«إنَّ اللَّهَ يبعثُ لهذه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ مَن يُجَدِّدُ لها دينَها».
رواه أبو داود برقم: (4291) واللفظ له، والطبراني في الأوسط برقم: (6527)، والحاكم في المستدرك برقم: (8592)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار برقم: (422)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1874)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (599).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يَبْعَثُ»:
البعث في كلام العرب على وجهين: أَحدهما الإِرسال؛ كقول الله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى} الأعراف: 103. معناه: أَرسلنا.
والبَعث: الإحياء من الله للموتى. ومنه وقوله جلّ وعزّ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} البقرة: 56، أَي: أحييناكم. تهذيب اللغة(2/٢٠١).
«يُجَدِّدُ»:
تَجَدَّد الشَّيْء صار جديدًا، وأجَدَّه وجَدَّدَه واسْتَجَدَّهُ أَي: صَيَّرَهُ جديدًا. مختار الصحاح، للرازي (ص54)
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
أي: يُصحِّح لها أحكام دينها. شرح سنن أبي داود، (17/ 86).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ اللَّهَ يبعثُ لهذه الأمَّةِ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«يبعثُ» أي: يُقيِّض. مرعاة المفاتيح (1/ 340).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنَّ الله -عز وجل- يبعثُ لهذه الأمة» أي: أمة الإجابة، ويُحتمل أُمّة الدعوة. ومرقاة المفاتيح (1/ 321).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «لهذه الأمة» إشارة تعظيم، يريد أمة الإجابة، دون الدعوة، بدليل قوله: «يجدد لها دينها» ويحتمل التعميم؛ لعموم الفائدة. الأزهار، مخطوط، لوح (86).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إنَّ الله -عز وجل- يبعثُ لهذه الأمة» إذا قلَّ العلمُ، وغلَبَ المبتدعون. شرح المصابيح (1/ 221).
وقال السندي -رحمه الله-:
لما كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- ختم الله به دائرة النبوة، فلا نبي بعده، ولا شك أنَّ لبُعْد الأزمنة، وانقضاء القرون تأثيرًا عاديًّا في وهن أمر الشريعة والدِّين، أقام اللهُ مِن هذه الأمة على رأس مائة سَنة عالِمًا واحدًا أو أكثر من علماء هذه الأمة مقام أنبياء الأمم السالفة في تجديد الدِّين، وتأسيس قواعده، ودفع البدع والوهن عنه؛ ولذلك جاء: «العلماء ورثة الأنبياء» واشتهر «علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل». فتح الودود (4/ 231).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لأنَّه سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل، وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد، ومعرفة أحكام الدِّين لازمة إلى يوم التناد، ولم تفِ ظواهر النصوص ببيانها، بل لا بد من طريقٍ وافٍ بشأنها، اقتضت حكمة الملك العلام، ظهور قِرْمٌ (القرم من الرجال: السيد المعظَّم) من الأعلام في غُرَّة كل قرن؛ ليقوم بأعباء الحوادث؛ إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم. فيض القدير (1/ 10).
قوله: «على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«على رأس كل مائة سنة» أي: انتهائه، أو ابتدائه. مرقاة المفاتيح (1/ 321).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
رأس كل مائة: آخرها، أو قُرْب آخرها، لا أول المائة. الأزهار، مخطوط، لوح (86).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«على رأس» أي: أول، ورأس الشيء أعلاه، ورأس الشهر أوله، قال في المصباح: وهو مهموز في أكثر لغاتهم إلا بني تميم.
«كل مائة سنة» يحتمل من المولد النبوي أو البعثة أو الهجرة أو الوفاة، ولو قيل: بأقربيَّة الثاني لم يَبْعُد، لكن صنيع السبكي وغيره مصرِّح بأنَّ المراد: الثالث، وأصل «سَنة» سَنْوة؛ لقولهم (في الجمع): سنوات، وقيل: سَنْهَة كجبهة؛ لقولهم: سَانَهْتُهُ، وفرَّق بعضهم بين السَّنة والعام: بأنَّ العام من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة، والسَّنة من كل يوم إلى مثله من القابلة، ذكره ابن الخباز (أحمد بن الحسين نحوي ضرير) في شرح اللمع (واسمه: توجيه اللمع، شرح لمع ابن جني، ولعله ما زال مخطوطًا). فيض القدير (1/ 10).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ المراد مِن رأس المائة في هذا الحديث آخرها...، والدليل الواضح على أنَّ المراد برأس المائة هو آخرها لا أولها: أنَّ الزهري وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة المتقدِّمين والمتأخِّرين اتفقوا على أنَّ مِن المجدِّدين على رأس المائة الأولى: عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، وعلى رأس المائة الثانية: الإمام الشافعي -رحمه الله-، وقد تُوفي عمر بن عبد العزيز سَنة إحدى ومائة، وله أربعون سَنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، وتُوفي الشافعي سَنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون سَنة. عون المعبود (11/ 260).
وقال أحمد الرومي الحنفي -رحمه الله-:
المراد مِن رأس السَّنة: أولها من الهجرة النبوية...، وإنَّما كان التجديد على رأس كل مائة سَنة؛ لانخرام العلماء فيه غالبًا، واندراس السُّنن، وظهور البدع، فيحتاج حينئذٍ إلى تجديد الدِّين، فيأتي الله مِن الخَلْق بعِوَضٍ من السلف، إما واحدًا أو متعدِّدًا. مجالس الأبرار (ص: 514).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
نظير ما نحن فيه: ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن عساكر في تاريخ دمشق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة إلَّا كان عند رأس المائة أمر».
قلتُ: والذي فهمته من هذا الأثر مع ذاك الحديث (أي: هذا الحديث المشروح): أنَّه لا بدّ عند رأس كلّ مائة سَنة من محنة شديدة، فيقرنها الله بمنحة عظيمة، وهو الذي يبعثه الله لتجديد الدِّين وإحيائه؛ رحمةً منه لعباده، وجبرًا لما حصل من الوهن بتلك المحنة؛ ولذلك أدخل أبو داود الحديث في كتاب الملاحم إشارة إلى ذلك، وأنَّه إذا وقعت فتنة جبرها الله بمن يجدِّد الدِّين...؛ ولذلك لَمَّا كان في آخر المئين أعظم المحن والفتن وهو خروج الدَّجال، كانت المحنة المقابلة له بنزول عيسى أعظم من كلّ ما جاء في المئين المتقدِّمة؛ لأن المحبَّة على قدر المحنة؛ لتصلح أنْ تكون في مقابلتها، ولا بد في تلك المحنة أنْ تكون عامَّة، إمَّا عمومًا مطلقًا في الأرض، أو فيها نوع عموم، وكذلك لا بدّ في المبعوث على رأس المائة أنْ يكون نفعه عامًّا إمَّا مطلقًا في الأرض، أو يكون فيه نوع عموم. مرقاة الصعود (3/ 1070-1071).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
إنَّما قال: «على رأس كل مائة» لأنَّ القرن ينقرض في هذه المدة، وينقضي، وينتهي كماله إليها؛ ولهذا سُمي القيامة الوسطى. لمعات التنقيح (1/ 589).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
ولا يلزم أنْ يكون على رأس كل مائة سَنة مجددًا واحدًا فقط، بل يمكن أنْ يكون أكثر من واحدٍ؛ لأنَّ قوله: «مَن يُجدِّدُ» يصلح للواحدِ وما فوقه. مرعاة المفاتيح (1/ 340-341).
قوله: «مَن يُجَدِّدُ لها دينَها»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«مَن يُجدِّد» مفعول «يبعثُ» أي: يبعثُ عالِمًا ربَّانيًّا يجدِّد «لها» أي: لهذه الأُمة «دِينَها» بأنْ يُعلِّمَهم علومَ الدِّين، ويُبينَ لهم السُّنةَ عن البدعة، وَيكسرَ أهلَ البدعة ويُذلَّهم، ويؤيدَ الدِّينَ، ويُعزَّ أهلَه، ويكثرَ العلمَ بين الناس. شرح المصابيح (1/ 221).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مَن» أي: مجتهدًا واحدًا، أو متعددًا قائمًا بالحجة، ناصرًا للسُّنة، له ملكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق النظريات من نصوص الفرقان، وإشاراته ودلالاته واقتضاءاته مِن قلبٍ حاضرٍ، وفؤادٍ يقظان. فيض القدير (1/ 10).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«مَن يُجدِّدُ لها» أي: للأمة «دينها» «مَن» يتناول الواحد والتثنية والجمع فيحتمل الخاص والعام...، قال أكثر العلماء: هو خاص في العلماء...، وقال بعض العلماء: هذا عام في العلماء والخلفاء والزهاد، وخاص في الأشخاص. الأزهار، مخطوط، لوح (86).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
حَمَلَ بعضُ الأئمة «مَن» في الحديث على أكثر من الواحد، وهو ممكن بالنسبة للفظ الحديث الذي سقته، وكذا لفظه عند من أشرتُ إلى أنَّه أخرجه، لكن الرواية عن أحمد تقدَّمت بلفظ: «رجل» وهو أصرح في إرادة الواحد من الرواية التي جاءت بلفظ: «مَن» لصلاحية «مَن» للواحد، وما فوقه، ولكن الذي يتعيَّن فيمَن تأخَّر: الحمْل على أكثر من الواحد؛ لأنَّ في الحديث إشارة إلى أنَّ المجدِّد المذكور يكون تجديده عامًّا في جميع أهل ذلك العصر، وهذا ممكن في حق عمر بن عبد العزيز جدًّا، ثم في حق الشافعي، أما مَن جاء بعد ذلك فلا يعدم مَن يشاركه في ذلك، ولعل الله إنْ فسح في المهلة أنْ يسهل لي جمع ذلك في جزء مفرد، أُبيِّن فيه مَن يصلح أنْ يتَّصف بذلك في رأس المائة الثالثة، وكذا ما بعدها -إن شاء الله تعالى-. توالي التأنيس (ص: 105-106).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
(و) المراد من تجديد الدِّين للأمة: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُّنة، والأمر بمقتضاهما، وإماتة البدع والمحدثات، وكسر أهلها باللسان، أو تصنيف الكُتب، أو التدريس، أو غير ذلك، ولا يعلم ذلك المجدِّد إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله، والانتفاع بعلمه؛ إذ المجدِّد للدِّين لا بد أنْ يكون عالِمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، ناصرًا للسُّنة، قامعًا للبدعة، وأنْ يعم علمه أهل زمانه. مرعاة المفاتيح (1/ 340).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: أنَّ الله يُهيئ العلماء والولاة الذين يقومون بإظهار الحق ونشره وبيانه، ودحض الباطل والقضاء عليه، والمقصود بذلك: تجديد ما اندرس من الدِّين، وإلا فإنَّ الدِّين وافٍ وكامل، فالمقصود: تجديد ما اندرس منه، بسبب ما حصل من فتن وضلالات وانحراف عن الجادة، فيهيئ الله من أهل العلم مَن يقوم ببيان الحق ونصرته، والذب عنه، ومَن يقوم ببيان الباطل، والتحذير منه، وبيان ضرره وخطره، وهذا من فضل الله -عز وجل- على هذه الأمة، أنْ يُهيئ لها مَن يقوم بنصرة الدِّين، فلا يمضي قرن من القرون إلا ويُهيئ الله مَن يقوم بنصرة الدِّين، وهذا يدل على أنَّ الأرض لا تخلو لله من قائم بحجته، وأنَّ هذا الدِّين منصور، وأهله منصورون، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم مَن خذلهم، ولا مَن خالفهم، حتى يأتي أمر الله». شرح سنن أبي داود (ص: 3).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قد تكلَّم العلماءُ في تأويل هذا الحديث، كُلُّ واحدٍ في زمانه، وأشاروا إلى القائم الذي يجدِّد للناس دينَهم على رأس كلِّ مائةِ سَنةٍ، وكأنَّ كل قائل قد مال إلى مذهبه، وحمل تأويل الحديث عليه، والأولى أنْ يُحمل الحديث على العموم، فإنَّ قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يُجدِّد لها دِينَها» ولا يلزم منه أنْ يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا واحدًا، وإنَّما قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر منه، فإنَّ لفظة «مَنْ» تقع على الواحد والجمع، وكذلك لا يلزم منه أنْ يكون أراد بالمبعوث: الفقهاء خاصة، كما ذهب إليه بعض العلماء، فإنَّ انتفاع الأمة بالفقهاء وإنْ كان نفعًا عامًّا في أمور الدِّين، فإنَّ انتفاعهم بغيرهم أيضًا كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث والقُرَّاء والوعَّاظ، وأصحاب الطبقات من الزّهاد، فإنَّ كل قوم ينفعون بفنٍّ لا ينفع به الآخر؛ إذ الأصل في حِفْظِ الدِّين حفظُ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء، ويتمكَّن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أُولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث: ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلّة الشرع، والقُرَّاء ينفعون بحفظ القراءات، وضبط الروايات، والزُّهاد ينفعون بالمواعظ، والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا، فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر، لكن الذي ينبغي أنْ يكون المبعوث على رأس المائة: رجلًا مشهورًا معروفًا، مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حُمِلَ تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعدَ من التهمة، وأشبه بالحكمة، فإنَّ اختلاف الأئمة رحمة، وتقرير أقوال المجتهدين متعيِّن، فإذا ذهبنا إلى تخصيص القول على أحد المذاهب، وأوَّلنا الحديث عليه، بقيت المذاهب الأخرى خارجةً عن احتمال الحديث لها، وكان ذلك طعنًا فيها، فالأحسن والأجدر أنْ يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعةٍ من الأكابر المشهورين على رأس كل مائةِ سَنَةٍ، يجدِّدون للناس دِينَهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلَّدوا فيها مجتهديهم وأئمتهم. جامع الأصول (11/ 320).
وقال ابن الأثير -رحمه الله- أيضًا:
قال أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه-: نظرنا فإذا في رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائة الثانية محمد بن إدريس الشافعي. الشافي (1/ 50).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أخرج الحاكم من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عَقِبَ روايته عن عمه عن سعيد بن أبي أيوب الحديث المذكور، قال ابن أخي ابن وهب: قال عمي: عن يونس عن الزهري أنَّه قال: «فلما كان في رأس المائة، مَنَّ الله على هذه الأمة بعمر بن عبد العزيز».
قلتُ: وهذا يُشعِر بأنَّ الحديث كان مشهورًا في ذلك العصر، ففيه تقوية للسند المذكور، مع أنَّه قوي؛ لثقة رجاله. توالي التأنيس (ص: 105).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قد أفردتُ في شرح هذا الحديث تأليفًا مستقلًّا سمّيته: "التنبيه بمن يبعثه الله على رأس كلّ مائة" وأنا ألخّص فوائده هنا، فأقولُ: هذا الحديث اتّفق الحفّاظ على تصحيحه، منهم الحاكم في المستدرك، والبيهقي في المدخل، وممّن نصّ على صحّته من المتأخّرين الحافظ أبو الفضل ابن حجر، وقد لهج المتقدِّمون بذكر هذا الحديث. مرقاة الصعود (3/ 1061).
وقال الفتني -رحمه الله-:
المراد: مَن انقضت المائة، وهو حي عالم مشهور. مجمع بحار الأنوار (1/ 329).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لا يلزم أنْ يكون في رأس كل مائة سَنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة (أي: المنصورة) وهو مُتَّجِه، فإنَّ اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أنَّ جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أنْ يُدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما مَن جاء بعده، فالشافعي وإنْ كان متصفًا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا: كل مَن كان متصفًا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد؛ سواء تعدد أم لا. فتح الباري (13/ 295).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وهو بحثٌ نفيسٌ جِدًّا -والله تعالى أعلم بالصواب-. مشارق الأنوار الوهاجة (1/ 125).
وقال الألباني -رحمه الله-:
المجددون كما يذكر الإمام السيوطي وغيره لا ينبغي أنْ نتصوَّر أنَّ المجدِّد يكون واحدًا في كُلِّ عصرٍ، وإنَّما يمكن أنْ يكون هناك في كُلِّ عصرٍ مجددون كثيرون، لكن لِكل منهم اختصاصه في التَّجديد، فمجددٌ في التوحيد، مجددٌ في الحديث، مجددٌ في التفسير، وفي اللغة، وفي كل شيء تعلق بإحياء فرض كفاية لفهم الإسلام فهمًا صحيحًا، والغرض أنَّ محمد بن عبد الوهاب جدَّد التوحيد الذي لا تزال آثار الإخلال به مع الأسف الشديد في كل البلاد الإسلامية إلا هذه البلاد النجدية، بفضل دعوة محمد بن عبد الوهاب، ولا أقول: بفضل الدعوة الوهابية. موسوعة الألباني في العقيدة (2/81-82).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ولا شك أنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه- مجدد في زمانه، وقد نفع الله به، وأظهر الله الحق على يديه، ولا تزال آثار دعوته ونصحه وتجديده لِمَا دُرِسَ من الدين موجودة، وقد مضى على موته أكثر من مائتين سنة، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم من أعلام الهدى، ومن أئمة الهدى، وممن أظهر الله بهم الحق، وقمع بهم البدع، ولا تزال آثارهم ماثلة وموجودة نراها ونشاهدها في تلك المؤلفات الواسعة التي فيها بيان الحق وتوضيحه، وقمع الباطل ودحضه، هذا، ولا مانع من وجود أكثر من مجدد في رأس كل مائة سنة. شرح سنن أبي داود (ص: 3).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قد كان قبيل كل مائة أيضًا مَن يقوم بأمور الدِّين، وإنَّما المراد بالذِّكْر: من انقضت المائة، وهو حي عالم، مشهور مُشار إليه. جامع الأصول (11/ 320).
وقال المظهري -رحمه الله-:
معنى الحديث: أنَّه إذا قلَّ العلم، وغلبَ المبتدِعُون، وَفَّقَ الله لعالمٍ رَبَّانيٍّ بأنْ يعلِّمَ الناسَ علومَ الدين، ويبيِّنَ لهم السُّنةَ من البدعة، ويكسِرَ أهلَ البدعة ويُذِلَّهم، ويؤيِّدَ الدِّين، ويُعِزَّ أهله، ويُكثرَ العلم بين الناس. المفاتيح (1/ 341).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
بعض الناس يذكر مجددين على مَشربه، وعلى طريقته، ولو كانوا من أهل البدع والانحراف، أو كانوا معروفين بعدم التوفيق للحق في باب أسماء الله وصفاته؛ وذلك من المشتغلين بعلم الكلام، فمثلًا أبو الأعلى المودودي له كتاب اسمه (المجددون في الإسلام) وجعل من المجددين الجويني والرازي والباقلاني! فهؤلاء هم المجددون عنده، ولم يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ولا ابن القيم ولا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مع أنه لم يذكر المجددين في كُل سنة، فقد ذكر المجددين في رأس المائة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، ثم انتقل إلى التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرةَ والثالثة عشرة. شرح سنن أبي داود (ص: 3).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
في الحديث: إشارة إلى وقوع الفتن والشرور آخر كل مائة، حتى يُبلى الدِّين، وتندرس أحكامه، فيظهر اللَّه تعالى لهذِه الأمة مَن يُجدِّدُ ما بلي منه، واندرس. شرح سنن أبي داود (17/ 87).