«بُعِثْتُ بينَ يَدَيِ السَّاعةِ بالسَّيفِ، حتَّى يُعبدَ اللهُ وحدَهُ، لا شريكَ له، وجُعِلَ رزقي تحتَ ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الذِّلَّةُ والصَّغَارُ على مَن خالفَ أمري، ومَن تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم».
رواه أحمد برقم: (5115)، وابن أبي شيبة برقم: (19401)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم: (1154)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (2831)، وصححه في إرواء الغليل برقم: (1269).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بُعِثْتُ»:
البعث في كلام العرب على وجهين: أَحدهما الإِرسال؛ كقول الله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى} الأعراف: 103. معناه: أَرسلنا.
والبَعث: الإحياء من الله للموتى. ومنه وقوله جلّ وعزّ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} البقرة: 56، أَي: أحييناكم. تهذيب اللغة(2/٢٠١).
«يَدَيِ السَّاعةِ»:
أي: قُدَّامها، فأصل: وضعتُ الشيءَ بين يدي فلان: أنْ يُستعمل في المكان الذي يُقابل صدره، ويكونُ بين يديه، ثم نُقِلَ إلى الزمان، فقيل: ما بين أيدينا وما خلفنا، والمراد به: الزمان الماضي والمستقبل، على اختلافٍ بين أرباب المعاني، وكل ما كان قبلَ قيامِ السَّاعةِ يكونُ بين يديه. المفاتيح، للمظهري (5/ 405).
«الصَّغَارُ»:
(بفتح الصاد) الذُّلُّ والهَوَان. النظم المستعذب، للركبي (1/ 240).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
هو أشد الذُّل. تذكرة الأريب (ص: 102).
شرح الحديث
قوله: «بُعِثْتُ بينَ يَدَيِ السَّاعةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بعثتُ بين يدي السّاعة» أي: قدامها، وقريبًا من وقوعها. شرح الشفا (1/ 374).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«بعثتُ بين يدي الساعة» مستعار مما بين يدي جهة الإنسان، تلويحًا بقربها. فيض القدير (3/ 203).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
الساعة هنا: القيامة، وأصلها: قطعة من الزمان. فيض القدير (3/ 203).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الساعة: في الأصل جزءٌ من الزمان، واستُعيرت ليوم القيامة...، وقال الزجاج: معنى الساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة؛ إشارة إلى أنَّها ساعة خفيفة، يقع فيها أمر عظيم، وقيل: سُمِّيت ساعة لوقوعها بغتة، أو لطولها، أو لسرعة الحساب فيها، أو لأنَّها عند الله خفيفة، مع طولها على الناس. فتح الباري (11/ 389).
قوله: «بالسَّيفِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«بالسيف» خصَّ نفسه به وإنْ كان غيره من الأنبياء بُعث بقتال أعدائه أيضًا؛ لأنه لا يبلغ مبلغه فيه، أقول: ويحتمل أنَّه إنما خصَّ نفسه به؛ لأنه موصوف بذلك في الكتب، فأراد أنْ يُقرِّع أهل الكتابين ويذكِّرهم بما عندهم، أخرج أبو نعيم عن كعب: «خرج قوم عُمَّارًا، وفيهم عبد المطلب ورجل من يهود، فنظر إلى عبد المطلب، فقال: إنا نجد في كتبنا التي لم تُبدَّل أنه يخرج من ضئضئ هذا من يقتلنا وقومه قتل عاد». فيض القدير (3/ 203).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّما أنا رحمة مُهداة» وقال: «بُعثتُ بالرحمة» وقد سأل بعضهم أيضًا على هذا، فقال: كيف يكون مبعوثًا بالرحمة وقد بُعث بالسيف، وأمرنا بالقتال وسفك الدم؟
والجواب: أنَّ الله تعالى بعث أكثر الأنبياء وأمرهم بالإبلاغ، وأيدهم بالجوامع والحجج والمعجزات، فمَن أنكر من تلك الأمم الحق بعد قيام الحجة، وظهور المعجزة، أرسل عليه العذاب، وعُوجِلَ بالهلاك، واستُؤْنِي (أي: انْتُظِرَ) بهذه الأمة، فلم يعاجل مَن أنكر الحق منهم بالعذاب والاستئصال، وأمر الله -عز وجل- نبيه بجهادهم، وحملهم على الدِّينِ بالسيف؛ ليرتدعوا عن الكفر، فلا يُجْتَاحوا بالعذاب، ويأتي على آخرهم الهلاك، فإنَّ بعد السيف بقية، وليس بعد العذاب المنزل بقية. أعلام الحديث (1/221-222).
وقال البغوي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
ومما يُؤيِّد ذلك حديث عائشة: «إنَّ الله -سبحانه وتعالى- بعث إليه ملك الجبال، فقال: إنْ شئتَ أنْ أُطْبِقَ عليهم الأخشبين، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل أرجو أنْ يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».
قلتُ: هو مبعوث بالرحمة أيضًا من حيث إنَّ الله وضع في شريعته عن أمته ما كان في شرائع الأمم السالفة عليهم من الآصار والأغلال، كما قال -سبحانه وتعالى- في كتابه في قصة موسى -عليه السلام-: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الأعراف: 156، إلى قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} الأعراف: 157، وأعطى أمته في الأعمار القصيرة على الأعمال اليسيرة ضعف ما أعطى الأمم الماضية في الأعمار الطويلة على الأعمال الكثيرة الثقيلة، كما جاء في حديث ابن عمر: «إنَّ اليهود والنصارى قالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟ قال الله -سبحانه وتعالى-: «فذلك فضلي أُوتيه من أشاء» فقد أكمل الله -سبحانه وتعالى- على الخلائق بإرساله الرَّحمة، وأتم عليهم النعمة، وأعظم عليهم المنة، فله الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. شرح السنة (13/ 214-215).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «بُعثتُ بالسيف» يعني: أنَّ الله بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف، بعد دعائه بالحجة، فمَن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان، دُعِي بالسيف، قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحديد: 25، وفي الكتب السالفة وصْف النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه يُبعث بقضيب الأدب وهو السيف، ووصَّى بعض أحبار اليهود عند موته باتباعه، وقال: إنه يسفك الدماء، ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعهم ذلك منه، ورُوي أنَّ المسيح -عليه السلام- قال لبني إسرائيل في وصْف النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّه يسل السيف، فيدخلون في دينه طوعًا وكرهًا» وإنَّما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسيف بعد الهجرة؛ لما صار له دار وأتباع وقوة ومنعة، وقد كان يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالبيت وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحِجر، وقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل، قد سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فلما مر بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- غمزوه ببعض القول، فعُرِف ذلك في وجهه -صلى الله عليه وسلم-، وفعلوا ذلك به ثلاث مرات، فوقف، وقال: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح» فأخذت القومُ كلمته حتى ما فيهم رجل إلا وكأنَّما على رأسه طير واقع، وحتى أنَّ أشدهم عليه قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنَّه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فو الله ما كنتَ مجهولًا. الحِكَم الجديرة بالإذاعة (ص: 5-6).
قوله: «حتَّى يُعبَدَ اللهُ وحدَهُ، لا شريكَ له»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«حتى» حرف تعليل. السراج المنير (3/ 8).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «حتى يُعبد الله وحده، لا شريك له» هذا هو المقصود الأعظم من بعثته -صلى الله عليه وسلم-، بل من بعثة الرسل من قبله، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء: 25، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل: 36، بل هذا هو المقصود من خلق الخلق، وإيجادهم، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56، فما خلقهم إلا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم على ذلك، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} الأعراف: 172، الآية.
وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنَّه تعالى استنطقهم حينئذٍ، فأَقرُّوا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم، وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة. الحِكَم الجديرة بالإذاعة (ص: 12).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حتى يُعبَد الله تعالى وحده، لا شريك له» أي: ويشهد أني رسوله، وإنَّما سكت عنه؛ لأنَّهم كانوا عبدة أوثان، فقصر الكلام على الأهم في المقام. فيض القدير (3/ 203).
قوله: «وجُعِلَ رزقي تحتَ ظِلِّ رُمْحِي»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وجُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي» يعني: الغنائم، وكان سهم منها له خاصة، والمراد: أنَّ معظم رزقه كان منه، وإلا فقد كان يأكل من الهبة والهدية وغيرهما. التيسير (1/ 434).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ظل رمحي» أي: رِزْقي من الغَنيمة. اللامع الصبيح (8/ 508).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«جُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي» كناية عن حل الغنائم له ولأمته، دون سائر الأنبياء والأمم، وهذا التعليق عن ابن عمر (أي: الوارد في البخاري) أسنده عبد الحق (الإشبيلي) في الجمع بين الصّحيحين. الكوثر الجاري (5/ 474).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
حَصَلَ بها (أي: الغنائم) لهذه الأمة من سعة الأرزاق، وكثرة الخيرات، والاستعانة على أمور الدين والدنيا شيءٌ لا يمكن عدّه؛ ولهذا قال -صلّى الله عليه وسلم-: «وجُعِلَ رزقي تحت ظلّ رمحي» أما من قبلنا من الأمم، فإنَّ جهادهم قليل بالنسبة لهذه الأمة، وهم دون هذه الأمة بقوة الإيمان والإخلاص، فمن رحمته بهم أنَّه منعهم من الغنائم؛ لئلا يخلّ بإخلاصهم -والله أعلم-. بهجة قلوب الأبرار (ص: 73-74).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي» ... وحكمة ذلك: أنَّه قُدوة للخاص والعام، فجُعِل بعض رزقه من جهة الاكتساب، وتعاطي الأسباب، وبعضه من غيرها؛ قدوة للخواص من المتوكلين. فيض القدير (3/ 203).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في قوله: «تحت ظل رمحي» إشارة إلى أنَّ ظله ممدود إلى أبد الآباد، والحكمة في الاقتصار على ذِكْر الرمح دون غيره من آلات الحرب كالسيف أنَّ عادتهم جرت بجعل الرايات في أطراف الرمح، فلما كان ظل الرمح أسبغ كان نسبة الرزق إليه أَلْيَق، وقد تعرَّض في الحديث الآخر لظل السيف...، من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الجنة تحت ظلال السيوف» فنسب الرزق إلى ظل الرمح؛ لما ذكرته أنَّ المقصود بذكر الرمح: الراية، ونُسِبَتْ الجنة إلى ظل السيف؛ لأن الشهادة تقع به غالبًا؛ ولأن ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل؛ ولأن ظل السيف لا يظهر إلا بعد الضرب به؛ لأنه قبل ذلك يكون مغمودًا معلقًا. فتح الباري (6/ 98-99).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«جُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رمحي» فلما كان أفضل الخَلْق، جَعَلَ اللهُ رزقه في أفضل وجوه الكسب. القبس (ص: 585-586).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإنْ قيل: فما أطيب المكاسب وأحلها؟ قيل: هذا فيه ثلاثة أقوال للفقهاء:
أحدها: أنه كسب التجارة.
والثاني: أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة ونحوها.
والثالث: أنه الزراعة، ولكل قول من هذه وجه من الترجيح أثرًا ونظرًا، والراجح: أنَّ أحلها الكسب الذي جُعِلَ منه رزق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو كسب الغانمين، وما أُبيح لهم على لسان الشارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره، وأُثني على أهله ما لم يُثْنِ على غيرهم؛ ولهذا اختاره الله لخير خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، حيث يقول: «بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده، لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله، وجعل أحب شيء إلى الله، فلا يقاومه كسب غيره -والله أعلم-. زاد المعاد (5/ 703-702).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
معنى هذا... أنَّ الرمح كان من آلات النبي للحرب، ومن آلات أصحابه، وأنه من مهم السلاح، وشريف القدر؛ لقول الرسول: «جُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي» وهذه إشارة منه لتفضيله، والحض على اتخاذه، والاقتداء به في ذلك.
قال المهلب: وفيه أنَّ الرسول خُصَّ بإحلال الغنائم، وأنَّ رزقه منها بخلاف ما كانت الأنبياء قبله عليه، وخص بالنصر على من خالفه، ونُصِرَ بالرعب، وجُعلت كلمة الله هي العليا، ومَن اتبعها هم الأعلون. شرح صحيح البخاري (5/ 102-103).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«وجُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رمحي» قال ابن المنير: فيه تنبيهٌ حسنٌ على أنَّ ظلَّه -بحمد الله- ممدودٌ، وحظَّه من السعد غيرُ محدود؛ لأنَّ العربَ تضربُ المثلَ في الطولِ بظلِّ القَناة. مصابيح الجامع (6/ 295).
قوله: «وجُعِلَ الذِّلَّةُ والصَّغارُ على مَن خالفَ أمري»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بالصَّغار:...بذل الجزية. فتح الباري (6/ 98).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وجُعِلَ الذّل» بكسر المعجمة، وفتحها: الذلة «والصَّغار» بفتح المهملة: الضيم «على مَن خالف أمري» وذلك أنَّ العزة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولمن اتبعه، وهذا مشاهد من أعلام النبوة. التنوير (4/ 554).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«على مَن خالف أمري» أي: ومَن أطاع أمري فله العز في الدنيا والآخرة. السراج المنير (3/ 9).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» هذا يدل على أنَّ العز والرِّفعة في الدنيا والآخرة بمتابعة أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- لامتثال متابعة أمر الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} النساء: 80، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} المنافقون: 8، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} فاطر: 10، وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: «أنا العزيز فمن أراد العز فليطع العزيز» قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات: 13، فالذلة والصغار يحصل بمخالفة أمر الله ورسوله، ومخالفة الرسول على قسمين:
أحدهما: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره، كمخالفة الكفار، وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول، فهم تحت الذلة والصغار؛ ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى اليهود الذلة والمسكنة؛ لأن كفرهم بالرسول كفر عناد.
والثاني: مَن اعتقد طاعته، ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنَّها معصية، فله نصيب من الذلة والصغار، وقال الحسن (البصري): "إنهم وإنْ طقطقت (الطقطقة: صوت قوائم الخيل على الأرض الصلبة) بهم البغال، وهملجت (الهملجة: فارسي معرب، وهو: حسن سير الدابة في سرعة) بهم البراذين (البراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العرب، أو الفرس غير الأصيل، والمقصود: مشت بهم مشيًا سهلًا)، فإنَّ ذل المعصية في رقابهم، أبى الله أنْ يذل إلا من عصاه"، كان الإمام أحمد يدعو: "اللهم أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعصية". الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: 15).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
إنَّ المخالفة المذكورة في الحديث هل هي عامة أو خاصة؟ ظاهر اللفظ يفيد العموم؛ وذلك موجود حسًّا؛ لأنَّ مَن خالف أمره -عليه السلام- من كل الجهات، وهم الكفار أوجب لهم ذلك ذلة القتل، أو إعطاء الجزية وهم صاغرون، ومَن خالف في بعضٍ، واتبع في بعضٍ، كالمؤمنين من أهل البدع والمعاصي، أوجب لهم ذلك ذلة العقوبة من الحد وغيره، وكراهية الناس لهم، وأما مَن اتبع أمره -عليه السلام- في كل الأحوال من فعل ومقال، فقد ناله العز في الدنيا والآخرة، وارتفع عنده الذل، مثل العلماء العاملين، والصالحين المتبعين، نالهم العز في الدنيا، حتى إنَّ الملوك وأبناء الملوك، يأتون في خدمتهم راجين بركة رؤيتهم، ونالهم العز في الآخرة بما أعطوا من الشفاعة في غيرهم، عدا ما ادَّخر لهم من أنواع الكرامات، ومن خدمة الملائكة لهم، وسكناهم في جوار ربهم. جمع النهاية في بدء الخير والغاية (3/128).
قوله: «ومَن تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومَن تشبه بقوم فهو منهم» أي: حكمه حكمهم؛ وذلك شامل للتشبه في الأفعال والأقوال واللباس. التنوير (4/ 554).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ومَن تشبه بقوم فهو منهم»...؛ وذلك لأنَّ كل معصية من المعاصي ميراث أمة من الأمم التي أهلكها الله، فاللوطية ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد، ودفعه بالناقص ميراث قوم شعيب، والعلو في الأرض ميراث قوم فرعون، والتكبر والتجبر ميراث قوم هود، فكل مَن لابس من هؤلاء شيئًا، فهو منهم، وهكذا. فيض القدير (3/ 203).
وقال العزيزي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
ويحتمل أنَّ المراد به: التحذير من المخالفة، أي: لا تخالفوا ما أمركم به، فتهلكوا، كما هلك مَن كان قبلكم بمخالفتهم أنبياءهم. السراج المنير (3/ 9).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ومَن تشبه بقوم فهو منهم» هذا يدل على أمرين:
أحدهما: التشبه بأهل الشر، مثل أهل الكفر والفسوق والعصيان، وقد وبَّخ الله مَن تشبه بهم في شيء من قبائحهم، فقال تعالى: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا } التوبة: 69، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التشبه بالمشركين، وأهل الكتاب، فنهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعلل بأنَّه: «حينئذٍ يسجد لها الكفار» فيصير السجود في ذلك الوقت تشبُّهًا في الصورة الظاهرة، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»...
الثاني: التشبه بأهل الخير والتقوى والإيمان والطاعة، فهذا حسن، مندوب إليه؛ ولهذا يشرع الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وآدابه وأخلاقه؛ وذلك مقتضى المحبة الصحيحة، فإنَّ المرء مع من أحب، ولا بد من مشاركته في أصل عمله، وإن قصَّر المحب عن درجته، قال الحسن (البصري): لا تغتر بقولك: المرء مع مَن أحب، إنَّ مَن أحب قومًا اتبع آثارهم، ولن تلحق الأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتمسي وتصبح وأنت على مناهجهم، حريصًا أنْ تكون منهم، وتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقتهم، وإنْ كنتَ مقصِّرًا في العمل، فإنَّ ملاك الأمر أنْ تكون على استقامة، أما رأيتَ اليهود والنصارى وأهل الأهواء الرديئة، يحبون أنبياءهم، وليسوا معهم؛ لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقهم، فصار موردهم النار -نعوذ بالله من النار-. الحِكَم الجديرة بالإذاعة (ص: 21-25).
وللفائدة ينظر:
فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في مقياس التشبه بغير المسلمين.