلا يبقى فيه دليل على الجماعة في غيرها من الصلوات، قال ابن دقيق العيد: ويحتاج أنْ ينظر في تلك الأحاديث التي ثبتت في تلك الصلاة أنها الجمعة أو العشاء أو الفجر، فإن كانت أحاديث مختلفة، قيل: بكل واحد منها، وإنْ كان حديثًا واحدًا اختلف فيه بعض الطرق، وعُدِمَ الترجيح، وُقِفَ الاستدلال، هذا حاصل كلامه.
قلتُ: رواية البيهقي في كونها الجمعة، ورواية كونها العشاء والصبح حديث واحد، وحديث ابن مسعود في كونها الجمعة حديث آخر مستقل بنفسه، فعلى هذا: لا يقدح حديث ابن مسعود في حديث أبي هريرة، وينظر في اختلاف حديث أبي هريرة، وقد رجح البيهقي رواية الجماعة فيه على رواية الجمعة، فقال بعد رواية الجمعة فيه: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعة، وقال النووي في الخلاصة بعد حكاية كلام البيهقي: بل هما روايتان، رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة في سائر الصلوات، وكلاهما صحيح. طرح التثريب (2/ 309-310).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم، وفيه: الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقل؛ لأنَّ مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النووي والمحب الطبري، وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة على ذكر العشاء. فتح الباري (2/ 128).

قوله: «لقدْ هَمَمْتُ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
اللام جواب القسم، ومعنى «هممتُ»: قصدتُ، والهم: العزم، وقيل: دون العزم. فتح المنعم (3/ 373).
وقال العجلوني -رحمه الله-:
«لقد هممتُ» أي: واللهِ لقد أردتُ. الفيض الجاري (13/213).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لقد هممتُ» أي: والله لقد عزمتُ. فيض القدير (5/ 281).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
«ولقد هممتُ» الهم بالشيء غير فعله. العدة في شرح العمدة (1/ 350).

قوله: «أنْ آمُرَ رجلًا يُصَلِّي بالنَّاسِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«أنْ آمُر» بالمد، وضم الميم. فيض القدير (5/ 281).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يصلي بالناس» أي: إمامًا لهم. البحر المحيط الثجاج (14/ 235).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
في قوله: «آمر رجلًا...» دليل على أنَّ الإمام إذا عَرَضَ له شغل يستخلف مَن يصلي بالناس، وعلى جواز انصراف الإمام لعذر. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1128).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنْ قال قائل: لو فعل هذا لفاتته الجمعة، فما وجه هذا القول؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ أبا هريرة قد روى هذا الحديث في الجماعات لا في الجمعة، فهو في الصحيحين من حديثه، وحديث ابن مسعود من أفراد مسلم، فذاك مُقدَّم.
ويحتمل: أنْ يكون الراوي قد سها من ذكر الجماعة إلى الجمعة.
والثاني: أنَّه قاله على وجه المبالغة ولم يفعله، كما قال: «مَن قتل عبده قتلناه».
والثالث: أنه يمكن أنْ يمضي فيأمر بتحريق بيوت أقوام سمعوا التأذين، ثم يعود فيدرك الصلاة. كشف المشكل (1/ 338).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الجواب: أنَّ أصحابنا (يعني: الشافعية) ذكروا من الأعذار في الجمعة والجماعة من له غريم يخاف فوته، والظاهر: أنَّ أرباب الجرائم في حق الإمام ونائبه كالغرماء، حتى إذا خشي أنْ يُفَوِّتُوْهُ إنْ شهد الجماعة أو الجمعة كان له ذلك -والله أعلم-. طرح التثريب (2/ 313).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هو تحقيق حسن -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (14/ 236).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قلتُ: المقصود: التغليظ والمبالغة دون الحقيقة، على أنَّه يجوز تركه إلى بدل؛ لمصلحة ضرورة إذا أدَّى إليه الاجتهاد، ولكن الإحراق إنما يتصور إذا كان تخلفهم جحودًا، ولعله وقع قبل نسخ الهمِّ بالتحريق.
قلتُ: لا يلزم مِن جَعْل الخليفة ترك فرض الجمعة مطلقًا، فإنَّه يتصور تكرارها، كما هو الآن من المسائل الاجتهادية الخلافية، ففي شرح المنية: إنَّما تجوز إقامة الجمعة في المصر في موضع واحد لا أكثر في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وعنه كقول محمد (يعني: ابن الحسن): أنها تجوز في مواضع متعددة، قيل: وهو الأصح، وعن أبي يوسف: يجوز بموضعين لا غير، وقال ابن الهمام: قال السرخسي: الصحيح من مذهب أبي حنيفة: جواز إقامتها في مصر واحد في مسجدين وأكثر، وبه نأخذ؛ لإطلاق "لا جمعة إلا في مصر"، فإذا تحقق، تحقق في كل منها، قال ابن الهمام: وهو الأصح، فارتفع الإشكال من أصله، ثم لا بد من إمكان الحقيقة على لسان صاحب الشريعة، وإن قَصَدَ التغليظ والمبالغة، وقد تقرَّر أنَّ تخلفهم ما كان إلا جحودًا؛ لما ثبت أنَّ في زمنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكن يتخلَّف عن الجماعة، فضلًا عن الجمعة من غير عذر إلا منافق ظاهر النفاق لا مستور الشقاق، ونسخ الهمِّ بالتحريق غير معروف عند أهل التحقيق، نعم الجمهور على منع تحريق المال، وأجمعوا على منع تحريق غير المتخلف والغال. مرقاة المفاتيح (3/ 1026-1027).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قالوا: يجوز للإمام إذا عرض له شغل ديني أنْ يستخلف مَن يصلي بالناس. لمعات التنقيح (3/ 497).

قوله: «ثم أحرِّقَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«أحرِّق» بالتشديد للتكثير. فيض القدير (5/ 281).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ثم أحرق» بالتخفيف والتشديد. لمعات التنقيح (3/ 497).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم أحرق» بتشديد الراء، من التحريق، ويحتمل: أنْ يكون من الإحراق. البحر المحيط الثجاج (14/ 235).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«أحرقَ» بالنصب من الإحراق، أو من التحريق. مرعاة المفاتيح (4/ 454).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
يعني: ثم أنطلق وأطَّلع على مَن لم يحضر الجمعة، فآمر بإحراق بيوتهم. مبارق الأزهار (2/ 367).

قوله: «على رِجالٍ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«على رجال» خرج به الصبيان والنساء والخناثى. فيض القدير (5/ 281).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قيل: هذا مختصٌّ بزمانه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لم يتخلَّف عن الجمعة في ذلك الوقت إلا منافق.
ويحتمل: أنْ يُجعل عامًا، فيكون تشديدًا على تاركي الجمعة بغير عذر، وتنبيهًا على عظم إثمهم. مبارق الأزهار (2/ 367).

قوله: «يَتَخَلَّفُونَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يتخلَّفون» أي: بغير عذر. مرقاة المفاتيح (3/ 1026).

قوله: «عن الجُمُعة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عن الجمعة» أي: عن أداء صلاة الجمعة في المسجد. البحر المحيط الثجاج (14/ 235).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«يتخلَّفون عن الجمعة» وفي رواية: «العشاء» وفي أخرى: «العشاء أو الفجر» ولا تعارض لإمكان التعدُّد. فيض القدير (5/ 281).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
اختلف في هؤلاء القوم المتخلفين عن الصلاة:
فقيل: كانوا منافقين، وسياق الحديث يقتضيه؛ فإنَّه لا يظن ذلك بالمؤمنين من الصحابة من تركهم الصلاة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي مسجده.
وقيل: يحتمل أنَّ ذلك التهديد لقوم مؤمنين، صلوا في بيوتهم؛ لأمر توهَّموه مانعًا، ولم يكن كذلك، ويؤيِّد هذا التأويل: ما رواه أبو داود زيادة على هذا الحديث، فقال: «لقد هممتُ أنْ آمر فِتْيَتي، فيجمعوا حُزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم؛ ليست بهم عِلَّة، فأحرقها عليهم» والمنافقون لا يصلون في بيوتهم؛ إنَّما يصلون في الجماعة؛ رياء وسمعة، وأما إذا خلوا فكما وصفهم الله: من الكفر والاستهزاء.
وعلى هذا التأويل: تكون هذه الجماعة المهدَّد على التخلُّف عنها: هي الجمعة؛ كما نص عليه في حديث عبد الله بن مسعود، فيحمل المطلق منها على المقيد.
وهمُّه -صلى الله عليه وسلم- بإتيانهم بعد إقامة الصلاة، برجل يصلي بالناس؛ لتتحقَّق مخالفتهم، وتخلفهم؛ فيتوجَّه اللوم عليهم. العدة في شرح العمدة (1/ 350).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
«يشهدون الجمعة» كذا قال: «الجمعة» وكذلك روي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، والذي يدل عليه سائر الروايات أنَّه عبَّر بالجمعة عن الجماعة -والله أعلم-. السنن الكبرى (3/ 79).
وقال النووي -رحمه الله- مُتعقِّبًا للبيهقي:
قلتُ: بل هما روايتان: رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة في سائر الصلوات، وكلاهما صحيح. خلاصة الأحكام (2/ 652).

قوله: «بُيُوتَهُم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بيوتهم» بضم الباء، وكسرها، مفعول لـ«أحرق». مرقاة المفاتيح (3/ 1026).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«بيوتهم» كناية عن تحريقهم بالنار عقوبةً لهم. فيض القدير (5/ 281).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا المناوي:
ويحتمل: العقوبة بإحراق المساكن التي يتخلَّفوا فيها عقوبة بالمال بإتلافه، كما حرَّق مسجد الضرار. التنوير (9/ 73).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
المعنى: لقد أردتُ أنْ أجعل خليفتي في الإمامة، ثم أتوجَّه بخدَمَتي نحو المتخلِّفين، فأحرِّق بيوتهم، أي: ما في بيوتهم من أنفسهم ومتاعهم عليهم، وفي هذا من الوعيد ما لا يوصف. مرقاة المفاتيح (3/ 1026).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز أنْ يُهدِّد الحاكم رعيته بما لا يفعله بهم، واستدل بعضهم لذلك بما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سليمان: أنه قال حين اختصمت إليه المرأتان في الولد: «ايتوني بالسكين حتى أشقه» ولم يرد فعل ذلك، إنما قصد به التوصل إلى معرفة أمه منهما بظهور شفقتها ورقتها على ولدها.
والجواب: أنه لا يصح حمل الحديث على شيء من ذلك. فتح الباري (5/ 454).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال بعضهم: في هذا الحديث دليل على أنَّ العقوبة كانت في أول الأمر بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة مالية، وقال غيره: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغالِّ من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما. شرح صحيح مسلم (5/ 153).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقد استُدِلَّ بأحاديث الباب على أنَّ الجمعة من فروض الأعيان، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنَّها فرض عين، وقال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأمة، وقال ابن قدامة في المغني: أجمع المسلمون على وجوب الجمعة.
وقد حكى الخطابي الخلاف في أنها من فروض الأعيان، أو من فروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدل على أنَّ ذلك قول للشافعي، وقد حكاه المرعشي عن قوله القديم، قال الدارمي: وغلَّطوا حاكيه.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم وغلَّطه.
قال العراقي: نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادَّعاه الخطابي من أنَّ أكثر الفقهاء قالوا: إنَّ الجمعة فرض على الكفاية ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنَّها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب.
قال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن مالك أنَّ شهودها سُنة، ثم قال: قلنا: له تأويلان:
أحدهما: أنَّ مالكًا يطلق السُّنة على الفرض.
الثاني: أنه أراد سُنة على صفتها لا يشاركها فيه سائر الصلوات حسب ما شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمة الجمعة على كل مَن سمع النداء. انتهى.
ومن جملة الأدلة الدالة على أنَّ الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} الجمعة: 9، ومنها حديث طارق بن شهاب الآتي في الباب الذي بعد هذا (يعني به: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة...»).
ومنها حديث حفصة الآتي أيضًا (يعني: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم»)، ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله تعالى عليهم، واختلفوا فيه، فهدانا الله تعالى له، فالناس لنا تبع فيه» الحديث.
وقد استنبط منه البخاري فرضية صلاة الجمعة، وبوب عليه باب فرض الجمعة، وصرح النووي والحافظ (يعني: ابن حجر) بأنه يدل على الفرضية، قال: لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فرض الله تعالى عليهم فهدانا له» فإنَّ التقدير: فرض عليهم وعلينا، فضلوا وهُدِينا.
وقد وقع عند مسلم في رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ: «كُتب علينا».
وقد أجاب عن هذه الأدلة من لم يقل بأنَّها فرض عين بأجوبة: إما عن حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف (يعني: المجد ابن تميمة) فيما تقدم في الجماعة، وإما عن سائر الأحاديث المشتملة على الوعيد فبصرفها إلى من ترك الجمعة تهاونًا؛ حملًا للمطلق على المقيد، ولا نزاع في أنَّ التارك لها تهاونًا مستحق للوعيد المذكور، وإنما النزاع فيمن تركها غير متهاون.
وأما عن الآية فما يقضي به آخرها، أعني قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} الجمعة: 9 من عدم فرضية العين.
وأما عن حديث طارق فما قيل فيه من الإرسال وسيأتي.
وأما عن حديث أبي هريرة الآخر فبمنع استلزام افتراض يوم الجمعة على من قبلنا افتراضه علينا، وأيضًا ليس فيه افتراض صلاة الجمعة عليهم، ولا علينا.
وقد رُدَّت هذه الأجوبة بردود.
والحق: أنَّ الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق («الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة...») وحفصة الآتيين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم. نيل الأوطار (3/ 266-267).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ الجماعة لا تجب على النساء، ولا تتأكد في حقِّهِن من قوله: «ثم أخالف إلى رجال» وهو كذلك. طرح التثريب (2/ 311).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ الإمام إذا عرض له شغل يستخلف مَن يصلي بالناس، وإنما همَّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأنَّ بذلك الوقت يتحقَّق مخالفتهم وتخلفهم، فيتوجَّه اللوم عليهم.
وفيه: جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر. شرح صحيح مسلم (5/ 154).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(وفيه): تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وهو من باب الدفع بالأخف.
(وفيه): أخذ أهل الجرائم على غِرَّة. التوضيح (6/ 418-420).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: أن لا بأس للإمام أنْ يستنيب عنه في الإمامة لحاجة تعرض له وهو كذلك.
(و) فيه جواز العقوبة بالمال...، وإليه ذهب أحمد، وذهب الجمهور إلى أنَّ العقوبات بالمال منسوخة بنهيه عن إضاعة المال، ونحو ذلك، وقد يقال: هذا من باب: ما لا يتم الواجب إلا به؛ لأنهم قد يختفون في مكان لا يعلم؛ فأراد التوصل إليهم بتحريق البيوت. طرح التثريب، باختصار (2/ 307-308).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: فيه من الفقه: أنَّ مَن ترك سُنة من سنن النبي -عليه السلام- المجتمع عليها في الإقامة، أنَّه يُعاقب في نفسه وماله؛ لأنَّ حرق المنازل عقوبة في المال على عمل الأبدان، فإذا كانت العقوبة تتعدَّى إلى المال عن البدن، فهي أحرى أنْ تقع في البدن.
وفيه: أنَّ العقوبات على أمور الدِّين التي لا حدود فيها موكولة إلى اجتهاد الإمام؛ لقوله: «لقد هممتُ» فهذا نظر واجتهاد. شرح صحيح البخاري (6/ 540-541).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: تأكيد أمر الجمعة، وأنَّه لم يرضَ أنْ يستنيب في ذلك حتى يلابسه بنفسه، وأنه كان -صلى الله عليه وسلم- يرى أنْ تفوته هو صلاة الجمعة فيحرق بيوت مَن لم يشهدوها فيكون فوت جمعة واحدة حافظًا لجُمَع كثيرة إلا أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل ذلك، وجعل ما نطق به مما همَّ بفعله نائبًا منابه، حتى إنْ تركها أهل بلد ففعل به الإمام ما همَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يفعله جاز له ذلك. الإفصاح (2/ 124).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
وفيه: أنه يجوز لغير النبي -صلى الله عليه وسلم- أنْ يؤم بحضوره إذا أمره به؛ لأنه قال: «فآمر رجلًا فيؤم الناس». شرح مسند الشافعي (1/ 420).
وقال المناوي -رحمه الله-:
(وفيه:) حِلُّ التعذيب بالإحراق، وكان ذلك أولًا، ثم قام الإجماع على المنع.
وفيه: تنبيه على عظم إثم ترك الجمعة أَصالة (تركها بنفسه) أو خلافة (منع مَن تحت يده من حضورها) على الخلاف(بين العلماء). فيض القدير، باختصار (5/ 281).
وقال العراقي -رحمه الله-:
(فيه:) حُجة على أبي حنيفة في أنه جعل المكلَّف مخيرًا بين الجمعة والظهر بغير عذر؛ إذ لو كانوا مخيرين لما همَّ بتحريقهم، قيل: إنَّ حضور الجمعة فرض عين إلا لأصحاب الأعذار الشرعية -والله أعلم-. طرح التثريب (2/ 312).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: وجوب صلاة الجمعة على الأعيان؛ إذ لو كانت كفاية لكان قد قام بها -صلى الله عليه وسلم- مع غيره.
وفيه: أنَّ لغيره أنْ يؤم بحضرته، وأنه يقدم الوعيد والتهديد على العقوبة.
وفيه: أنَّه لا يتم هذا إلا إذا ثبت أنَّ الهم من أقسام السُّنَّة، ولها أفعال وأقوال وتقريرات. التنوير (9/ 73).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: بيان التشديد في التخلف عن صلاة الجمعة.
ومنها: بيان أنَّ حضور صلاة الجمعة فرض عين، إلا لأصحاب الأعذار الشرعية.
ومنها: بيان أنَّ هذه الصلاة التي هدد النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحريق المتخلِّفين عنها هي صلاة الجمعة، وقد سبق في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنها العشاء، وورد أيضًا أنها الصبح، وورد أيضًا يتخلفون عن الصلاة مطلقًا، قال النووي -رحمه الله-: وكله صحيح، ولا منافاة بين ذلك. انتهى. البحر المحيط الثجاج (14/ 235-236)

أثقل الصلاة على المنافقين وحكم حرق بيوت المتخلفين عن الصلاة.


إبلاغ عن خطأ